مركز دراس بن إسماعيل لتقريب المذهب والعقيدة والسلوكدراسات عامة

منهج أبي علي عمر السكوني في التعامل مع النوازل العقدية

مقدمة:

الحمد لله والصلاة والسلام على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

فإنه لمّا تطلّب ظهورُ الأمور والقضايا المستجدة الكشفَ عن حكم شرعيّ يُوضّحها ويجلّيها تأكيداً لصلاحية الشريعة الإسلامية لكل زمان ومكان، ورفعاً للحرج الذي يعتري المكلّفين نتيجة الجهل بحكمها، فقد قيّض الله جل وعلا لهذه المستجدات الطارئة العلماءَ الراسخين في العلم والمجدّدين في كل عصر، فأفردوا مصنفات في بيان أحكامها اشتُهرت بكتب النوازل عند فقهاء المالكية، وهذا سبق يُسجل لفقهاء المالكية في استعمال هذا المصطلح الدقيق دلالته، وفي إفراد تواليف خاصة بالمستجدات الفقهية وببيان أحكامها، وقد تضمّنت بعض كتب الفتاوى والأجوبة في مختلف المذاهب الفقهية شيئاً من هذه النوازل.

ونَحَا المتكلّمون الذّابُّون عن أصول الدين نحو الفقهاء فتابعوا  المستجدات المتّصلة بالاعتقاد، وما يُلم بالناس من شبهات من شأنها زعزعة إيمانهم، بقصد رفع اللّبس عن مختلف القضايا العقدية المتداولة للدرس والفحص وحل الإشكالات العقدية المتصلة بها، والمنافحة عن القيم العقدية، ونفي الغلو والتطرّف عن الشريعة السّمحة.

وتجدر الإشارة إلى أن البُعد الدلالي للنازلة العقديّة من الممكن أن يشمل ما ينزل بالناس من كلام العوام الذي قد تتخلّله أخطاء عقديّة، أو أن يشمل ما ينزل بهم من مقالات وشبهات من شأنها أن تُلبّس الحقائق العقدية على الناس، فتكون الحاجة حينئذ ملحة لتصدي عالم مصلح لها، يقوّم اللسان، ويؤمّن الجَنان، ليتأتى للمُكلَّفين العمل بالأركان على نحو ما يرضاه الرحمن.

ونجد من كتابات المتكلّمين في هذا الشأن:

– أجوبة في التوحيد، لأبي العباس أحمد بن علي المنجور المكناسي الفاسي (ت995هـ)، أجاب فيها عن ستة أسئلة دقيقة في أصول الدين[1].

أخذ الجُنّة عن إشكال نعيم الجنّة، لأبي علي الحسن اليوسي (1102هـ)[2].

-أجوبة لأبي عبد الله محمد بن عبد الباقي الزُّرقانيّ (ت1122هـ) عن ثلاث وخمسين سؤالاً في التوحيد، نظمها في أربعة وخمسين بيتاً ثم نثرها ![3].

وقبل هذه المؤلفات ظهرت كتابة فريدة من نوعها، واقعية في منهجها، رصد مؤلفها من خلالها ما استجد من أخطاء عقدية جرت على ألسنة العوام، عنوانها: “لحن العوام فيما يتعلق بعلم الكلام”[4] لأبي علي عمر بن محمد بن خليل السّكوني المالكي الأشعري (ت717هـ) مُعوِّلاً في التحذير من هذه الإطلاقات على ما تقرّر من قواعد المذهب الأشعري.

وقد ألّفها إيماناً منه بأن نصح المسلمين واجب، خصوصاً في ما يتعلق بالعقيدة التي تتوقف صحة العبادات والمعاملات على صحتها.

ولأهمية موضوع النوازل العقدية وقلة الدراسات فيه، ومنزلة الإمام أبي علي السكونيّ وكتابه في المنظومة العقدية الأشعرية، قرّرت أن أخصّص هذه الدّراسة لاستنباط منهجه في التعامل مع النوازل العقديّة مستندًا إلى مُؤلَّفه المتقدِّم ذكره، وأن أجعلها مُنتظمة في محورين رئيسين:

1-أبو علي عمر بن محمد بن خليل السّكوني المتكلِّم النّوازلي (ت717هـ).

2- منهج أبي علي عمر السكوني في التعامل مع النوازل العقدية من خلال كتابه “لحن العوام فيما يتعلق بعلم الكلام”.

1-  أبو علي عمر بن محمد بن خليل السّكوني المتكلِّم النّوازليّ (ت717هـ)

رغم غزارة علم أبي علي السّكوني وأهمية تآليفه وتألقها منهجيا ومعرفيا، فإنه لم يحظ بترجمة تليق بمقامه! فجُلّ ما ورد عنه لا يعدو أن يكون وصفاً مختصراً يتضمن اسمه ونسبه وتخصُّصه وبعض مؤلفاته.

وعليه، فسأحاول جمعَ ما تحصل لديّ عنه وعن عصره من خلال جملة من كتب التراجم والطبقات، والتاريخ، وفهارس المؤلفات، وإيرادَ ترجمة لعلّها تقرّب القارئ من معرفة هذا العَلَم الكبير، وذلك تمهيداً لسبر أغوار كتابه المسمى “لحن العوام فيما يتعلق بعلم الكلام” واستنباط منهجه في رصد الانحرافات العقدية وفي التعامل مع النوازل الكلامية.

1-1 اسمه ونسبه

هو أبو علي عمر بن محمَّد بن خليل السكوني كما أثبته جماعة من المؤرخين والكتّاب[5]، وبخصوص اسمه الكامل فقد رجّح الدكتور سعد غراب أنه: “أبو علي عمر بن محمد بن محمد بن أحمد بن خليل بن إسماعيل بن عبد الملك بن خلف بن محمد بن عبد الله السّكوني”[6] يُنسب إلى المغرب[7]  تارة، و إلى إشبيلية[8] تارة أخرى، وتجمع بعض المراجع بين النّسبتين موضحة بأنه مغربي من أهل إشبيلية نزل بتونس[9].

2-1 ولادته ونشأته:

لم أقف على نص يصرح بتاريخ ولادة أبي علي السكوني، وكل ما أملكه إلى الآن بخصوص ذلك هو نص وقف عليه الدكتور سعد غراب أثناء تحقيقه كتاب “لحن العوام” يُقرّ من خلاله أبو علي السكوني أن الشيخ أبا يعقوب يوسف ابن السماط (ت690هـ) أخبره بأبيات عن أخيه الشيخ أبي علي يونس ابن السماط المهدوي (ت674هـ) بالمهدية بإفريقية (تونس حاليا) سنة (674هـ)، وهو ما اعتبره الدكتور قرينة تدل على أنه وُلد تقريباً أواسط القرن السابع الهجري[10].

ولقد نشأ في أسرة علم وأدب رفيع، فوالده هو الشيخ المتكلم محمد بن خليل السكوني، ويظهر من خلال تآليف الابن أنه كان كثير الملازمة لوالده آخذاً عنه جلّ علومه، عاضّاً على منهجه بالنواجد؛ إذ من الصّعب التفريق بين أسلوبهما في الكتابة، خصوصاً وأن المشهور منها في موضوع واحد هو علم الكلام والعقيدة.

ومن الدلائل على ما ذهبت إليه ما ورد على لسان الابن في سياق التحذير من “كشاف الزمخشري”:”… وقد صنّفنا في الرّد عليه كتاباً سميناه بكتاب التمييز لما أودعه الزّمخشري من الاعتزال في تفسيره للكتاب العزيز كان قد ابتدأه والدي رحمه الله ثم مَنَّ الله سبحانه بتكملته على يديّ، فله الحمد على ذلك”[11].

ومن الدلائل اعتماد الابن في “لحن العوام” على بعض ما ورد في كتاب:”أربعون مسالة في أصول الدين” لوالده الذي سبق ابنَه في التصدي لمختلف مستجدات الانحرافات العقدية التي عاصرها، وإن كان ذلك على سبيل الإشارة فقط.

3-1  أحداث مُؤلمة عاشها أبو علي السكوني:

لم أقف على ما يُؤكّد أنّ أبا علي السّكونيّ عاصر سقوط إشبيلية سنة 646هـ، وما يُمكن الجزم به هو أنه عاش آثار ذلك الحدث المؤلم لقربه منه زماناً ومكاناً، فقد تقدّم إيراد خبر التقائه بابن السماط بإفريقية (تونس حالياً) سنة 674هـ، وهو من نتائج هجرة جدّه أبي الخطّاب محمد السّكوني فارّاً من إشبيلية عند سقوطها [ انظر: “لحن العوام”، ص.112.].

ومن الأحداث المؤلمة التي عاصرها المؤلف، الاضطراب الكبير الّذي عرفته بلاد المغرب، والذي دام زُهاء أربعين سنة توالى فيها على حكمها ثمانية سلاطين من سنة 675هـ إلى سنة 718هـ [ انظر: “لحن العوام”، ص.113.].

وسيتضح فيما يأتي علاقة هذه الأحداث بالمسلك الذي سلكه الإمام أبو علي السكوني في التأليف.

4-1 أبو علي السكوني من رواد الاتجاه الإصلاحي في العقيدة:

إيماناً منه بأن المصائب التي حلّت بالمسلمين في عهده مردّها إلى الإخلال بقواعد الاعتقاد والبعد عن المناصحة، عمل الإمام أبو علي السكوني على تتبع الأخطاء العقدية الشائعة في عهده، ومحاولة تصويبها وفق القواعد العقدية المقرَّرة بالمذهب الأشعري.

وما يُميّز منهجه الإصلاحي التزامه بالموضوعيّة في التصدي لهذه الانحرافات والأخطاء؛ فلم تمنعه أشعريته من انتقاد بعض الأشاعرة إن اعترت كتاباتهم بعض الشوائب، مع التزام أدبيات النقد البناء، فمارس بذلك الإصلاح داخل المذهب الأشعري.

ولم يقف مشروعه الإصلاحي عند هذا الحدّ، بل تجاوزه إلى التنبيه على ما جاء في مقالات بعض المعتزلة والشعراء والفلاسفة، فمارس بذلك الإصلاح خارج المذهب.

ولم يغفل أبو علي السكوني عن عوام المسلمين؛ إذ رصد مستجدات الاختلالات العقدية التي وقعوا فيها وبادر إلى تصويبها.

5-1 أبو علي السكوني صاحب الكتابات الفريدة في علم أصول الدين

لأبي علي السكوني مؤلفات قيمة تدل على سعة علمه وقوة منهجه. وما يميّزها عن غيرها كون كل كتابة منها في علم أصول الدين على وجه الخصوص، تختلف عن الأخرى من حيث المنهج التقريبي المعتمد فيها. وفيما يأتي وصف لأهم ما بلغنا منها:

1-5-1 كتاب “التمييز لما أودعه الزمخشري من الاعتزال في تفسيره للكتاب العزيز”[12] 

هو الذي تقدم الحديث عنه؛ حيث ذكرنا أن والد أبي علي هو من ابتدأه بالتأليف، وبعد وفاته تكفل ابنه أبو علي بتكملته.

وممّا يُميّز “التمييز” عن غيره اعتماده منهج  التقويم خارج المذهب الأشعري، وليس باليسير رصد أخطاء عَلَم كبير من أعلام المعتزلة في العقيدة، وتقويم كتابه الكشّاف.

2-5-1 كتاب “عيون المناظرات”[13]

في سياق اتجاهه الإصلاحي سلك الإمام أبو علي السكوني في كتابه “عيون المناظرات” مسلكاً تقريبياً قلّ سالكه في هذا العلم، فإيراد المناظرات التي اعتمد أصحابها منهجاً جدلياً تجاوزيّاً قصد إفحام الخصوم، ونصرة الاعتقاد الصحيح، له آثار عظيمة في تثبيت العقيدة الصحيحة في قلوب المسلمين، وفي دفع الشبهات الواردة على أذهانهم.

3-5-1 كتاب “مختصر في أصول الدين مجموع من قطعيات كلام المتقدمين من أهل الحق والمتأخرين”[14]. 

وهو عبارة عن مقدمة في أصول الدين لكتاب التمييز الذي تقدّم ذكره.

ومن مؤلفاته: “شرح على منظومة الأقصري في التوحيد”[15]، والمنهج المشرق فِي الِاعتراض على كثير من أهل المنطق”[16]، وكتاب “لحن العوام فيما يتعلق بعلم الكلام” الذي هو موضوع هذه الدراسة.

2- أبو علي السكوني وكتابه: “لحن العوام فيما يتعلق بعلم الكلام” 

كتاب “لحن العوام فيما يتعلّق بعلم الكلام” ضمّنه مُؤلفه أصالة التنبيه على ما استجد على ألسنة العوام من إطلاقات تخالف الكتاب والسنة، ولا تليق بالله تعالى ولا بأنبيائه عليهم السلام، كما ضمّنه التحذير من بعض مزالق الخطباء والشعراء والعلماء، مخافة أن يفتتن بها العوام.

وباستقراء المسائل التي تعرّض لها أبو علي السكونيّ في كتابه هذا تبين لي سلوكه مسالك منهجية متنوعة في التعامل مع النوازل العقدية، والمسائل المستجدة في علم الكلام، تنمّ عن سعة علمه وانفتاحه على واقعه.

 وفيما يأتي بسط لما استنبطته من هذه المسالك من خلال كتابه “لحن العوام فيما يتعلّق بعلم الكلام” معتمداً النُّسخة التي نُشرت في العدد: (12) من حوليات الجامعة التونسية، الصادر سنة 1975م، من الصفحة (117) إلى الصفحة (255).

1-2 تصوره النازلة قبل الحكم عليها:

لا يُبادر أبو علي السكونيّ إلى الحكم على النازلة إلا بعد تصوّرها، فغير خافٍ  عليه أن الحكم على الشيء فرع عن تصوّره، لذلك تجده ينقل بأمانة مختلف الإطلاقات الفاسدة كما وردت على لسان قائلها ولو كانت غير فصيحة ميّالة إلى الدارجة مثل: “على وجه من صبحنا في هذا اليوم”[17]، فبيّن أنه تطيّرٌ مَنهيٌّ عنه في الشرع[18].

ومثل: “يُعطي الله الفُول لمن ليس له أسنان”[19]، فوضّح أنّ فيه الاعتراض على الله تعالى في أحكامه…[20].

وينقل بأمانة كلام الشعراء الذي تخلّلته انحرافات عقدية، لكنه لا ينقل الكفر الصّراح الذي لا يخفى أمره على أحد، ويبقي قائله نكرة؛ لأنه في الأصل نكرة. يُعبّر عن منهجه هذا بقوله: “وكان بصقلية شاعر يمدح بعض ملوك الروم فساواه بالأنبياء (…) وإنما لم نذكر مقالته؛ لأنها كفر صراح لا يخفى على أحد ردّها إذا سمعها” [21].

ومن خلال ما سيأتي من توضيح مسالكه في الحكم على مختلف المسائل المستجدة ستنجلي قوة تمكُّنه من تصوّر النوازل.

2-2 تتبعه الشمولي والواقعي للنوازل العقدية:

ويظهر ذلك من خلال تتبع أبي علي السكوني لمستجدات ما يجري على ألسنة الناس بمختلف فئاتهم الاجتماعية والثقافية من مخالفات عقدية. فإلى جانب التنبيه على أخطاء العوام –وهو الغالب في الكتاب- من أهل البادية[22] والحضر ومن النساء[23] ومن أهل الأسواق[24]، لم يغفل أبو علي السّكوني عن رصد أخطاء بعض العلماء[25] والخطباء[26] والشعراء[27].

3-2 عدم تصريحه بأسماء من جرى اللّحن على ألسنتهم إلا عند الضرورة:

المعتمد في الغالب عند أبي عليّ السّكونيّ عدم التّصريح بأسماء من جرى الخطأ على لسانهم، فكثيراً ما يُعبّر بالتعريض إذا رام النُّصح بعبارات: “لا يُقال…”[28] و “…بعض العوام..”[29] و”…بعض الخطباء”[30] و”يقول قائلهم…”[31] و”…وأكثر ما يجري هذا اللفظ على ألسنة النساء”[32].

لكنه يضطرّ في بعض السياقات إلى التعيين خصوصاً عند التحذير من مقالات بعض الشعراء التي انحرفت عن الجادّة، وعند التنبيه مما ورد في بعض المؤلفات المشهورة التي يكثر تداولها بين الناس. يشير أبو علي السكوني إلى منهجه في هذا السياق بقوله: “…وتركنا ذِكْر قومٍ يقلّ وُقوع كلامهم بين أيدي الناس”[33]. فتأمل نظرته المقاصدية في النُّصح.

4-2  اعتماده الإجماع في الحكم على بعض النوازل العقدية:

يوضح ذلك قوله: “…ويقول قائلهم سبحان الطائق الأزلي… ثم جرت على ألسنة بعض العوام؛ فالطائق لفظ ممنوع إطلاقه في حق الله تعالى بالإجماع، والأزلي يصح إطلاقه في حقّه تعالى شرعاً للإجماع المنعقد على ذلك (…) ويجوز في حقه تعالى عوضاً عن الطائق القادر والمقتدر والقوي وذو القوة”[34].

5-2  استناده إلى آراء الصحابة والعلماء في الحكم على النازلة:

 لم يكن أبو علي السكوني منغلقا في منهجه في الحكم على النوازل العقدية، مدّعيا إحاطته علماً بالحكم عليها دون استحضار كلام بعض الصحابة رضي الله عنه، ومقالات بعض علماء الشريعة المعتد بآرائهم؛ فمن مصادره المعتمدة في إحقاق ما يراه حقّاً، وإزهاق ما يراه باطلاً نجد:

-أبو بكر الصديق رضي الله عنه (ت13هـ)[35].

-عمر بن الخطاب رضي الله عنه(ت23هـ)[36].

-علي رضي الله عنه (ت40هـ)[37].

– عبد الرحمن الأوزاعي (ت157)[38].

– سفيان الثوري (ت161هـ)[39].

– أبو الحسن الأشعري (ت324هـ)[40].

-محمد بن أبي زيد القيرواني (ت386هـ) [41]

– أبو بكر بن الطيب الباقلاني (ت403هـ)[42].

– أبو بكر ابن فورك (ت407هـ)[43].

– أبو بكر البيهقي (ت458هـ)[44]

– أبو بكر الخطيب البغدادي (ت463هـ)[45]

-الحافظ أبو القاسم ابن عساكر (ت571هـ)[46]

– أبو القاسم السهيلي (ت581هـ)[47].

– أبو علي يونس ابن السماط المهدوي ( ت674هـ)[48].

6-2 اعتماده المعايير العقلية في الحكم على بعض النوازل:

الشاهد على ذلك قوله: “ويقولون: يجعل الله لكل شيء سبباً وهو باطل؛ لأنه كلام يلزم منه التسلسل؛ لأن السبب شيء مجهول يستدعي سبباً آخر إلى غير نهاية، فيلزم منه القول بقدم العالم وهو كفر والعياذ بالله من سخطه، والحق أن يقال: خلق الله تعالى شيئا عند شيء وتارة شيئا لا عند شيء”[49].

7-2 اعتماده المعايير الجدلية في دفع بعض الشبه المتعلقة بالنوازل:

لقد أكثر أبو علي السكوني من استعمال أسلوب “الفنقلة” بغرض تجاوز بعض الشبه المتعلقة ببعض النوازل، حيث يفترض معارضة ما أثبته على سبيل التوقع، فيورد رداً مفحماً كافياً شافياً على ما عورض به.

 وهذا الأسلوب لا يعتمده إلا جهابذة العلماء؛ إذ يتطلب إلماماً واسعاً بعلوم الشريعة، وبعلوم الآلة وبمقالات المخالفين وأدلتهم المعتمدة، ويحتاج إلى فطنة وحكمة، ولا جرم أن أبا علي السكوني ممن توافرت فيهم هذه الشرائط، فهو صاحب كتاب: “عيون المناظرت” الذي تقدم الحديث عنه وعن منهج صاحبه في تقرير عقيدة أهل السنة بأسلوب فريد.

ومن الشواهد على اعتماده هذا المنهج قوله في التحذير من إطلاق قول: “يا من يرانا ولا نراه”: “…فإن قال صاحب هذا الإطلاق الممنوع: أردتُ: ولا أراه في الدنيا. قيل له: أطلقت في موضع التقييد، والإطلاق في موضوع التقييد خطأ من قبل المكلَّفين…”[50].

ومن الشواهد كذلك قوله في سياق التحذير من بعض الكتابات التي ضمّنها أصحابها بعض المخالفات العقدية: “…فإن قال قائل ممن قدّمنا ذكره: لم نقصد بكلامنا ورموزنا وإشاراتنا الاتحاد والحلول وإنما قصدنا أمرا آخر، قلنا لهم: الله أعلم صدق أغراضهم وإنما اعترضنا للألفاظ التي يظهر منها الإشارة إلى الإلحاد والحلول والاتحاد”[51].

8-2 تصويبه الإطلاقات الفاسدة بذكر الإطلاقات الصحيحة:

ومن منهجه كذلك الإكثار من التصويبات، فهو لا يكتفي بمجرد التنبيه على الإطلاقات الفاسدة الجارية على ألسنة الناس، بل يتعدّى ذلك إلى ذكر الإطلاقات الشرعية الصحيحة والبديلة لها، كقوله: “…ويجوز في حقه تعالى عوضاً عن الطائق، القادر والمقتدر والقوي وذو القوة”[52].

وقوله: “…وكذلك إذا قال: لفظت بالقرآن؛ لأن اللفظ في اللغة هو الطرح. والصواب أن يقال: قرأت القرآن…”.

خاتمة:

إن منهج السكوني الابن في التعامل مع النوازل العقدية لتعسر الإحاطة به دون استقراء لباقي كتاباته التي نحا معظمها منحى نقديّاً بقصد تثبيت العقد الأشعري والمنافحة عنه بطرائق شتّى، ولعل ما أوردناه من معالم منهجه في التعامل مع مختلف ما نزل بالناس من مقالات تتخللها انحرافات عقدية، ومن شبهات مُضللة، مُقرِّب من مكانة هذا العَلَم المرموقة ومدى أهمية كتاباته، هذا العالم الناصح الناقد الذي لم تُوَفِّه كتب التراجم ولا الدراسات العقدية الحديثة حقّه. فعسى أن تكون هذه المقالة التقريبية مُعيناً وحافزاً للباحثين لإنجاز دراسات تنظيرية وتطبيقية في مجال النقد العقدي والنوازل العقدية في ضوء إنتاجات أعلام المذهب الأشعري بالغرب الإسلامي، مع التنبيه على أنه لا سبيل إلى تحقيق ذلك إلا بمزيد اهتمام بتراثهم العقدي الزاخر دراسةً وتحقيقاً.

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

  ******************************

قائمة المصادر والمراجع: 

القرآن الكريم برواية ورش عن نافع. 

1-أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض”، لشهاب الدين أحمد بن محمد المقري التلمساني (ت1041هـ). مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر – القاهرة: (1358هـ – 1939 م).

2-“الأعلام”، لخير الدين الزركلي (ت1395هـ). دار العلم للملايين، ط.15: 2002م.

3-“برنامج الوادي آشي”،  لمحمد بن جابر بن محمد الوادي آشي الاندلسي (ت749هـ). دار المغرب الاسلامي – أثينا- بيروت: ط.1:(1400هـ-1980م).

4-“طبقات الشافعية الكبرى”، لتاج الدين السبكي (ت771هـ). هجر للطباعة والنشر والتوزيع، ط.2: 1413هـ. 

“طبقات المفسرين”، لأحمد بن محمد الأدنه وي (ت. ق.11هـ). مكتبة العلوم والحكم السعودية: ط.1: (1417هـ- 1997م). 

5-“فهرس الكتب المخطوطة في العقيدة الأشعرية”، لخالد زهري وعبد المجيد بوكاري.منشورات الخزانة الحسنية بالرباط، ط.1: (1432هـ-2011م). 

6-“كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون”، لمصطفى بن عبد الله حاجي خليفة (ت1067هـ).مكتبة المثنى – بغداد: 1941م. 

7-“لحن العوام فيما يتعلق بعلم الكلام” لأبي علي عمر بن محمد السكوني (ت717هـ)، تحقيق وتقديم: سعد غراب. حوليات الجامعة التونسية، العدد:12، سنة: 1975م.

8-“معجم المؤلفين” لعمر بن رضا كحالة (ت1408هـ).مكتبة المثنى – بيروت، دار إحياء التراث العربي – بيروت. 

9-“هدية العارفين أسماء المؤلفين وآثار المصنفين”، لإسماعيل بن محمد البغدادي (ت1399هـ).دار إحياء التراث العربي بيروت – لبنان.

الهوامش:


[1] – توجد نسخة مخطوطة منه في الخزانة الحسنية بالرباط، تحت رقم: 13144.

[2] – توجد نسخة مخطوطة منه في الخزانة الحسنية بالرباط، تحت رقم: 6602.

[3] – توجد نسخة مخطوطة منه في الخزانة الحسنية بالرباط، تحت رقم: 12028.

[4] – تحقيق وتقديم: سعد غراب. حوليات الجامعة التونسية، العدد:12، سنة: 1975م.

[5]– انظر: “برنامج الوادي آشي”،  لمحمد بن جابر بن محمد الوادي آشي الأندلسي (ت749هـ)، ص.194. و”طبقات الشافعية الكبرى”، لتاج الدين السبكي (ت771هـ)، 9/9. و “أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض”، لشهاب الدين أحمد بن محمد المقري التلمساني (ت1041هـ)، 3/299.  و”كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون”، لمصطفى بن عبد الله حاجي خليفة (ت1067هـ)، 2/1475. و”طبقات المفسرين”، لأحمد بن محمد الأدنه وي (ت. ق.11هـ) ص.432.

و”الأعلام”، لخير الدين الزركلي (ت1395هـ)،  5/ 63. و “هدية العارفين أسماء المؤلفين وآثار المصنفين”، لإسماعيل بن محمد البغدادي (ت1399هـ)، 1/788. و”معجم المؤلفين” لعمر بن رضا كحالة (ت1408هـ)، ج.7 ص.709.

[6]– “لحن العوام فيما يتعلق بعلم الكلام”، لأبي علي عمر بن محمد السكوني. تحقيق وتقديم: سعد غراب. حوليات الجامعة التونسية، العدد:12، سنة: 1975م، صص.(111.112).

[7]– “كشف الظنون”:2/1475.

[8]– “هدية العارفين”:1/788.

[9]-“معجم المؤلفين” رضا كحالة: 7 /709. و”الأعلام”: 5/ 63.

[10] – “لحن العوام “، ص.112.

[11] – المصدر نفسه، ص.114.

[12] – توجد نسخة مخطوطة منه في الخزانة الحسنية بالرباط، تحت رقم: 2595.

[13] نشرته الجامعة التونسية سنة 1976م بتحقيق سعد غراب.

[14] توجد نسختان مخطوطتان  منه بالخزانة الحسنية بالرباط تحت رقم: 2595 ورقم: 8780.

[15] انظر: هدية العارفين: 1/788.

[16] انظر نفسه.

[17]– “لحن العوام”:182.

[18]– نفسه:182.

[19]– نفسه:206.

[20]– نفسه:206.

[21]– نفسه: 148.

[22]– نفسه:  207.

[23]– نفسه: 174.

[24]– نفسه: 182.

[25]– نفسه: 209-212.

[26] -نفسه: 169.

[27] – نفسه: 145-151.

[28] – نفسه: 161

[29] – نفسه: 187

[30]– نفسه:169

[31] – نفسه: 163

[32]– نفسه: 174

[33]– لحن العوام: 212.

[34]– لحن العوام:171.

[35]– نفسه:203 .

[36]– نفسه:203 و204.

[37]– نفسه:184.

[38]– نفسه:144.

[39]– لحن العوام: 144.

[40]– نفسه:138 و167.

[41]– نفسه: 210

[42]– نفسه:138و186و201 و204 و205 و210.

[43]– نفسه:171.

[44]– نفسه:216.

[45]– نفسه:216.

[46]– نفسه: 215.

[47]– نفسه: 201.

[48]– نفسه:153.

[49]–  لحن العوام:167.

[50]–  نفسه: 139.

[51]–  نفسه: 214.

[52]–  نفسه: 171.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق