مركز الدراسات القرآنيةشذور

من وحي آية الرجاء ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53]

كل إنسان معرض للوقوع في الأخطاء وارتكاب الذنوب والمعاصي؛ لأنه خُلق ضعيفا تتحكم فيه نزوات النفس ومكايد الشيطان. فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون» [1] . إلا أن الإنسان قد لا يكتفي بعصيان الله، فاقتراف المعاصي وارد، بل يصل في العصيان إلى درجة الإسراف، فيأتي المعاصي بكل ألوانها وأنواعها، ويتجاوز كل الحدود المعقولة، حتى يقع في الإصرار على الذنوب والآثام ومخالفة أوامر الله في كل وقت وحين، وفي كل أمر ونهي، وفي كل مكان وموقع، وفي كل شأن وحال، وهذا ما يوصل الإنسان إلى درجة الإسراف في المعاصي.
فلا توجد في العالم ما يمنع من الوقوع في الذنوب، فارتكابها موجود في كل الأزمان وفي كل الأماكن منذ أن خلق الله الأرض، وحتى أنصار الأنبياء وصحابتهم لم يسلموا من المخالفات، بله أعداءهم وخصومهم، فكل ابن آدم خطاء، لكن الدّين يتشدد في منع المجاهرة بالمعاصي، والإعلان بها؛ كي لا تشيع في المجتمع وتذاع، وتصبح عادة بين الناس فلايستقبحونها ويستنكرونها، فيصير الغش والخداع وشهادة الزور والكذب والخيانة وغيرها من المخالفات والمعاصي أشياء عادية غير مستنكرة فتنتشر وتعم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من الجهار أن يعمل الرجل بالليل عملا ثم يصبح وقد ستره الله تعالى فيقول: عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عليه»[2]. فالجهر بالذنب يصبح به الإنسان فاسقا.
لكن الله برحمته وفضله لم يغلق باب التوبة والإنابة والرحمة حتى في وجه هؤلاء الفسقة المسرفين في معصية الله إذا تابوا وأنابوا إلى ربهم، فطلب منهم ألا يقنطوا ولا ييأسوا من رحمة الله ورحه، ووعدهم بالصفح والمغفرة لأنه غفور رحيم، يغفر الذنوب جميعا. قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53] فالله تعالى بفضله لم يخرجهم من دائرة عباده رغم إسرافهم وإصرارهم على معصيته، فخاطبهم بقوله: «ياعبادي» بل طلب منهم ألا يقنطوا من رحمته ومغفرته وعفوه، فيتوبوا ويعودوا إلى الطريق المستقيم، ويقلعوا عن المعاصي. وهذه الآية ومثيلاتها من الآيات تزرع في نفوس المؤمنين الرجاء في إحسان الله وعفوه ومغفرته وصفحه وحسن الظن به تعالى.
قال ابن كثير: «هذه الآية الكريمة دعوة لجميع العصاة من الكفرة وغيرهم إلى التوبة والإنابة، وإخبار بأن الله يغفر الذنوب جميعا لمن تاب منها ورجع عنها، وإن كانت مهما كانت، وإن كثرت وكانت مثل زبد البحر»[3].
قال تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: 110] وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الشورى: 25] وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المائدة: 74].

الهوامش:

[1] رواه الترمذي، رقم: 2499 وابن ماجه، رقم: 4251، والدارمي وأحمد، رقم: 13049.
[2] صحيح البخاري، رقم: 6069.
[3] تفسير ابن كثير ج12 ص 138.

Science

د. مصطفى اليربوعي

باحث بمركز الدراسات القرآنية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق