مركز الدراسات والأبحاث وإحياء التراثأعلام

(محمد بن إدريس العلوي(ت1370هـ

هو العلامة القاضي الفقيه النزيه المشارك الشريف، محمد بن إدريس العلوي، المكناسي المولد والمنشأ، ولد عام(1305هـ) في الأسرة العلوية العبدلاوية الإسماعيلية، التي ترعرع فيها ونشأ في كنفها، حيث كان والده من أعيان مدينة مكناس ونقباء الطريقة الناصرية بها، فحرص على تربيته وتعليمه، وحفظ القرآن الكريم في عقده الأول، ودرس المتون العلمية، على يد مشاهير علماء بلده بلده أمثال: سيدي محمد السَّقَّاط، والفقيه محمد الزهراوي، والحاج محمد بن أحمد السوسي(ت1328هـ)، وسيدي الغالي السنتيسي(ت1338هـ)، وسيدي محمد بن الحسن العرايشي(ت1351هـ)، وغيرهم، ثم رحل إلى مدينة فاس وتابع دراسته بجامعة القرويين، ومن شيوخه بها القاضي أحمد بن المامون البلغيثي(ت1348هـ)، والشريف محمد بن جعفر الكتاني(ت1345هـ)، وسواهم من علماء العصر، وتدرج في مدارج الطلب إلى أن حصل على شهادة العَالِـميَّة في مطلع عام (1334هـ)، وقررت اللجنة العلمية المكونة من أعضاء المجلس التحسيني الذي أحدثه السلطان مولاي يوسف بجامعة القرويين، إدراجه ضمن الطبقة الثالثة لعلماء المغرب، وذلك لما توسّمت فيه من علامات النجابة والذكاء، وأُسند إليه كرسي الوعظ والإرشاد بالمسجد الأعظم بمكناس في عهد السلطان المذكور،  وكان على دراية واسعة بفقه النوازل حتى اندرج اسمه ضمن أصحاب النوازل والإفتاء، وفي أرشيف مكتبته عدد من المراسلات التي كان العلماء يستفتونه ويطلبون مشورته في ما جد بهم من نوازل، ولم يَحِيروا فيها جوابا، كما عُرف عنه الاعتناء بالأدب فكان عضوا بالنادي الأدبي الإسلامي بسلا.

وأهم ما ميز حياة الفقيه محمد بن إدريس هو تقلده منصب القضاء، وهو المنصب الذي لبث فيه من سنة 1922م إلى سنة 1944م، فعين أولا قاضيا بزاوية زرهون من طرف السلطان مولاي يوسف، فاشتهر بالعدل والإنصاف وإجراء الأحكام، وعدم التساهل في إرجاع الحقوق إلى أهلها.

وفي سنة 1931م عينه السلطان محمد الخامس رحمه الله قاضيا بأربعاء الغرب، وبقي هناك ثلاث سنوات، ليأتي قرار تعيينه قاضيا بمدينة سلا وأحوازها، وذلك في سنة 1933م، بعد أن اكتسب خبرة أكبر في مجال النوازل والأحكام، ولِما كانت تعرفه المدينة آنذاك من التحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي نجمت عن فرض الحماية على المغرب بحكم قربها من عاصمة المملكة، فباشر مجموعة من الإصلاحات بالمحكمة الشرعية بمدينة سلا، فحرص على تنظيم أوقات عمل أعوان المحكمة الشرعية، وعمل على تعيين مجموعة من العدول الذين توفرت فيهم شروط العدالة.

وفي سنة 1937م اقتضى نظر الملك الراحل محمد الخامس رحمه الله أن ينقل العلامة محمد بن إدريس إلى مدينة الدار البيضاء، وذلك لما رآى أن قاضيا واحدا بها غير كاف لا تساعها وكثرة عمارتها، فعينه قاضيا بدرب السلطان منها، وأُعطيت له صلاحيات واسعة، وهناك طارت شهرته واستُفتي في كل قضية وأضحى المرجوع إليه في كل أمر، كما يبدو ذلك واضحا من رسائل علماء وقضاة عصره إليه المشفوعة بعبارات الثناء والاحترام، منها رسالة للشيخ عبد الحي الكتاني يصف فيها المترجم بالعلامة المبجل، القاضي النحرير، الماجد الأصيل، سليل الأمراء، وأخرى للعلامة محمد بن العربي معنينو يُحليه فيها بالشريف السُّمَيذَع المفضال، الفقيه العلامة الممتطي من المجد غاربه وسنامه، الدَّرَّاكة المشارك النحرير، القاضي المقتدر الشهير، إلى غير ذلك من الأوصاف والتحليات التي حُلِّي بها وهو بها جدير.

وفي سنة 1944م قررت سلطات الحماية عزله عن منصب القضاء نظرا للعلاقة التي كانت تجمعه بالملك محمد الخامس، ومساندته للسلطة الشرعية للبلاد، وكذا محاربته للمداس الاستعمارية، ورغم عزله بقي مؤديا لدور العالم المصلح من خلال خطبة الجمعة التي أسندت إليه بالمسجد المحمدي بالدار البيضاء إلى حين وفاته بها عصر يوم الثلاثاء 07 رمضان 1370هـ، الموافق 12 يونيو 1952م، ونقل جثمانه إلى مكناسة الزيتون ودفن بالمشهد الإسماعيلي بها بحضور وفد رسمي أوفده جلالة المرحوم محمد الخامس، وجمع من العلماء والفقهاء والقضاة.

رغم انشغال الفقيد محمد بن إدريس العلوي بالقضاء والخطابة والوعظ، فقد كان معتنيا بشيء من التأليف، فكان من أول مؤلفاته «راية الأبرار لكسر سيف الأشرار»، طبع على الحجر، و«تقييد في شأن المعلم والمتعلم»، و«ختم صحيح البخاري» ، وخطب عديدة ومحاضرات إذاعية كثيرة، رحمه الله وأسكنه فسيح جنته بمنه وكرمه.

 من مصادر ترجمته: إتحاف المطالع لابن سودة(2/527)، والعلامة المغربي القاضي سيدي محمد بن إدريس العلوي، للدكتور أحمد إيشرخان.

 

إعداد: ذ.جمال القديم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق