مركز الدراسات والأبحاث وإحياء التراثأعلام

محمد بن جعفر الكتاني(ت1345هـ)

هو العلاّمة شيخ الإسلام وقدوة الأنام المفسر المحدّث الفقيه المسند الراوية المؤرخ المتقن الصوفي أبو عبد الله محمد بن الشيخ علَم فقهاء المغرب أبي المواهب جعفر بن إدريس الكتاني الإدريسي الحسني الفاسي.

ولد رحمه الله عام(1274هـ)، في البيت الكتاني الذي عرف أهله بالتمسك بالعلم والعمل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصح للمسلمين، توفيت والدته وهو صغير، فاحتضنه والده وتكفّل برعايته، وأخذه للكُتَّاب فحفظ القرآن ومهمات المتون، ثم أدخله جامع القرويين، فأخذ مختلف العلوم من تفسير وفقه،

وأصول وحديث، ولغة ونحو وبيان وسير وتصريف ومنطق، وغير ذلك على أئمة العلم في عصره.
ومن شيوخه بفاس والده أبو المواهب جعفر بن إدريس الكتاني(ت1323هـ) سمع عليه الصحيح نحوا من عشرين مرة، وابن عمّ والده الشريف محمد بن عبد الواحد الكتاني(ت1289هـ)، والقاضي أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن العلوي(ت1317هـ)، وأبو عبد الله محمد المدني بن علي بن جلّون(ت1298هـ) الذي درّبه على الاشتغال بعلم الحديث وحبّبه إليه، وأبو العباس أحمد بن أحمد بنّاني المدعو«كلَاَّ»(ت1306هـ) سمع عليه الكثير من أوائل كتب الحديث، وغيرهم من أعلام المغرب.

ورحل إلى الحجاز عام(1321هـ)، فدخل الشام ومصر، وأخذ عن جلّة شيوخها وأعلامها، ثم حج ثانية سنة(1325هـ) وهاجر بأهله إلى المدينة المنورة إثر تردّي الأوضاع بالمغرب وتربُّص الاستعمار به، فمكث فيها نحو عام تقريبا، وعاد سنة(1326هـ) بعد خلع السلطان المولى عبد العزيز وتولية السلطان المولى عبد الحفيظ، بغية الذّبّ عن حرم البلاد ونصرة السلطان الجديد، غير أنه وجد عدم انضباط أحوال البلاد، وأَيِس من إصلاحها فهاجر مرة أخرى إلى المدينة المنورة عام(1328هـ)، واستوطنها إلى سنة(1336هـ)، وفي تلك الفترة قام بنهضة علمية كبرى بالحرمين الشريفين، ودرّس مختلف الكتب العلمية، وتعمّق في دراسة المذاهب الأربعة وغيرها دراسة تحقيق وتوسّع، وكانت له حظوة عند الخلافة العثمانية وحكّامها، كما حظي باحترام كبير من لدن أشراف الحجاز وحكّامه، وانتقل إلى دمشق سنة(1336هـ) بعد الثورة ضد الخلافة العثمانية، فاستقبل استقبال الأفراد، وأقبل عليه الخاص والعام، ومكث هناك مشعلا علميا استضاء به جميع علماء ومصلحي الشام.

ولما دخل الاستعمار الفرنسي إلى سوريا قرر العودة إلى فاس فعاد سنة(1345هـ)، وهناك تفرغ لإلقاء دروس في جامع القرويين في شرح مسند الإمام أحمد، ووُصف مجلسه بأنه قلّ أن شاهد جامع القرويين مشهدا أكبر ولا أجمع منه، ويعد الآخذون عنه بالآلاف من علماء المغرب والجزائر وتونس وليبيا ومصر والحجاز والشام والعراق والهند وتركيا؛ لما عرف عنه من سعة الاطلاع وحفظ الآثار واستجماع أدوات الاجتهاد، إلى ما جُبل عليه من متانة دين وزهد في الدنيا ورغبة في الآخرة، واشتهر ذلك عند معاصريه من أقرانه وتلامذته، قال الشيخ عبد الحي الكتاني:«وهو رحمه الله ممن خاض في السنة وعلومها خوضا واسعا، واطّلع اطلاعا عريضا على كتبها وعويصاتها، بحيث صار له في الفنّ ملَكة وإشراف لم يشاركه فيهما أحد من أقرانه بفاس والمغرب، وتمّ له سماع وإسماع غالب الكتب الستة، وقرّر عليها وأملى وقيد وضبط، وعُرف بملازمة السنة في هديه ونطقه وفعله وشدة التثبت والتحري في علمه وعمله، واشتهر أمره في مشارق الأرض ومغاربها بذلك وافتخر أعلام بالأخذ عنه والانتماء إليه»، وقال تلميذه عبد الحفيظ الفاسي:«عَين من أعيان علماء فاس وسَراتها  الأمجاد، مشارك متفنن في كثير من العلوم، متضلّع في علم الحديث، بصير بمعانيه وفقهه، دؤوب على تدريسه وسرده، حسن النطق به، عارف بتراجم رجاله، مطلع على أخبار صلحاء وعلماء فاس وطبقات علماء المذهب…».

وإلى جانب عنايته بالتدريس والإقراء والتعليم؛ اهتم أيضا بجانب التأليف فأثرى المكتبة الإسلامية بنحو ثمانين مؤلفا في مختلف العلوم، شهد له فيها سائر الأعلام بالتقدم والبراعة والمشاركة في كثير منها، وطارت أخبارها مشرقا ومغربا منها على سبيل المثال:«الأزهار العاطرة الأنفاس بذكر مناقب قطب المغرب وتاج مدينة فاس إدريس بن إدريس باني مدينة فاس» طبع بفاس على الحجر سنة (1314هـ)، و«سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بذكر من حل أو أقبر من العلماء والصلحاء بفاس» فريد في بابه، وهو مطبوع ومتداول، و«نظم المتناثر من الحديث المتواتر»، مشهور، و«الرسالة المستطرفة لبيان مشهور كتب السنة المشرفة» بديع في فنه، و«سلوك السبيل الواضح لبيان أن القبض في الصلوات كلها مشهور وراجح»، و«إعلان الحجة وإقامة البرهان بمنع ما عم وفشا من استعمال الدخان» أجمعُ كتاب في الموضوع طبع بدمشق، و«نصيحة أهل الإسلام بما يدفع عنهم داء الكفرة اللئام» ، وغيرها من المؤلفات النافعة.

 وبعد حياة مليئة بالعطاء مرض الشيخ في أواسط شعبان من عام(1345هـ)، واشتد عليه المرض إلى أن كانت منه وفاته في ليلة السبت 15 من شهر رمضان في نفس العام، وشيعت جنازته في محفل رهيب قٌّدر عدد من حضرها بنحو خمسين ألف نسمة من الرجال والنساء، ودفن بالقباب بروضة الشرفاء الكتانيين، ثم اضطر أهله إلى نقل رفاته داخل فاس، فأدخل إليها يوم الإثنين متم ربيع الثاني عام(1347هـ)، ودفن بزاوية خصّصت له بحومة الصفاح بفاس الأندلس، رحمه الله رحمة واسعة.

مصادر الترجمة: فهرس الفهارس(1/515)، معجم الشيوخ لعبد الحفيظ الفاسي(1/64)، سل النصال(ص43)، منطق الأواني بفيض تراجم عيون آل الكتاني(ص153)، مقدمة الرسالة المستطرفة(ص29)، شجرة النور الزكية(ص436)، الأعلام(6/72)، مقدمة كتاب نصيحة أهل الإسلام لحفيد مؤلفه(ص25).
    
     

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق