مركز ابن أبي الربيع السبتي للدراسات اللغوية والأدبيةقراءة في كتاب

«معجم الهيآت والإشارات والرموز في القرآن الكريم من خلال تفسير «التحرير والتنوير» للإمام الطاهر ابن عاشور» (الحلقة العاشرة)

الخاء

[22] خضوع الرءوس أو الأعناق:

ومن دلالات هذه الهيئة في القرآن الكريم:

1- الخوف والذل: قال تعالى:  (إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ) [الشعراء: 4]، قال الطاهر ابن عاشور: «وَالْخُضُوعُ: التَّطَامُنُ وَالتَّوَاضُعُ. وَيُسْتَعْمَلُ فِي الِانْقِيَادِ مَجَازًا لِأَنَّ الِانْقِيَادَ مِنْ أَسْبَابِ الْخُضُوعِ. وَإِسْنَادُ الْخُضُوعِ إِلَى الْأَعْنَاقِ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ، وَفِيهِ تَمْثِيلٌ لِحَالِ الْمُنْقَادِينَ الْخَائِفِينَ الْأَذِلَّةِ بِحَالِ الْخَاضِعِينَ الَّذِينَ يَتَّقُونَ أَنْ تُصِيبَهُمْ قاصمة على رءوسهم فهم يطأطئون رءوسهم وَيَنْحَنُونَ اتِّقَاءَ الْمُصِيبَةِ النَّازِلَةِ بِهِمْ. […] وَلَمَّا كَانَتِ الْأَعْنَاقُ هِيَ مَظْهَرُ الْخُضُوعِ أُسْنِدَ الْخُضُوعُ إِلَيْهَا وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ مِمَّا يُسْنَدُ إِلَى أَصْحَابِهَا»(1).

[23] خشوع الأبصار:

ودلالات الخشوع في القرآن الكريم كثيرة ومنها:

1- الذل والخوف: قال الله تعالى: (وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ) [الشورى: 45]، قال الطاهر بن عاشور: «وَالْمُرَادُ بِالْخُشُوعِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مَا يَبْدُو عَلَيْهِمْ مِنْ أَثَرِ الْمَذَلَّةِ وَالْمَخَافَةِ»(2)، وقد أسند الخشوع في هذه الآية إلى عضو من أعضاء البدن وهو الطرف، وقد نص الله سبحانه وتعالى بنفسه على أن خشوع طرفهم من الذل الذي لحقهم جراء ما رأوا من العذاب في جهنم يوم القيامة.

ومنه قوله تعالى: (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ) [القمر: 6- 7]، قال الطاهر بن عاشور: «خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ أَيْ ذَلِيلَةٌ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرَفٍ خَفِيٍّ لَا تَثْبُتُ أَحْدَاقُهُمْ فِي وُجُوهِ النَّاسِ، وَهِيَ نَظْرَةُ الْخَائِفِ الْمُفْتَضَحِ وَهُوَ كِنَايَةٌ لِأَنَّ ذِلَّةَ الذَّلِيلِ وَعِزَّةَ الْعَزِيزِ تَظْهَرَانِ فِي عُيُونِهِمَا»(3).

ومنه قوله تعالى: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ) [القلم: 42- 43]، قال الطاهر بن عاشور: «وَخُشُوعُ الْأَبْصَارِ: هَيْئَةُ النَّظَرِ بِالْعَيْنِ بِذِلَّةٍ وَخَوْفٍ، اسْتُعِيرَ لَهُ وَصْفُ خاشِعَةً لِأَنَّ الْخَاشِعَ يَكُونُ مُطَأْطِئًا مُخْتَفِيًا»(4).

ومنه قوله تعالى: (يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ) [المعارج: 43- 44]، قال الطاهر  بن عاشور: «وَخُشُوعُ الْأَبْصَارِ اسْتِعَارَةٌ لِلنَّظَرِ إِلَى أَسْفَلَ مِنَ الذُّلِّ»(5)، وضد هذه الهيئة استعارة للعزة.

ومنه قوله تعالى: (قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ) [النازعات: 8- 9]، قال الطاهر بن عاشور: «وَالْخُشُوعُ حَقِيقَتُهُ: الْخُضُوعُ وَالتَّذَلُّلُ، وَهُوَ هَيْئَةٌ لِلْإِنْسَانِ، وَوَصْفُ الْأَبْصَارِ بِهِ مَجَازٌ فِي الِانْخِفَاضِ وَالنَّظَرِ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ مِنْ شِدَّةِ الْهَلَعِ وَالْخَوْفِ مِنْ فَظِيعِ مَا تُشَاهِدُهُ مِنْ سُوءِ الْمُعَامَلَةِ»(6).

وقد فسر الدكتور محمد الأمين أحمد موسى أثر العين في التواصل بقوله: «يعتبر خشوع البصر من المظاهر السلوكية المهمة في التواصل غير اللفظي بالعين. فهو يعطي مؤشرات قوية عن الحالة البدنية والعاطفية التي يوجد فيها الشخص الناظر. وهو سلوك دفاعي يلجأ إليه الشخص أثناء تعرضه للتقريع واللوم، ووسيلة فعالة في التعبير عن الخجل والاحتشام والخشوع»(7).

وقد رأينا كيف أن الآيات القرآنية صورت لنا هيئة الخائف الذليل الذي لا يقوى على رفع حتى بصره أو طرفه، وهي مشاهد تصويرية تضع الإنسان في صورة واضحة عن ذلك اليوم الموعود، حتى يعمل جاهدا فيتجنب ما قد يؤدي به إلى ذلك.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

1- التحرير والتنوير 19/96.

2- التحرير والتنوير 25/127.

3- التحرير والتنوير 27/177.

4- التحرير والتنوير 29/99.

5- التحرير والتنوير 29/184.

6- التحرير والتنوير 30/68.

7- الاتصال غير اللفظي في القرآن الكريم ص: 224.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق