مركز عقبة بن نافع للدراسات والأبحاث حول الصحابة والتابعينشذور

ما روي عن الحسن البصري عند تلاوة القرآن الكريم من حكم ومواعظ تتمة

تتمة

 

تقديم واختيار: الأستاذ نورالدين الغياط

وقرأ: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الحُسْنىَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ}([1])، ثم قال: عجباً لمن يخاف مَلِكاً، أو يَتَّقِي ظالماً بعدَ إيمانه بهذه الآية؟! أمَّا -والله- لو أنَّ الناسَ إذا ابْتُلوا صَبَروا لأمر ربهم، لَفَرَّج الله عنهم كُرَبَهم، ولكنهم جَزِعوا من السيف، فَوُكِلُوا إلى الخوف، ونعوذُ بالله من شرِّ البلاء.

وقرأ: {تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ}([2])، ثم قال: أيُّ منظرٍ عِبادَ الله؟ ما أسوأه! فاحْذروه.

ورُويَ أن النارَ تلفَحُ وجوههم لفحةً، فلا تدع لحماً، ولا جِلداً، إلا ألقته على العَراقيب، وأبقت الوجوه كالِحةً، ثم يبكي ويقول: اللهم بك نستعيذ من عذاب النار وبئس المصير.

وقرأ: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ}([3])، ثم قال: إن العبد إذا قال قولاً حسناً، وعمل عملاً صالحاً، رفع الله تعالى قوله بعمله، وإن قال حسناً، وعمل عملاً سيئاً، ردَّ الله سبحانه القول بالعمل.

وقرأ: {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلاَغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا القَوْمُ الفَاسِقُونَ}([4]): الذين كَسَبُوا الدُّنيا الحرام، وأنفقوها إسرافاً وتبذيراً في الشهوات {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُوَن}([5]).

وقرأ: {وَجَاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ}([6])، فقال: ابن آدم فاسقٌ في الدنيا، حائدٌ حين لاتَ حَيْدَةٍ، ولا يمكن هَرَبٌ ولا غَيْبَةٌ.

وكان إذا قرأ: {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا}([7]) يقول: ابن آدم! ما لك في غدوةٍ أو روحةٍ؟! ما تصبرُ على المعصية؟!

وكان إذا قرأ:{ وَالَّذِينَ جَاءُو مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُوناَ بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}([8])، يقول: كان القوم -والله- أهل تراؤفٍ وتراحمٍ، وإنا لفي خَلَفٍ كجلدِ الأجربِ.

وكان إذا قرأ: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلمَْ يُقْتِرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً}([9])، قال: رحم الله عبداً كَسَبَ من طَيِّبٍ، وأنفق قصداً، وَقَدَّم ليوم فقره وشدة حاجته فضلاً، ثم يقول: وجهوا -رحمكم الله- فُضُولَ أموالكم حيث وجهها الله ورسوله، وضعوها حيث وضعاها، فإن الذين كانوا من قبلكم، كانوا يأخذون قليلاً، ويبايعون من الله -جل ثناؤه- أنفسهم بالفضل.

وكان إذا تلا: {وَالَّذِينَ يُؤتُونَ مَا ءَاتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ}([10])، قال: يعملون ما يعملون من بر، ويقدمون ما يقدمون من خيرٍ، وهم خائفون ألاَّ يُنْجِيَّهم ذلك من عذاب الله.

وكان إذا تلا: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ}([11])، قال: ويح ابن آدم! ما خلق الله خَلْقاً يُكَابِدُ من هذا العيش ما يُكَابِدُ هُوَ.

وكان إذا تلا: {فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً}([12])، قال: لنرزُقَنَّهُ طاعة يَجِدُ لَذَّتَها في قلبه.

وروي أنه قال: لنرزقُنَّهُ رِزْقاً لا نُعِذِّبُهُ عليه، ثم يقول: كُلُّ حياة ابن آدم -والله- مُرَّةٌ؛ إلا حياتَهُ في الجنةِ.

وكان إذا تلا: {وَسْئَلْهُمْ عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ البَحْرِ}([13]) إلى آخر الآية، يقول: حُوتٌ حرم الله تعالى عليهم صَيده يوماً من أيام الجمعة، وأحَلَّه فيما سوى ذلك من الأيام، وكان يأتيهم يوم التحريم كالمُحاصَرِ، ما يَمْتَنِعُ من أجل المحنة والبلية والاختبار بالطاعة، فجعلوا يلهون بأخذه، ويمسكون مخافةً وتعبداً.

وقال: ما هَمَّ عبدٌ بذنبٍ إلا وافقهم فيما عَزَموا عليه، فأخذوه، وأكلوه -والله- أوخَمَ أكلةٍ أكلها قومٌ، فنودوا ثلاثاً وهم نائمون، ثم نودوا: يا أهل القرية! فانتبه الرجال والنساء والصبيان، فقيل لهم: كونوا قردةً خاسئين؛ فكانوا كذلك.

وأيم الله! لَحُرْمَةُ عبدٍ مؤمنٍ يُقْتَلُ ظُلْماً أعظمُ عند الله من كل حوتٍ خُلِقَ، ولكن جعل الله تعالى موعد قوم الساعة {وَالسَّاعَةُ أدْهَى وأمَرُّ}([14]).

وقرأ: {فَإِنِّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ. فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ}([15])، {إِنْ كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ}([16])، فكان يقول: أيها الناس! الزجرة من الغضب، فمن اتقى الله، فليحذر غضبه.

وكان يقول إذا تلا: {هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا المُجْرِمُونَ. يَطُوفُونُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ ءَانٍ}([17])، ثم قال: معشر الناس! ما ظنكم بقومٍ وقفوا في يوم كان مقداره خمسين ألف سنةٍ، فلما انقطعت أعناقهم من الجوع والعطش والخوف، أمر بهم إلى نار وجحيم وحميم؟! اللهم بك العِيَاذُ، وأنت المَعَاد، وإليك اللَّجَأُ، وعليك التوكل، فنجنا برحمتك من عذابك يا غفورٌ.

وكان إذا تلا: {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ}([18])، قال: رَحِمَ الله قوماً كان خُشُوعُهم في القلوب، فَغَضُّوا أبصارهم، وحَفَظُوا فروجهم، وتجنبوا المحارم، فنالوا أعلى الدرجات.

وسُئل عن قول الله -عز وجل-: {مَنْ جَاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا}([19])، فقال: من جاء بـ: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله، مخلصاً بها قلبه، فله عند الله -عز وجل- الجنة.

وتلا: {هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ}([20])، ثم قال: إنما جزاء من قال: لا إله إلا الله، أن يدخل الجنة.

وقرأ: {يَوْمَ يَنْظُرُ المَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ}([21])، فقال: ذلك المؤمنُ، الحَذِرُ، الفَطِنُ، الكَيِّسُ، الذي علم أن له مَعاداً، فقدم عملاً صالحاً، ثم قدم عليه فسَرَّهُ، وهو يوم: {وَيَقُولُ الكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَاباً}([22]).

وتلا: {كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}([23])، فقال: هو الذنبُ على الذنبِ حتى يموتَ، وَيَسْوَدَّ القلبُ.

وتلا: {وَلاَ تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرْ}([24])، ثم قال: لا تستكثر عَمَلَكَ، فإنك لا تعلم ما قبل منه، وما رد فلم يُقْبَل.

وقرأ: {أَلَهَاكُمُ التَّكَاثُرُ}([25])، ثم قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ألهى -والله- عن نار الخلود، وشغل عن نعيمٍ لا يَبيدُ، ثم قرأ: {كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ}([26])، ثم قال: أيها الناس! لو توعدكم مخلوقٌ يموت، ما استقر بكم القرار، فكيف بوعيد ملك الملوك، والحي الذي لا يموت؟!

وكان إذا قام بالقرآن، وانتهى إلى هذه السورة، لم يتجاوزها، ولا يزال يرددها ويبكي إلى أن ينقطع نحيبه -رحمة الله عليه، ورضوانه لديه-.([27])

 

 


([1])  سورة الأعراف: 136-137.

([2])  سورة المؤمنون، الآية: 105.

([3])  سورة فاطر، الآية: 10.

([4])  سورة الأحقاف، الآية: 34.

([5])  سورة الشعراء، الآية: 226.

([6])  سورة ق، الآية: 19.

([7])  سورة النازعات، الآية: 45.

([8])  سورة الحشر، الآية: 10.

([9])  سورة الفرقان، الآية: 67.

([10])  سورة المؤمنون، الآية: 61.

([11])  سورة البلد، الآية: 4.

([12])  سورة النحل، الآية: 97.

([13])  سورة الأعراف: 163.

([14])  سورة القمر، الآية: 46.

([15])  سورة النازعات، الآية: 13-14.

([16])  سورة ياسين، الآية: 29.

([17])  سورة الرحمن، الآية: 43-44.

([18])  سورة المؤمنون، الآية: 2.

([19])  سورة الأنعام، 160.

([20])  سورة الرحمن، الآية: 60.

([21])  سورة النبأ، الآية: 40.

([22]) سورة النبأ، الآية: 40.

([23])  سورة المطففين، الآية: 14.

([24]) سورة المدثر، الآية: 6.

([25])  سورة التكاثر، الآية: 1.

([26])  سورة التكاثر الآية: 3.

([27])آداب الحسن البصري لابن الجوزي ص: 94-103. تحقيق : سليمان الحرش. دار الصديق –بيروت. 2005م.

dating a married woman go cheaters caught
dating a married woman why women cheat on men they love how many women cheat
open read here what makes a husband cheat
abortion surgery site houston abortion clinic
abortion pill abortion pill abortion pill
bystolic coupons for free forest patient assistance bystolic generic name
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق