مركز الدراسات والبحوث في القضايا النسائية في الإسلامدراسات وأبحاثدراسات عامةمفاهيم

مفهوم الاختلاط والمشاركة في عهد الرسالة

 

فضيلة العزيزي

 

 

من المواضيع التي ثار حولها النقاش وما زال بسبب محوريته في علاقة الرجال بالنساء موضوع “الاختلاط”، ويدور معناه اللغوي حول التداخل والمشاركة، يقول ابن منظور: “خلط الشيء بالشيء يخلطه خلطا وخلّطه فاختلط: مزجه واختلطا. وخالط الشيء مخالطة وخلاطا: مازجه”[1]. أما المعنى الشرعي فهو لا يختلف كثيرا عن المعنى اللغوي؛ فكما قال الراغب الأصفهاني: “الاختلاط: هو الجمع بين أجزاء الشيئين فصاعدا، سواء كانا مائعين، أو جامدين، أو أحدهما مائعا والآخر جامدا، وهو أعمّ من المزج، ويقال اختلط الشيء، قال تعالى: (فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ)[2]، ويقال للصديق والمجاور والشريك: خليط، والخليطان في الفقه من ذلك، قال تعالى: (وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ)[3]…[4]، أمّا في الفقه الاسلامي فمصطلح الاختلاط لم يُخصّص له باب بهذا المصطلح، وقد اعتبر فضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي أن كلمة “الاختلاط” في مجـال العلاقة بين الرجـل والمرأة، كلمة دخيلة على “المعجم الإسلامي” لم يعرفها تراثنا الطويل العريض طوال القرون الماضية، ومدلولها له إيحاء غير مريح بالنظر لحس الإنسان المسلم. وربما كان أولى منها كلمة “لقاء” أو “مقابلة” أو “مشاركة” الرجال للنساء، ونحو ذلك…”[5].

 والقرآن الكريم لم يَفصل بين الذكر والأنثى، فقد كانت المرأة دائما شقيقة الرجل، وشريكته في تعمير الأرض، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: (النساء شقائق الرجال)[6]،  فقد كان لها حضور بارز في المجتمع الإسلامي فكانت تتعلم وتُعلّم ويقصدها طلاب العلم، وتُستفتى وتستشار في الأمور العامة، وتخالط الرجال في العديد من الأماكن والمناسبات، وذلك بجد واحتشام ووفق الآداب الإسلامية التي شرعها الله تعالى لاستخلافه عز وجلّ في الأرض.

فالمنهج الإسلامي علمنا أن الأمور بمقاصدها… من ثَم، فكلما كان لقاء النساء بالرجال بآداب شرعية خالية من كل الصور الداعية إلى إثارة الشهوة والمتعة، داعيا إلى تحقيق الفائدة وتعميم الخير على الجميع كان جائزا بل مطلوبا، أما اللقاءات الداعية إلى المنكرات والسفور والمجون ويزعم أهلها أن الغرض منها هو التعلم وقضاء المصالح وتبادل الخبرات، فالإسلام منها براء.

ولعل في تطبيقات مجتمع النبوة “للمثال الإسلامي” ما يُعين على الاطمئنان إلى هذه الحقيقة التي تغيب عن البعض منا… ففي المجتمع “المختلط”، الذي تخرج فيه النساء إلى الحقول والأسواق وإلى الصلاة في المسجد مع الرجال في عتمة العشاء وغلس الفجر… والذي يدخل فيه الرجال على النساء في البيوت، حتى في غيبة الأزواج… وخاصة في دخول رجل على زوجة غاب زوجها في سفر أو تجارة أو غزو… لم يحرّم الرسول صلى الله عليه وسلم “الاختلاط” –المشاركة- ولا دخول الرجال بيوت الغائبين وإنما أكّد على تحريم الخلوة، وظلت الإباحة “للاختلاط” –المشاركة-[7]، والأمثلة على ذلك كثيرة من السنة النبوية، والمجالات التي شاركت فيها المرأة إلى جانب شقيقها الرجل في عصر الرسالة عديدة ومختلفة، منها:

أماكن العبادة: حيث كان المسجد يضم صفوف النساء والرجال، كما كن يحضرن صلاة الجمعة، ويسمعن الخطبة، ويصلين صلاة العيد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله)[8].

مجالس العلم والتعلّم: لم تترك النساء هذا المجال المهم رغم انشغالاتهن، حيث كن يحضرن دروس العلم مع الرجال، ويسألن عن أمر دينهن وأمورهن الخاصة، فلم يمنعهن الحياء من ذلك، بل كان الرجال أنفسهم يستفيدون ويتعلّمون منهن، قال أبو موسى الأشعري: (ما أشكل علينا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث قط فسألنا عائشة إلا وجدنا عندها منه علما)[9]، وعن أسماء بنت عميس قالت: … فلقد رأيت أبا موسى وأصحاب السفينة يأتوني أرسالا يسألوني عن هذا الحديث)[10]، أما فقيهة عصرها والعصور بعدها إلى يوم الدين عائشة أم المؤمنين التي قال عنها من لا ينطق عن الهوى: “خُذُوا شطر دِينِكُمْ عن هذه الحميراء..”[11] فقد كانت مرجع نساء ورجال عصرها إلى أن توفيت رضي الله عنها، بل هناك العديد من المواقف التي شاركت النساءُ الرجالَ ومن ذلك أن النساء كن  يصححن بعض التصورات التي كان يعتقدها كبار الصحابة، ومن ذلك ما قالته عائشة وأم سلمة لأبي هريرة والفضل بن العباس: فعن أبي بكر بن عبد الرحمان بن الحارث قال: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقصّ في قصصه: من أدركه الفجر جنبا فلا يصم، فذكرت ذلك لعبد الرحمان بن الحارث فأنكر ذلك، فانطلق عبد الرحمان وانطلقت معه حتى دخلنا على عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما، فسألهما عبد الرحمان عن ذلك فكلتاهما قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلّم يصبح جنبا من غير حلم ثم يصوم… فجئنا أبا هريرة … فقال أبو هريرة: أهما قالتاه لك؟ قال نعم. قال: هما أعلم[12].

المشاركة في البيعة: لم تكن البيعة في العهد النبوي بما تعنيه من دلالات سياسية وعقدية خاصة بالرجال فقط بل كان أغلب النساء اللاتي اتصلن برسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخذ عليهن ما أخذ على الرجال[13]، فشاركت النساء إلى جانب الرجال في جَميع أنواع البيعة العظيمة، التي كان عليها مدار النصر والمؤازرة في قيام الدولة الإسلامية بمشاركة المرأة المسلمة.

الهجرة: ولما كانت الهجرة إلى الحبشة تطبيقا عمليا لِما أراده الإسلام، فقد كانت الحبشة هي المكان الآمن الذي سيلجأ إليه المسلمون ولو لفترة مؤقتة، وقد كانت النساء مشاركات في هذه الهجرة الأولى، “حيث خرج أحد عشر رجلا وأربع نسوة… وفي الهجرة الثانية خرجت خمس وعشرون مهاجرة… وكان من بينهن: أسماء بنت عميس وسودة بنت زمعة وحبيبة بنت أبي سفيان…[14].

المباهلة: قال تعالى: ( إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ، فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ)[15]. وهذه الآية الكريمة تمثل حدثا مهمّا في مسار الدعوة الإسلامية، فسبب نزولها يُلَخّص في أن وفد نصارى نجران حين قدموا المدينة جعلوا يُجادلون في نبي الله عيسى عليه السلام، ويزعمون فيه ما يزعمون من البنوة والألوهية، وقد تصلبوا على باطلهم، بعدما أقام عليهم النبي صلى الله عليه وسلم البراهين بأنه عبد الله ورسوله، فأمره الله تعالى أن يباهلهم (أي أن يدعوَ بنزول اللعنة على الكاذب من المتباهلين). فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المباهلة، بأن يحضر هو وأهلَه وأبناءَه، وهم يحضرون جميعا برجالهم ونسائهم وأبنائهم، ثم يدعو الله تعالى أن ينزل عقوبته ولعنته على الكاذبين… وهذه الحادثة مثال واضح على خروج النساء ومخالطتهن للرجال للمشاركة في الأمور العظيمة للأمة.

المشاركة في الجهاد: فقد تجاوزن المجالات السابقة وشاركن الرجال في الغزوات وذلك بسقي الماء والتطبيب وخدمة الجيش والمجاهدين، فقد جاء عن الإمام أحمد أن ست نسوة من نساء المؤمنين كن مع الجيش الذي حاصر خيبر يتناولن السهام إلى جانب الرجال، بل ثبت أن بعضهن حمل السلاح في بعض المعارك، ومن ذلك ما قامت به أم عمارة نسيبة بنت كعب يوم أُحُد حتى قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم: (لمقامها خير من مُقام فلان وفلان)[16].

 ومما يؤكد لقاء الرجال بالنساء أيضا: قول أنس بن مالك، قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا مر بجنبات أم سليم دخل عليها فسلّم عليها)، وفي رواية أخرى: (دخل نبي الله صلى الله عليه وسلم علينا وما هو إلا أنا وأمي وأم حرام فقال: قوموا لأصلي بكم)[17].

فهذه الأمثلة وغيرها تدل على المشاركة واللقاء بين النساء والرجال في عهد الرسول عليه السلام، إلا أن هذه اللقاءات كانت تطبعها آداب إسلامية من غض البصر، وستر جميع البدن، ووقار واحترام وجدية في القول، وذلك ما تـشير إليه الآية الكريمة: قال تعالى: (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ)[18]، وقوله جل علاه: (فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلا مَّعْرُوفًا)[19].

أما لقاء النساء بالرجال أو “الاختلاط” المحظور فالمقصود منه المتعة المحرمة وإثارة الفتنة  والكلام الفارغ الفاحش حيث مخالفة شرع الله واللقاء العابث وممارسة التبذل.

وختاما يمكن القول: إن أي عمل يقوم به الفرد تحكمه ضوابط شرعية وقواعد إسلامية، فمتى كان العمل فيه مصلحة الفرد والجماعة كلما كان مشروعا، وكلما كان العمل فيه مفسدة وخروج عن الشرع الإسلامي كلما كان محظورا ويجب الابتعاد عنه، وهو ما يمكن ادراجه تحت القاعدة التي تقول: “درء المفاسد وجلب المصالح”، من هنا يتبين أن المرأة في زمن الرسالة لم تكون حبيسة بيتها بل كان المجال مفتوحا أمامها للخروج وقضاء حوائجها في ظل قواعد الشريعة السمحة.

 

 نشر بتاريخ 27/09/2012

——————————————————————————–

 [1] لسان العرب، ابن منظور، الطبعة السادسة، دار صادر، بيروت، مادة خلط، الصفحة 127. 

[2] سورة يونس، الآية 24

[3] الآية 24، سورة ص.

[4]  مفردات ألفاظ القرآن الكريم، الحسين بن محمد بن المفضل المعروف بالراغب الأصفهاني أبو القاسم، دار القلم، دمشق، مادة خلط، ص 170.

5http://qaradawi.net/fatawaahkam/30/1346html   

[6]  سنن الترمذي، كتاب الطهارة، باب ما جاء فيمن يستيقظ فيجد بللا ولا يذكر احتلاما، ص 189.188.187

[7] التحرير الإسلامي للمرأة الرد على شبهات الغلاة، د. محمد عمارة، الطبعة الثانية، 1423هـ/2002م، دار الشروق، القاهرة، الصفحة60.

[8]  سنن أبي داود، كتاب الصلاة، لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، باب ما جاء في خروج النساء إلى المسجد.

[9]  سنن الترمذي، كتاب المناقب، إن جبريل يقرأ عليك السلام، رقم الحديث 3883.

[10]  صحيح البخاري، كتاب المغازي، رقم الحديث 3990، مسند الإمام أحمد، كتاب أول مسند الكوفيين، الجزء4، الصفحة 412.

[11]  تحفة الأحوذي، شرح سنن الترمذي، كتاب المناقب، عائشة، ص 259.

[12]  صحيح مسلم، كتاب الصيام، باب صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب، رقم الحديث 1109.

[13]  يمكن الرجوع إلى كتاب دور المرأة السياسي في عهد النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين، أسماء محمد أحمد زيادة، الطبعة الثانية 1432هـ/2011م، دار السلام، الصفحة 183.

[14]  المصر السابق نفسه الصفحة 133-135.

[15]  سورة آل عمران، الآية 59-61.

[16]  المبسوط، محمد بن أحمد بن أبي سهل السرخسي، دار المعرفة، الجزء العاشر، الصفحة 17.

[17]  صحيح البخاري، كتاب الصلاة، رقم الحديث 373.

[18]  سورة النور، الآية 30، 31.

[19]  سورة الأحزاب، الآية 32.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق