مركز ابن أبي الربيع السبتي للدراسات اللغوية والأدبيةقراءة في كتاب

مظاهر تيسير البلاغة من خلال كتاب “دفع المحنة عن قارئ منظومة ابن الشحنة”

1-التركيز على البعد التعليمي في شرح الظواهر:

– وضوح النزعة التعليمية في الشرح:

إن الممحص لمنهج الشارح القائم على خطة الشرح  نجده اعتمد على أكثر من طريقة وهذا يرجع إلى طبيعة الموضوع الذي يشرحه ، يكاد التفصيلُ والتدقيق يكون السمة الطاغية على الشرح أحيانا،إذ عادة ما يقوم الشارح بشرح الأبيات شرحا مفصلا بتفصيل كل بيت على حدة ، وأحيانا يجزئ الأبيات إلى عدة أقسام يشرح كل جزء على حدة ،ويستخرج فيها الظواهرَ البلاغيةَ والتعريف بها والتمثيل لها ،ومن منهجه أيضا عنايته بالمصادر ضبطا ومناقشة  ، كل ذلك يدرك من خلال نزعته التعليمية التي كانت وراء إنتاج هذا الشرح ،فالشارح  ينشر رسالته التعليمية التي كانت تسكنه وتدفعه إلى التأليف والتحرير ، فإذا كانت مجالسه العلمية ودروسه التثقيفية مجالا للتعليم والتفقيه في العلوم فإن شروحه تعد وجها آخر من وجوه التعليم والتلقين ونشر العلم والمعرفة .

أما شخصية الشارح في هذا الشرح فقد منحت الكتاب بفضل ضبطه اللغوي والنحوي والبلاغي الشارح مجالا خصبا لإبراز تقافته الأدبية وإظهار قدراته التفسيرية ،فأبان من خلاله عن مجهود واضح في فك غوامض البلاغة واختراق حواجز معانيها وتوضيح ما غمض منها وتفسير ما في ثناياها من القضايا المتنوعة ،كما أبان عن اشتداد عارضه في علوم العربية وعن دربة في التحليل والمعالجة من خلال خطته ومنهجه ، تلك الخطة اقتبس بعضها من الشروح التي سبقته أحيانا وأضاف إليها لمساته الخاصة أحيانا كثيرة قاصدا أن يميز شرحه عمن سبقه .

أما مظاهر التيسير فقد تجلت في عناصر مختلفة حيث جاء شرحه متنوع الجوانب ففيه:

2-الشرح اللغوي:

شرح الكلمات الصعبة ،والعبارات الغامضة ،والأبيات الشعرية شرحا لغويا رجع فيه إلى أمهات المعاجم اللغوية ،كالصحاح للجوهري ، والقاموس المحيط ، والمعجم الوسيط ، ومقامات الحريري …

وشرح بعض المصطلحات البلاغية شرحا لغويا أولا ، ثم شرحا اصطلاحيا ثانيا ،كقوله :النهي في اللغة :المنع ،ومنه سمي العقل نهية لأنه يمنع الإنسان من فعل مايقبح (1) وكذلك الإيغال في اللغة :الإمعان في التعمق والمبالغة في الابتعاد ، يقال لغة ، أوغل في البلاد ، إذا ذهب فيها وبالغ وأبعد ،وأوغل في السير إذا أسرع فيه وابتعد وأما في الاصطلاح :فهو ختم الكلام بما يفيد نكتة يتم المعنى بدونها (2) .

3-الإعراب النحوي:

ويستعين به على الكشف عن المعنى المراد عندما لا تسعفه اللغة في ذلك ، كقوله في قول الله عز وجل “ويجعلون لله البناتِ سبحانه ولهم مايشتهون”يقول : وتقديره:ويجعلون لله البنات ولهم ما يشتهون ،فاعترض بين المفعولين ب “سبحانه”وهو مصدر يدل على التنزيه ، فكأنه قال :ويجعلون لله البنات ، وهو منزه عن ذلك ، ولهم ما يشتهون

“تميز أسلوبه بلغته الواضحة وأفكاره البينة ونقاش جاد ِّبعيدا عن التعصب وجاء شرحه غنيا بنصوص متنوعة الجوانب فيها الشرح اللغوي والمعنوي والتحليل البلاغي العميق ،زاخر بمعجم لغوي متين وفصيح وعبارات مرنة وتراكيب سلسة يتخلص فيها بسهولة من فكرة إلى أخرى ،وهو أسلوب عالم متمكن ومتمرس بأساليب متنوعة ،كما جاء في تقريظ الشيخ الدكتور صادق بن محمد البيضاني حيث قال “وتأملتُ حواشِيَه وتعليقاتِه أثناء القراءة فأُعْجِبْتُ بها ،وذلك لاشتمالها على الفوائد والفرائد الجمة التي أَلْبَسَتْ الشرحَ حُلة علمية مفيدة ، وزَيَّنتهُ بلباس ورونق جميل وذوق رفيع ، لتجعل منه مدخلا جليلا لفك ألغازه وتوضيح الغامض منه بعبارات سهلة المتناول يفهمها كبار هذه الصناعة وصغارها ، وهذا إن دل فإنما يدل على أن المحقق قد أتى أسلوبا رائعا لإيصال المدلولات الوافية إلى مريديه من طلبة العلم ورواد هذه الصناعة ، فعباراته دليلة الألفاظ ، جلية المعاني ،جميلة السبك ،حسنة السياق ،…. (3)

4-التنويع في الشواهد وتحليلها:

لعل من السمات الواضحة في منهج الشارح البلاغي الاهتمام الكبير بالشواهد البلاغية ويتسع هذا الباب في سياق شرح  المصطلحات البيانية ومناقشتها وتوضيحها ، وقد اختار الشارح منهجا فريدا قائما على اختيار الشواهد من القرآن الكريم ، ومن كلام العرب شعراً ونثراً، حيث أضاف إلى المنظومة البلاغية مارآه محققا للتيسير والوضوح ، وفضلا على ذلك لم يكتف بإيراد هذه الشواهد ، بل قام بتحليلها تحليلا أدبيا للكشف عن بلاغتها ،ولعل الإكثار من الشواهد والأمثلة من النصوص الأدبية القديمة والمعاصرة ثم تناولها بالتحليل، لِمن أهم مظاهر تيسير البلاغة ، أنظر مثلا في باب الفصاحة عند شرحه بيت من أبيات المنظومة هذه :

                      وهو من التعقيد أيضا خالي       وإن يكن مطابقا للحال

 فهو )أي : الكلام (من التعقيد أيضا خال)أيضا :مصدر آض ، إذا رجع أي خلوصه من التعقيد ، والتعقيد :أن لايكون الكلام ظاهر الدلالة على المراد لخلل :

ـ  إما في النظم ، حيث حلل هذه الكلمة في الهامش وقال أنها تسمى عندهم :التعقيد اللفظي ،وضابطه :أن تكون الألفاظ مرتبة لا على وفق ترتيب المعاني ،فيفسد الكلام وتأليفه بسبب ما يحصل فيه من تقديم وتأخير ونحو ذلك وأعطى مثالا بقول الفرزدق: (4)

             وما مِثْلُه في النَّاسِ إلا ممُلَّكا                  أبو أمِّه حيٌّ أبوه يقارِبُهْ

علق على هذا البيت في الهامش بقوله ِإن الشعر يحتاج إلى أن يسبق معناه لفظَه ،فتستلذّ النفوسُ روايتَه وحفظَه ،وأولُ ماينبغي للشاعر والمتكلم ،بيانُ مايحاوله للعالم والمتعلم ،فإنْ تكلم بمقلوب مجَّته الأسماع والقلوب ، ولم يتحصلْ منه الغرضُ المطلوب .

ثم شرع في شرح بيت الفرزدق كلمة كلمة :أي :ليس (مثلُه في الناس )(حيٌّ يقاربه )،أي :أحد يشبهه في الفضائل (إلا مملكا )أعطي الملك والمال ،يعني :هشاما،(أبو أمه)أي :أبو أم ذلك الرجل المملك أبوه أي:أبو أم ذلك الرجل المملك أبوه أي إبراهيم الممدوح ،أي لايماثله أحد إلا ابن أخته الذي هو هشام .

ففيه فصل بين المبتدأ والخبر وهنا قصد (أبو أمه ) بالأجنبي الذي هو (حي )، وبين الموصوف والصفة ويعني هنا (حي يقاربه)بالأجنبي الذي هو (أبوه)وتقديم المستثنى (مملكا) على المستثنى منه (حي يقاربه)وفصل بين المبدل وهو(حي)والمبدل منه وهو (مثله)

هكذا نلاحظ من أوجه الشرح هاته أن الشارح كان يسلك أقرب السبل لبيان معنى الألفاظ ،والوقوف على دلالتها في النص ،مستخدما في ذلك جملا قصيرة ، سهلة التناول ،يسيرة الفهم ،خدمة للقارئ ،وخاصة المبتدئ ،كل ذلك تيسيرا لإيضاح المعنى وتذليلا لفهم المتلقي له ، وذلك يُبْرِزُ بوضوحٍ الغرضَ التعليميَّ من وضع هذا الشرح.

ولعل منهجَ الشارحِ هذا ينسجمُ تماما ودعوتَه إلى تيسير البلاغة ، فاختيار الشواهد بعناية وتذوُّقٍ ،ثم تحليلُ تلك الشواهد تحليلا أدبيا بعيدا عن التعقيد قريبا إلى الفطرة والطبع ،كلُّ ذلك من العناصر الأساسية في تيسير الدرس البلاغي عند الشارح .

ـــــــــــــــ

الهوامش:

(1) دفع المحنة عن قارئ منظومة ابن الشحنة في علم البلاغة ،محمد بن المساوي بن عبد القادر الأهدل الحسيني التهامي ،مقدمة المصنف ،ص:28-29.

(2) نفسه ص:111

(3) نفسه ص:133

(4) نفسه ص:5

(5) نفسه ص:44

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق