مركز الدراسات والأبحاث وإحياء التراثشذور

مفهوم الشيخ، والغرض من ذكر الشيوخ

قال أبو علي الحسن بن مسعود اليوسي(ت 1102هـ)، في فهرسته: «الشيخ لغة: الُمسِنُّ، قيل: من الخمسين أو إحدى وخمسين إلى آخر عمره. وشاخ الرجل يشيخ شَيَخاً بالتحريك، وشُيُوخَة وشَيْخُوخَة، فهو شيخ وشَيْخُونٌ، وهم شيوخٌ وأشيَاخٌ ومشيخة، ومَشْيُوخَاء ومشايخ.

وشَيَّخ أيضا تشييخاً، وتَشَيَّخَ، قال امرؤ القيس:

والله لا يذهب شيخي باطلا       حتى أُبيد مالكا وكاهلا

يريد أباه، والإضافة لمجرد الاختصاص، كما تقول: عالمنا وفارسنا، والمرأة شَيْخَةٌ، قال:

وتضحك مني شيخة عَبْشَمية      كأن لم ترى قبلي أسيرا يمانيا

وقد يطلق الشيخ على الرئيس المُدَبِّر أمور قبيلة أو قرية أو جماعة أو خطة، وهذا كثير في العرف، وهو مأخوذ من المعنى الأول؛ لأن الكبير يرجع إلى قوله لأمرين:

  •  أحدهما: أنه جدير بالتوقير لسنِّه، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الكُبْرَ الكُبْرَ».
  • الثاني: أنه أقدم وأقوى خبرة وتجربة، ولذلك اشتهر عند أهل سياسة الحرب أن الشباب أولى بالإقدام، والمشيخة أولى بالكيد، وقد يكونون أولى بالإقدام أيضا لكونهم أصبر وأعرف، كما قال أبو الطيب:

سأطلب حقي بالقنا ومشائخ      كأنهم من طول ما التثموا مُرْدُ

وعلى هذا المعنى العرفي يحوم قول جرير:

ولو وضعت شيوخ بني نُمَير    على الميزان ما عدلت ذُبابا

فالأولى أن يريد عرفاءهم لا مجرد المسنين كما لا يخفى. ولما لم يكن التدبير والغناء مختصا بأهل السِّن، كما قال الغلام لعمر بن عبد العزيز: « لو كانت بالسِّن لكان في المسلمين من هو أسَنُّ منك»، لم يختص هذا المعنى بهم بل هو بحسب الغناء والرأي، وقد يوجد من ذلك للصغير ما لا يوجد للكبير، كما قيل:

كثير الرماد رفيع العما     د ساد عشيرته أَمْرَدَا

نعم كونه مع السن هو الأصل والغالب.

وقد يطلق الشيخ أيضا على مفيد العلم، فكل من أفادك علما بقوله أو فعله أو حاله، فهو شيخك فيه، وهذا المعنى مأخوذ من المعنى الأول أيضا؛ لأن الأصل كون الكبير لمزيد تجربته يفيد الصغير ما ليس عنده، أو من الثاني؛ لأن صاحب العلم مرجوع إليه، فهو الكبير وإن كان صغيرا، كما قيل:

وإن صغير القوم والعلم عنده      كبير إذا التفت عليه المحافل

فالعلماء هم سادات الناس كما كان الإنسان سيد الحيوانات، لما عنده من العلم، بل العالم يعد حيًّا وإن مات، والجاهل يعد ميتا وإن عاش، كما قيل:

أخــو العلم حي خالد بعد مــوته     وأوصاله تحت التراب رميم

وذو الجهل ميت وهو يمشي على الثرى     يعـد من الأحياء وهو عديم

وهذا المعنى هو مراد أهل الاصطلاحات في سائر العلوم، كما في قول الراجز:

مالَكِ من شيخِكِ إلا عَمَلُه     إلا رَسِيمُه وإلا رَمَلُه

ويحتمل المعنى الثاني.

أغراض ذكر الإنسان لأشياخه:

ذكر الإنسان لأشياخه وتنويهه بهم يكون لأغراض، والمهم منها ثلاثة:

  •  الأول: أن يعرف سنده في الرواية، وطريقته في العمل والسيرة، وهذا مخصوص بمن كان من أهل العلم أو العمل أو الحال، وصالحا لأن يقتدى به فيه لتثبت السلسلة وتعرف الطريقة.
  •  الثاني: الشكر والمكافأة بذكر الخير ونشر الإحسان، وقد ورد أن من أُسْدِي إليه معروف فذكره فقد شكره، وإن كتمه فقد كفره، وإذا كان هذا في النعم الدنيوية الخسيسة الفانية، فما بالك في نعمة العلم والعمل والحال التي هي شرف الدنيا والآخرة، وهذا لا يختص بالقدوة، بل كل من حصلت منه مسألة تعين شكره، فإن مسألة واحدة من العلم أشرف من الدنيا بحذافيرها، بل لا مناسبة أصلا.
  •  الثالث: ما يستدعي ذكرهم من ذكر الفؤائد الحاصلة معهم، وهذا أيضا لا يختص». المصدر: فهرسة أبي علي الحسن بن مسعود اليوسي: (ص43- 48)، بتصرف، تحقيق زكرياء الخثيري، نشر دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى(2009م).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق