مركز الدراسات والأبحاث وإحياء التراثشذور

ما أشبه يومنا بأمسنا

يتحدث العالم الجليل الثعالبي عن الفتوى وما آلت إليه في زمانه من انحطاط كأنه يتحدث عن يومنا   ناقلا بعض كلام الباجي، ثم يتبعه بكلامه متأسفا متحسرا عن حال الفتوى فيقول رضي الله عنها:

( ……… إن الذي عليَّ لصديقي إذا وقعت له حكومة ـ يقصد حكما قضائيا ـ أو فتيا أن أفتيه بالرواية التي توافقه، وأخبرني من أثق به أنه وقعت له واقعة فأفتاه جماعة من المفتين بما يضره وكان غائبا، فلما حضر قالوا: لم نعلم أنها لك، وأفتوه بالرواية الأخرى، ………….إلى هذا وصلت الفتوى في زمن الباجي، ولولا الحياء يمنعني ـ هذا الثعالبي يتحدث عن نفسه ـ لقصصت عليك ما عاينته حال هذا الوظيف في الجيل الذي أدركته، وكل من طالع حال المتقدمين استحيا أن ينتسب لهذا الجيل الذي ابتلينا به، وإياك أن تكون كما قال:

             يمدون للإفتاء باعا قصيرة       وأكثرهم عند الفتاوى يُكَذلك

والمكذلك: هو الذي يكتب تحت فتوى غيره: ما أفتى به المفتي أعلاه صحيح، وعليه يوافق عبد ربه فلان).

إلى قوله: ( ……….. فليست الفتوى بطول الأردان، وإرخاء الذوائب ــ وقس عليها الطرابيش والأَقبَّة  جمع قُبٍّ معروف على غير قياس والكرافتة اسم أعجمي ــ كذنب الأتان والهذر باللسان إذا خلا الميدان

                      فلو لبس الحمار ثياب خز       لقال الناس يا لك من حمار

فهذا من الضرب الذين يُستفتون بالشكل لا بالفضل، ويأكلون بالعمائم ــ يوم كانوا ذوي عمائم أما الآن فالطرابيش  والقب والكرافتة ـ  والأكمام لا بالعلوم والأحكام، تعج منهم الحقوق إلى الله عجيجا، وتضج الأحكام من أقلامهم ضجيجا، فمن تجرأ منهم على دين الله وأفتى أو حكم، فرسول الله صلى اله عليه وسلم خصمه يوم القيامة، والله الحَكَم، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون). الشعراء:227.

ويقول: ( ……… إلا أن وقتنا هذا عظم فيه الجهل، وغلب الفساد، وأصبحت الفتوى بين كل من مد يده إليها وتجرأ عليها ولو كانت اليد شلاء، والكف خرقاء، ترسم بها من اتخذها مكسبا ومتجرا، ولا تسأل عما جرى كيف جرى، ويجب على من قلده الله أمر الأمة أن يرفع هذا المنصب عن تناول أوساخ الناس، وبيع الشريعة بما بيع به يوسف عليه السلام، فذلك باب عظيم، إذ الباذل للمال يتوصل إلى الاستظهار به على استمالة نصوص الشريعة نحوه، ولو كان مبطلا، فبيع الفتوى هادم للشرع، مفسد للمفتين، وهو مقت عظيم، وخطب جسيم…….)اهـــ. منه رحمه الله تعالى بتصرف يسير. الفكر السامي للثعالبي الحجوي، ص:725 وما بعدها.

إعداد: ذ.سعيد بلعزي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق