مركز ابن أبي الربيع السبتي للدراسات اللغوية والأدبيةقراءة في كتاب

لغة القرآن الكريم وبلاغته من خلال كتاب «إعراب القرآن الكريم وبيانه» لمحيي الدين الدرويش “الحلقة الثالثة عشرة” : بلاغة فواتح السور في القرآن الكريم

تمهيد:

جاء افتتاح سور القرآن الكريم متعدد الأنواع، مختلف الدلالات، وقد اجتهد العلماء في بيان هذه الأنواع واستنباط هذه الدلالات، وهي وجه من وجوه الإعجاز، وسر من أسراره التي لا تعد ولا تحصى، فقد أتت فيه فواتح السور على أحسن الوجوه وأكملها، حتى أخذت منه فنون حسن الافتتاح وبراعة الاستهلال، كما أخذت من أساليبه سائر فنون البلاغة، وسنعرض في هذه الحلقة المقصود بفواتح السور وأنواعها، كما سنقف على بعض دلالاتها وبلاغتها المعجزة.

1- معنى فواتح السور في القرآن الكريم:

فاتِحَةُ الشَّيْءِ: أَوَّله. […] ومن الْمجَاز (فَواتِحُ القُرْآنِ)، هِيَ (أَوائِل السُّوَرِ). وقرأَ فاتِحةَ السُّورةِ وخاتِمَتها، أَي أَوّلها وَآخِرهَا(1).

وانطلاقا من هذا التعريف اللغوي فإن أول كل سورة هو فاتحتها، وزاد ابن أبي الإصبع على ذلك فقيده بقوله: «فواتح السور، أعني: الكلمات المفردات، لا أوائل السور من الآيات، بل كل لفظة افتتحت بها سورة دون ما يعدها من الكلمات، كلفظة «الحمد» بمجردها من الفاتحة، ولفظة «ألم» بمجردها من البقرة»(2).

وقد سمى بعضهم الحروف المقطعة التي ابتدأت بها بعض السور «فواتح» تخصيصا، ومن ذلك أن الشعبي لما سئل عنها قال: «إِن لكل كتاب سرًّا، وإِن سرَّ هذا القرآن فواتح السور»(3)، والحق أنها من باب إطلاق الكل وإرادة الجزء، وعلة ذلك أنه ليست أوائل السور كلها تفتتح بالحروف المقطعة، ونجد ذلك مثلا عند الرازي في «مفاتيح الغيب»(4)، والشاطبي في «الموافقات»(5)، وكذلك صبحي الصالح في كتابه «مباحث في علوم القرآن»، وصاحب «إعراب القرآن الكريم وبيانه» السيد محمود الدرويش.

والصنف الآخر يميزها فيقول الحروف المقطعة، أو الحروف المقطعة التي في فواتح السور، أو مَا كَانَ مِنْ حُرُوفِ المُعْجَمِ فِي فَوَاتِح السُّوَرِ، أو حروف الهجاء الواقعة في فواتح السور.

ولا بد أن أنبه في هذا السياق إلى أنني عندما أقول «فواتح السور» في هذا البحث فإنني أريد بها كل ما افتتحت به السور من حروف مقطعة وغيرها من أنواع الفواتح التي سنقف عليها فيما يأتي.

2- أنواع فواتح السور في القرآن الكريم:

افتتح الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى كِتَابَهُ العَزِيزَ بِعَشرة أَنْوَاعٍ مِنَ الكَلَامِ لَا يَخْرُجُ شَيْءٌ مِنَ السُّوَرِ عَنْهَا(6)، نظمها بعضهم في بيتين هما [البسيط]:

أَثْنَى عَلَى نَفْسِهِ سُبْحَانَهُ بِثُبُو     تِ المَدْحِ وَالسَّلْبِ لَمَّا اسْتَفْتَحَ السُّوَرَا

وَالْأَمْر شَرْط النِّدَا التَّعْلِيل أَقْسَم وَالدُّ     عَاء حَرْف الهِجَا اسْتَفْهم الخَبَرَا(7)

وتفصيل هذه الأقسام كالتالي:

1- الاستفتاح بالثناء: الأَوَّلُ: اسْتِفْتَاحُهُ بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالثَّنَاءُ قِسْمَانِ إِثْبَاتٌ لِصِفَاتِ الْمَدْحِ، وَنَفْيٌ وَتَنْزِيهٌ مِنْ صفات النقص.

2- الاستفتاح بحروف التهجي: الثَّانِي: اسْتِفْتَاحُ السُّوَرِ بِحُرُوفِ التَّهَجِّي نَحْوُ: ألم، ألمص، ألمر، كهيعص، طه، طس، طسم، حم، حمعسق، ق، ن، وَذَلِكَ فِي تِسْعٍ وَعِشْرِينَ سُورَةً، وسنفصل الحديث فيها في الحلقة المقبلة إن شاء الله تعالى.

3- الاستفتاح بالنداء: النَّوْعُ الثَّالِثُ مِنْ أَنْوَاعِ اسْتِفْتَاحِ السُّوَرِ النِّدَاءُ نَحْوُ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)، (يَا أَيُّهَا النبي) (يا أيها المدثر)، وذلك في عشر سور.

4- الاستفتاح بالجمل الخبرية: الرَّابِعُ: الْجُمَلُ الْخَبَرِيَّةُ نَحْوُ: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ) (براءة من الله) (أتى أمر الله) (اقترب للناس حسابهم) (قد أفلح المؤمنون) (سورة أنزلناها) (تنزيل الكتاب) (الذين كفروا) (إنا فتحنا) (اقتربت الساعة) (الرحمن علم القرآن) (قد سمع الله) (الحاقة) (سأل سائل) (إنا أرسلنا) (لا أقسم) في موضعين، (عبس) (إنا أنزلناه) (لم يكن) (القارعة) (ألهاكم) (إنا أعطيناك)، فتلك ثلاث وعشرون سورة.

5- الاستفتاح بالقسم: الْخَامِسُ: الْقَسَمُ نَحْوُ: (وَالصَّافَّاتِ) (وَالذَّارِيَاتِ) (وَالطُّورِ) (وَالنَّجْمِ) {وَالْمُرْسَلَاتِ) (وَالنَّازِعَاتِ) (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ) (وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ) (وَالْفَجْرِ) (وَالشَّمْسِ) (وَاللَّيْلِ) (وَالضُّحَى) (وَالتِّينِ) (وَالْعَادِيَاتِ) (وَالْعَصْرِ)، فتلك خمس عشرة سورة.

6- الاستفتاح بالشرط: السَّادِسُ: الشَّرْطُ نَحْوُ: (إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ) (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ) (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ) (إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ) (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ) (إِذَا زُلْزِلَتِ) (إِذَا جاء نصر الله) فذلك سبع سور.

7- الاستفتاح بالأمر: السَّابِعُ: الِاسْتِفْتَاحُ بِالْأَمْرِ فِي سِتِّ سُوَرٍ: (قُلْ أوحي) (اقرأ باسم ربك) (قل يا أيها الْكَافِرُونَ) (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) (قُلْ أَعُوذُ) في سورتين.

8- الاستفتاح بالاستفهام: الثامن: لفظ الاستفهام في (هل أتى) (عم يتساءلون) (هل أتاك) (ألم نشرح) (ألم تر) (أرأيت) فتلك ست سور.

9- الاستفتاح بالدعاء: التَّاسِعُ: الدُّعَاءُ فِي ثَلَاثِ سُوَرٍ: (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ) (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ) (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ).

10- الاستفتاح بالتعليل: الْعَاشِرُ: التَّعْلِيلُ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ نَحْوِ: (لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ).

والملاحظ أن هذا التقسيم يجعل حروف التهجي قسما من هذه الأقسام العشرة كغيره من الأقسام، وهناك تقسيم آخر للفواتح هو الذي وضعه ابن أبي الإصبع يجعل حروف التهجي صنفا مفردا في مقابل جميع الأصناف الأخرى.

حيث قسم الفواتح إلى قسمين: الأول: الفواتح المعجمة وعددها تسع وعشرون فاتحة منقسمة خمسة أقسام بحسب وقوعها، فإنها جاءت من حرف –على ترتيب العدد الطبيعي- إلى خمسة أحرف، فالمفردات منها ثلاث سور، وأعني بالمفردات كل فاتحة هي حرف واحد وهي: ص، ق، ن، والثنائيات تسع سور وهي: طه، طس، يس، والحواميم سوى الشورى. والثلاثيات ثلاث عشرة سورة، وهي ثلاثة أضرب ضرب افتتح ب(ألم) وهو ست سور، البقرة، آل عمران، العنكبوت، الروم، لقمان، السجدة، وضرب افتتح ب(ألر) وهو خمس سور وهي: يونس، هود، يوسف، إبراهيم، الحجر، وضرب افتتح ب(طسم) وهو سورتان: الشعراء، القصص، والرباعيات سورتان وهما: (ألمص) الأعراف و(ألمر) الرعد، والخماسيات أيضا سورتان وهما (كهيعص) (حمعسق) (8).

والفواتح المعربة خمس وثمانون فاتحة، منقسمة أيضا خمسة أقسام كانقسام المعجمة: قسم مفتتح بالخبر، وقسم مفتتح بالاستخبار، وقسم مفتتح بالقسم، وقسم مفتتح بالأمر.

فالمفتتح بالخبر خمسون سورة، وهي على ضربين: ضرب مؤتلف العدد، وضرب مختلف العدد، وأعني بالمؤتلف ما وقعت أقسامه كلها عددا واحدا وهي الخماسيات، والمختلف: ما اختلف عدد أقسامه، فمنه الخماسي وغيره من السداسي والسباعي لا غير.

فالضرب الخماسي من المفتتحات بالخبر أربعة أقسام:

ما افتتح بالتحميد وما افتتح بالتسبيح، وما افتتح بنداء الأمة، وما افتتح بنداء الرسول صلى الله عليه وسلم […](9).

وقد وضع ابن أبي الإصبع في كتابه «الخواطر السوانح في أسرار الفواتح» مجموعة من التقسيمات العددية الأخرى غير التي ذكرنا، وكشفَ بعد تلك التقسيمات عن أسرارها وأوضح خصائصها، والتقسيم الأكبر عنده الذي يتفرع إلى مجموعة من التفريعات هو تقسيم الفواتح إلى معربة ومعجمة؛ حيث وضع حروف التهجي في مقابل الفواتح الأخرى.

3- دلالات فواتح السور وبلاغتها:

من البلاغة حسن الابتداء، وهو أن يتأنق فى أول الكلام، لأنه أول ما يقرع السمع، فإن كان محرّرا أقبل السامع على الكلام ووعاه وإلا أعرض عنه، ولو كان الباقى فى نهاية الحسن فينبغى أن يؤتى فيه بأعذب لفظ وأجزله وأرقه وأسلسه وأحسنه نظما وسبكا، وأصحه معنى، وأوضحه وأحلاه من التعقيد والتقديم والتأخير الملبس، أو الذى لا يناسب. وقد أتت فواتح السور على أحسن الوجوه وأبلغها وأكملها، كالتحميدات، وحروف الهجاء والنداء، وغير ذلك(10)، مما يحقق براعة الاستهلال على مجموعة من المستويات نذكر منها:

أ- فواتح السور وأثرها في براعة الاستهلال:

إن فاتحة السورة أي أول كلمة فيها هي أول ما يقرع السمع، فأولى بها أن تثير انتباه القارئ أو السامع، وقد جاءت فواتح سور القرآن الكريم بأنواعها التي ذكرناها لأغراض متناسبة مع مقاصد السورة أو مناسبة لخواتيمها، وقد تكون متناسبة مع بعض مقاصد السورة التي بعدها، بما يحقق براعة الاستهلال.

وعلى هذا الشرط احتج المفسرون على أصحاب الرأي القائل بأن الفاتحة أول كل سورة في القرآن الكريم، قال ابن عاشور: «وأنا أرى في الاستدلال بمسلك الذوق العربي أن يكون على مراعاة قول القائلين بكون البسملة آية من كل سورة فينشأ من هذا القول أن تكون فواتح سور القرآن كلها متماثلة وذلك مما لا يحمد في كلام البلغاء إذ الشأن أن يقع التفنن في الفواتح، بل قد عد علماء البلاغة أهم مواضع التأنق فاتحة الكلام وخاتمته، وذكروا أن فواتح السور وخواتمها واردة على أحسن وجوه البيان وأكملها فكيف يسوغ أن يدعى أن فواتح سوره جملة واحدة، مع أن عامة البلغاء من الخطباء والشعراء والكتاب يتنافسون في تفنن فواتح منشآتهم ويعيبون من يلتزم في كلامه طريقة واحدة فما ظنك بأبلغ كلام»(11).

وقد وقع التفنن في فواتح سور القرآن الكريم في عشرة أنواع كما ذكرنا، أولها الافتتاح بالثناء على الله سبحانه وتعالى بحمده عز وجل على نعمه الكثيرة، «ولذلك كان افتتاح كل كلام مهم بالتحميد سنة الكتاب المجيد»(12)، «وهذه السورة وضعت في أول السور لأنها تنزل منها منزل ديباجة الخطبة أو الكتاب، مع ما تضمنته من أصول مقاصد القرآن كما علمت آنفا وذلك شأن الديباجة من براعة الاستهلال»(13).

ولا عجب حين يشار إلى أسماء بعض السور بأول كلمة فيها إلى جانب اسمها المثبت في المصحف، كأن يقال «سورة الحمد لله» إشارة إلى سورة الفاتحة، أو سورة «قد سمع» إشارة إلى سورة المجادلة، أو أن تجمع السور المبدوءة بنفس الصيغة فيقال مثلا: الحواميم، أو المُسَبِّحَات، لأنها فاتحة السورة وأول ما يسمع فحري به أن يعلق بالأذن، قال ابن عاشور: «ولكن الناس قد يجعلون فاتحة إحدى السور كالاسم لها فيقولون قرأت «كهيعص» كما يجعلون أول كلمة من القصيدة اسما للقصيدة فيقولون قرأت «قفا نبك» و«بانت سعاد»»(14).

من هنا انطلق أصحاب الرأي القائل بأن حروف التهجي الواقعة في فواتح بعض السور أسماء لها والله أعلم، قال محمود الدرويش: «الحروف التي ابتدئ بها كثير من السور هي على الأرجح أسماء للسور المبتدأة بها أما ماهيتها والحكمة منها فقد اختلفت في ذلك الآراء، وتشعبت المقاصد، حتى ليتعذّر إن لم نقل يستحيل على الباحث أن يستوفيها»(15)، وهذا رأي رد عليه بعض العلماء.

وافتتاح بعض السور بهذه الحروف له أثره في براعة الاستهلال، قال محمود الدرويش -رحمه الله-: «وعلى هذا الرأي نرجح أن معناها التحدي والإرهاص بأن هذا القرآن مؤلف من نفس الحروف التي ينظم بها العرب أشعارهم، ويؤلفون خطبهم وأسجاعهم وهم مع ذلك عاجزون عن الإتيان بمثله أو محاكاته وهذا تفسير يتمشى مع إعجاز القرآن الذي تميز به»(16).

فاستهلال السورة بما يشير إلى التحدي المعجز هو من براعة الاستهلال لأن القرآن في مجمله كتاب معجز، وتظهر المناسبة لوقوعها في فواتح السور أن كل سورة مقصودة بالإعجاز لأن الله تعالى يقول: فأتوا بسورة من مثله [البقرة: 23]، فناسب افتتاح ما به الإعجاز بالتمهيد لمحاولته.

ويعضد هذا الوجه تعقيب هاته الحروف في غالب المواقع بذكر القرآن وتنزيله أو كتابيته إلا في (كهيعص) [مريم: 1] و (ألم أحسب الناس) [العنكبوت: 1، 2] و(ألم غلبت الروم) [الروم: 1، 2] ووجه تخصيص بعض تلك الحروف بالتهجي دون بعض، وتكرير بعضها لأمر لا نعلمه ولعله لمراعاة فصاحة الكلام، ويؤيده أن معظم مواقع هذه الحروف في أوائل السور المكية عدا البقرة على قول من جعلوها كلها مدنية وآل عمران، ولعل ذلك لأنهما نزلتا بقرب عهد الهجرة من مكة وأن قصد التحدي في القرآن النازل بمكة قصد أولى(17).

تدبر معي سورة غافر التي افتتحها الله سبحانه وتعالى بقوله: (حم) وأعقبه بذكر تنزيل الكتاب في الآية الثانية (تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم)، فقد وقع بعد حروف التهجي ذكر القرآن وما يشير إليه لتحدي المنكرين بالعجز عن معارضته بما يحقق براعة الاستهلال.

وهذا الافتتاح يلقي بظلاله على السورة كلها؛ فأسلوبها أسلوب المحاجة والاستدلال على صدق القرآن وأنه منزل من عند الله، وإبطال ضلالة المكذبين وضرب مثلهم بالأمم المكذبة، وترهيبهم من التمادي في ضلالهم وترغيبهم في التبصر ليهتدوا. وافتتحت بالحرفين المقطعين من حروف الهجاء لأن أول أغراضها أن القرآن من عند الله ففي حرفي الهجاء رمز إلى عجزهم عن معارضته بعد أن تحداهم لذلك فلم يفعلوا، وفي ذلك الافتتاح تشويق إلى تطلع ما يأتي بعده للاهتمام به.

وكان في الصفات التي أجريت على اسم منزل القرآن إيماء إلى أنه لا يشبه كلام البشر لأنه كلام العزيز العليم، وإيماء إلى تيسير إقلاعهم عن الكفر، وترهيب من العقاب على الإصرار، وذلك كله من براعة الاستهلال. ثم تخلص من الإيماء والرمز إلى صريح وصف ضلال المعاندين وتنظيرهم بسابقيهم من الأمم التي استأصلها الله(18).

ب- مناسبة فواتح السور لخاتمة التي قبلها:

من بلاغة فواتح السور مناسبتها لخواتم السور التي قبلها فتقع بذلك موقعا حسنا بليغا مناسبا، وهي من أسرار القرآن التي لا يحاط بها؛ فإِذَا اعْتَبَرْتَ افْتِتَاحَ كُلِّ سُورَةٍ وَجَدْتَهُ فِي غَايَةِ الْمُنَاسَبَةِ لِمَا خُتِمَ بِهِ السُّورَةُ قَبْلَهَا ثُمَّ هُوَ يَخْفَى تَارَةً وَيَظْهَرُ أُخْرَى، كَافْتِتَاحِ سُورَةِ الْأَنْعَامِ بِالْحَمْدِ فَإِنَّهُ مُنَاسِبٌ لِخِتَامِ الْمَائِدَةِ مِنْ فَصْلِ الْقَضَاءِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: (وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، وَكَافْتِتَاحِ سُورَةِ فَاطِرٍ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ فَإِنَّهُ مُنَاسِبٌ لِخِتَامِ مَا قَبْلَهَا مِنْ قَوْلِهِ: (وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ) كَمَا قَالَ تَعَالَى: (فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، وَكَافْتِتَاحِ سُورَةِ الْحَدِيدِ بِالتَّسْبِيحِ فَإِنَّهُ مُنَاسِبٌ لِخِتَامِ سُورَةِ الْوَاقِعَةِ بِالْأَمْرِ بِهِ(19).

حَتَّى إِنَّ مِنْهَا مَا يَظْهَرُ تَعَلُّقُهَا بِهِ لَفْظًا كَمَا فِي (فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ) (لِإِيلافِ قُرَيْشٍ)؛ فَقَدْ قَالَ الْأَخْفَشُ: «اتِّصَالُهَا بِهَا مِنْ بَابِ (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً)» (20)، على قول من يجوز أن يكون لإيلاف قريش متعلقا بما في سورة الفيل من قوله: (فجعلهم كعصف مأكول) قال الزمخشري: «وهذا بمنزلة التضمين في الشعر وهو أن يتعلق معنى البيت بالذي قبله تعلقا لا يصح إلا به»(21). يعنون أن هذه السورة وإن كانت سورة مستقلة فهي ملحقة بسورة الفيل فكما تلحق الآية بآية نزلت قبلها، تلحق آيات هي سورة فتتعلق بسورة نزلت قبلها(22).

وَقَالَ الكَوَاشِيُّ فِي تَفْسِيرِ المَائِدَةِ: لَمَّا خَتَمَ سورة النساء آمرا بِالتَّوْحِيدِ وَالعَدْلِ بَيْنَ العِبَادِ، أَكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (23).

ذلك أن الله تعالى لما أخبر في آخر سورة النساء أن اليهود لما نقضوا المواثيق التي أخذها عليهم حرم عليهم طيبات أحلت لهم من كثير من بهيمة الأنعام المشار إليها بقوله (وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر) [الأنعام: 146] ، واستمر تعالى في هتك أستارهم وبيان عوارهم إلى أن ختم بآية في الإرث الذي افتتح آياته بالإيصاء وختمها بأنه شامل العلم، ناسب افتتاح هذه بأمر المؤمنين الذي اشتد تحذيره لهم منهم بالوفاء […] أي أوفوا لأنه أحلّ لكم بشامل علمه وكامل قدرته لطفاً بكم ورحمة لكم ما حرم على من قبلكم(24).

ولافتتاح سورة الأنعام بالحمد مناسبة مع ما جاء في سورة المائدة، فلما ختم سبحانه تلك بتحميد عيسى عليه السلام لجلاله في ذلك اليوم في ذلك الجمع، ثم تحميد نفسه المقدسة بشمول الملك والقدرة، إذ الحمد هو الوصف بالجميل؛ افتتح سبحانه وتعالى هذه السورة بالإخبار بأن ذلك الحمد وغيره من المحامد مستحق له استحقاقاً ثابتاً دائماً قبل إيجاد الخلق وبعد إيجاده سواء شكره العباد أو كفروه، لما له سبحانه وتعالى من صفات الجلال والكمال(25).

ج- مناسبة فواتح السور لمقاصدها:

إن مما يراعى في فواتح السور القرآنية مناسبتها لمقاصد السور نفسها، وقد تنبه العلماء إلى هذه المسألة وحرروا فيها، ومن ذلك ما قاله صاحب «الإتقان»: «أجاب ابن الزّملكاني حين سئل عن الحكمة من افتتاح سورة الإسراء بالتسبيح والكهف بالتحميد، بأن «سورة سبحان» لما اشتملت على الإسراء الذي كذب المشركون به النبي، وتكذيبه تكذيب لله سبحانه وتعالى، أتى «بسبحان»، لتنزيه الله تعالى عما نسب إلى نبيه من الكذب، وسورة الكهف لما أنزلت بعد سؤال المشركين عن قصة أصحاب الكهف وتأخر الوحي، نزلت مبينة أن الله لم يقطع نعمته عن نبيه ولا عن المؤمنين، بل أتم عليهم النعمة بإنزال الكتاب، فناسب افتتاحها بالحمد على هذه النعمة»(26).

وقد تكرر لفظ «الحمد» في فواتح السور في خمسة مواضع، لكن إسناده مختلف في كل سورة منها، تبعا لمقاصد السورة نفسها، وعلى رأس هذه السور سورة الفاتحة، قيل: «ابْتُدِئَتِ الفَاتِحَةُ بِقَوْلِهِ: (الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ) فَوَصَفَ بِأَنَّهُ مَالِكُ جَمِيعِ المَخْلُوقِينَ وَفِي الأَنْعَامِ وَالكَهْفِ وَسَبَأٍ وَفَاطِرٍ لَمْ يُوصَفْ بِذَلِكَ بَلْ بِفَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ صِفَاتِهِ وَهُوَ خلق السموات وَالأَرْضِ وَالظُّلُمَاتِ وَالنُّورِ فِي الْأَنْعَامِ وَإِنْزَالِ الْكِتَابِ فِي الْكَهْفِ وَمِلْكِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأَرْضِ فِي سَبَأٍ وَخَلْقِهِمَا فِي فَاطِرٍ لِأَنَّ الْفَاتِحَةَ أُمُّ القُرْآنِ وَمَطْلَعُهُ فَنَاسَبَ الإِتْيَانَ فِيهَا بِأَبْلَغِ الصِّفَاتِ وَأَعَمِّهَا وَأَشْمَلِهَا»(27)، وهذا من بلاغة الإعجاز في فواتح السور.

والسور التي استفتحت بالثناء على الله تعالى بإثبات صفات المدح نحو: (الحمد لله) في خمس سور، و(تبارك) في سورتين كلها مكية ماعدا ست آيات من سورة الأنعام وآية واحدة من سورة سبأ، فالمخاطب بها بدءا هم أهل مكة، والسور المكية لها أسلوبها ومعانيها وأغراضها التي تميزها عن السور المدنية.

وأول ما خوطبوا به هو (الحمد لله رب العالمين) في سورة الفاتحة، وهي الخامسة في ترتيب النزول؛ فقد أسند الحمد لاسم ذاته تعالى تنبيها على الاستحقاق الذاتي ثم عقب بالوصف وهو الرب ليكون متعلقا به أيضا لأن وصف المتعلق متعلق أيضا(28).

وسورة «سبأ» مثلا افتتحت بالحمد لله للتنبيه على أن السورة تتضمن من دلائل تفرده بالإلهية واتصافه بصفات العظمة ما يقتضي إنشاء الحمد له والإخبار باختصاصه به، وهذا من أغراض السور المكية. قال ابن عاشور متحدثا عن استفتاح سورة «سبأ»: «وهذه إحدى سور خمس مفتتحة ب(الحمد لله) وهن كلها مكية وقد وضعت في ترتيب القرآن في أوله ووسطه، والربع الأخير، فكانت أرباع القرآن مفتتحة بالحمد لله كان ذلك بتوفيق من الله أو توقيف»(29)، وهذا الأمر أشار إليه السيوطي في «تناسق الدرر» قال: «كل ربع من القرآن افتتح بسورة أولها الحمد. وهذه للربع الثاني، والكهف للربع الثالث، وسبأ وفاطر للربع الرابع»(30).

والاستفتاح ب(تبارك) أيضا جاء في سورتين مكيتين هما: الفرقان والملك، وهذا الافتتاح افتتاح بديع لندرة أمثاله في كلام بلغاء العرب لأن غالب فواتحهم أن تكون بالأسماء مجردة أو مقترنة بحرف غير منفصل، وبهذه الندرة يكون في طالع هذه السورة براعة المطلع لأن الندرة من العزة، والعزة من محاسن الألفاظ وضدها الابتذال(31).

وقد اشتملت سورة الفرقان على الابتداء بتمجيد الله تعالى وإنشاء الثناء عليه، ووصفه بصفات الإلهية والوحدانية فيها(32)، وهذا من أغراض السور المكية ومعانيها، قال الطيبي: «قوله تعالى: (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا) واردٌ على نهج براعة الاستهلال، وهو مشتملٌ على هذا المعنى: فإن إنزال القرآن وتخصيصه بما يدل على كونه فارقاً بين الحق والباطل، وكون منزله معظماً في ذاته مباركاً في صفاته موجبٌ لأن لا يختص إنذار رسوله بقوم دون قوم، بل يكون للعالمين من الثقلين نذيراً، فإذن المعنى الذي سيقت هذه السورة الكريمة له: الحديث في الرسول وإنذاره، وبقية المعاني دائرةٌ عليه»(33).

والأمر نفسه في صيغة التسبيح الواردة في فواتح مجموعة من السور، قال الكرماني: «قَوْله تَعَالَى (سبح لله) وَكَذَلِكَ الحَشْر والصف ثمَّ (يسبح) فِي الجُمُعَة 1 والتغابن 1 هَذِه الكَلِمَة اسْتَأْثر الله بهَا فَبَدَأَ بِالمَصْدَرِ فِي بني إِسْرَائِيل الإِسْرَاء لِأَنَّهُ الأَصْل ثمَّ بالماضي لِأَنَّهُ أسبق الزمانين ثمَّ بالمستقبل ثمَّ بِالأَمر فِي سُورَة الأَعْلَى استيعابا لهَذِهِ الكَلِمَة من جَمِيع جهاتها وَهِي أَربع المصدر والماضي والمستقبل وَالأَمر للمخاطب»(34)، قال الزركشي: «فهذه أعجوبة وبرهان»(35).

فإِن قيل: قد جاء في بعض فواتح السور (سَبَّحَ للَّهِ) بلفظ الماضي، وفي بعضها (يُسَّبح للهِ) بلفظ المضارع فما المراد؟ قلت: فيه إشارة إلى كون جميع الأشياء مسبحاً لله أبداً، غير مختص بوقت دون وقت، بل هي كانت مسبحة أبداً في الماضي، وستكون مسبحة أبداً في المستقبل(36).

وفي تفنن ورود لفظ التسبيح أيضا زيادة معنى؛ فقد جيء بفعل التسبيح مضارعا للدلالة على تجدد ذلك التسبيح ودوامه وقد سبق نظيره في فاتحة سورة الجمعة.

وجيء به في فواتح سور: الحديد، والحشر، والصف بصيغة الماضي للدلالة على أن التسبيح قد استقر في قديم الأزمان. فحصل من هذا التفنن في فواتح هذه السور كلا المعنيين زيادة على ما بيناه من المناسبة الخاصة بسورة الجمعة، وما في هاته السورة من المناسبة بين تجدد التسبيح والأمر بالعفو عن ذوي القربى والأمر بالتقوى بقدر الاستطاعة والسمع والطاعة لكي لا يكتفي المؤمنون بحصول إيمانهم ليجتهدوا في تعزيزه بالأعمال الصالحة(37).

وافتتاح السور بالحروف المقطعة أيضا فيه مراعاة لمقاصد هذه السور، واختلاف هذه الحروف في بعض السور لاختلاف المقاصد، وَمِنْ ذَلِكَ افْتِتَاحُ السُّوَرِ بِالْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ وَاخْتِصَاصُ كُلِّ وَاحِدَةٍ بِمَا بُدِئَتْ بِهِ حَتَّى لَمْ يَكُنْ لِتَرِدَ «ألم» فِي مَوْضِعِ «ألر» وَلَا «حم» فِي مَوْضِعِ «طس»، وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ سُورَةٍ بُدِئَتْ بِحَرْفٍ مِنْهَا فَإِنَّ أَكْثَرَ كَلِمَاتِهَا وَحُرُوفِهَا مُمَاثِلٌ لَهُ فَحَقَّ لِكُلِّ سُورَةٍ منها ألا يُنَاسِبَهَا غَيْرُ الْوَارِدَةِ فِيهَا فَلَوْ وُضِعَ «ق» مَوْضِعَ «ن» لَعُدِمَ التَّنَاسُبُ الوَاجِبُ مُرَاعَاتُهُ فِي كَلَامِ اللَّهِ وَسُورَةُ «ق» بُدِئَتْ بِهِ لَمَّا تَكَرَّرَ فِيهَا مِنَ الكَلِمَاتِ بِلَفْظِ القَافِ: مِنْ ذِكْرِ القُرْآنِ، وَالخَلْقِ وَتَكْرِيرِ القَوْلِ وَمُرَاجَعَتِهِ مِرَارًا، وَالقُرْبِ مِنَ ابْنِ آدَمَ، وَتَلَقِّي المَلَكَيْنِ، وَقَوْلِ العَتِيدِ، وذكر الرَّقِيبِ، وَذكر السَّابقِ، والقرين، وَالإِلْقَاءِ فِي جَهَنَّمَ، وَالتَّقَدُّمِ بِالوَعْدِ، وَذِكْرِ المُتَّقِينَ، وَذكر القَلْبِ، وَالقرنِ، وَالتَّنْقِيبِ فِي البِلَادِ، وذكر القتل مرتين، وتشقق الأرض، وإلقاء الرواسي فيها، وبسوق النخل، والرزق، وذكر القوم، وخوف الوَعِيدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ(38).

وَإذا أردت زيادة إيضاح فتأمل ما اشْتَمَلَتْ عليه سُورَةُ «ص» من الخُصُومَات المُتَعَدِّدَة؛ فَأَوَّلُهَا خُصُومَةُ الكُفَّار مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَوْلُهُمْ: (أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً) إلى آخر كلامهم، ثُمَّ اخْتِصَامُ الخَصْمَيْنِ عِنْدَ دَاوُدَ، ثُمَّ تخَاصُمُ أَهْلِ النَّار، ثُمَّ اخْتِصَامُ المَلَأِ الأَعْلَى في العلم، وهو الدرجات، والكفارات، ثُمَّ تخَاصُمُ إِبْلِيسَ واعتراضه على ربه وأمره بالسجود، ثم اختصامه ثانيا في شأن بنيه وحلفه ليغوينهم أجمعين إلا أهل الإخلاص منهم. وكذلك سورة (ن والقلم)؛ فإن فواصلها كلها على هذا الوزن، مع ما تضمنت من الألفاظ النونية(39).

وَ «ألم» جَمَعَتِ المَخَارِجَ الثَّلَاثَةَ الحَلْقَ وَاللِّسَانَ وَالشَّفَتَيْنِ عَلَى تَرْتِيبِهَا وَذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى البِدَايَةِ الَّتِي هِيَ بَدْءُ الخَلْقِ وَالنِّهَايَةِ الَّتِي هِيَ بَدْءُ المِيعَادِ وَالوَسَطِ الَّذِي هُوَ المَعَاشُ مِنَ التَّشْرِيعِ بِالْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي وَكُلُّ سُورَةٍ افْتُتِحَتْ بِهَا فَهِيَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى الأُمُورِ الثَّلَاثَةِ(40).

وَتأمل سُورَة الْأَعْرَافِ زادَ فِيهَا «ص» لأجل قوله (فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ) وشرح فيها قصص آدم فَمَنْ بَعْدَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ مَعْنَى «ألمص» (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ)، وقيل معناه المصور، وقيل أشار بالميم لمحمد، وبالصاد للصديق؛ وفيه إشارة لمصاحبة الصاد الميم، وأنها تابعة لها كمصاحبة الصديق لمحمد ومتابعته له. وجعل السهيلي هذا من أسرار الفواتح، وَزادَ فِي الرَّعْدِ «رَاءً» لِأَجْلِ قَوْلِهِ: (الله الذي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ)، وَلِأَجْلِ ذِكْرِ الرَّعْدِ وَالبَرْقِ وَغَيْرِهِمَا، وهذه التفسيرات لهذه الحروف وغيرها ردها بعض العلماء وسنعرض لها بتفصيل في الحلقة المقبلة إن شاء الله.

وَاعْلَمْ أَنَّ عَادَةَ القُرْآنِ العَظِيمِ فِي ذِكْرِ هَذِهِ الحُرُوفِ أَنْ يَذْكُرَ بَعْدَهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالقُرْآنِ كَقَوْلِهِ: (ألم ذَلِكَ الكِتَابُ)، (ألم اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ)، (ألمص كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ)، (الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ)، (طه مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى)، (طسم تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ)، (يس وَالْقُرْآنِ)، (ص وَالْقُرْآنِ)، (حم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ)، (ق وَالْقُرْآنِ)، إِلَّا ثَلَاثَ سُوَرٍ: العَنْكَبُوتِ وَالرُّومِ ون لَيْسَ فِيهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ(41).

 د- مناسبة فواتح السور لخواتيمها:

ومن بلاغة القرآن الكريم مناسبة فاتحة السورة لخاتمتها، تأمل معي سورة المؤمنون حيث جعل الله تعالى فاتحتها (قد أفلح المؤمنون) وأورد في خاتمتها (إنه لا يفلح الكافرون)، قال الزمخشري: «فشتان ما بين الفاتحة والخاتمة»(42).

فقد استفتح الله تعالى هذه السورة بجملة خبرية وهي (قد أفلح المؤمنون)، فكان افتتاحها بالبشارة للمؤمنين بالفلاح العظيم على ما تحلوا به من أصول الفضائل الروحية والعلمية التي بها تزكية النفس واستقامة السلوك، وهو افتتاح بديع لأنه من جوامع الكلم فإن الفلاح غاية كل ساع إلى عمله، فالإخبار بفلاح المؤمنين دون ذكر متعلق بفعل الفلاح يقتضي في المقام الخطابي تعميم ما به الفلاح المطلوب، فكأنه قيل: قد أفلح المؤمنون في كل ما رغبوا فيه. ولما كانت همة المؤمنين منصرفة إلى تمكن الإيمان والعمل الصالح من نفوسهم كان ذلك إعلاما بأنهم نجحوا فيما تعلقت به هممهم من خير الآخرة وللحق من خير الدنيا، ويتضمن بشارة برضى الله عنهم ووعدا بأن الله مكمل لهم ما يتطلبونه من خير(43).

وختمها بقوله تعالى (إنه لا يفلح الكافرون وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين)، وفيه ضرب من رد العجز على الصدر إذ افتتحت السورة ب(قد أفلح المؤمنون) [المؤمنون: 1] وختمت ب(إنه لا يفلح الكافرون) وهو نفي الفلاح عن الكافرين ضد المؤمنين(44).

هـ- مناسبة فاتحة السورة لبعض مقاصد السورة التي بعدها:

وقد أشار إلى ذلك السيوطي في «تناسق الدرر» حينما تحدث عن أن كل سورة تفصيل لإجمال ما قبلها، وشرح له، وإطناب لإيجازه، قال: «فقوله: (الحمد لله) تفصيله: ما وقع فيها من الأمر بالذكر في عدة آيات ومن الدعاء في قوله: (أجيب دعوة الداع إذا دعان) 176 الآية. وفي قوله: (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا مالا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين) 286. وبالشكر في قوله: (فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون) 152»(45).

وسنفصل الحديث في كل نوع من أنواع الفواتح العشرة المذكورة في الحلقات المقبلة إن شاء الله تعالى والله الموفق للصواب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

1- تاج العروس مادة (فتح).

2- الخواطر السوانح في أسرار الفواتح ص: 73.

3- الدر المنثور 1/59.

4- مفاتيح الغيب 2/255.

5- الموافقات 2/129.

6- انظر: البرهان في علوم القرآن 1/120 وما بعدها بتصرف، نقلا عن كتاب «نور المسرى في تفسير آية الإسرا» للشيخ شهاب الدين أبي شامة المقدسي، حققه علي حسين البواب، ولم أتمكن من الحصول عليه، نقل عنه السبكي أيضا في طبقات الشافعية الكبرى 8/165 وما بعدها.

  7- انظر: البرهان في علوم القرآن 1/131، الإتقان في علوم القرآن 1/131، طبقات الشافعية الكبرى 8/167.

8- الخواطر السوانح في أسرار الفواتح ص: 75- 76.

9- نفسه ص: 78.

10- الموسوعة القرآنية 2/279.

11- التحرير والتنوير 1/142.

12- نفسه 1/152.

13- نفسه 1/135.

14- نفسه 1/217.

15- إعراب القرآن الكريم وبيانه 1/36.

16- نفسه 1/37.

17- انظر: التحرير والتنوير 1/213.

18- نفسه 24/224.

19- الإتقان في علوم القرآن 3/380.

20- نفسه 3/380.

21- الكشاف 4/801.

22- انظر: التحرير والتنوير 30/553.

23- البرهان 1/134.

24- نظم الدرر 2/384- 385.

25- نفسه 2/579.

26- الإتقان في علوم القرآن 3/387.

27- نفسه 3/387- 388.

28- التحرير والتنوير 1/166.

29- نفسه 22/135.

30- تناسق الدرر ص: 86.

31- انظر: التحرير والتنوير 18/315- 316.

32- نفسه 18/313.

33- فتوح الغيب 11/261.

34- البرهان في توجيه متشابه القرآن ص: 232، ونص الكرماني في تفسيره «غرائب التفسير وعجائب التأويل»، يقول: «(سُبْحَانَ). كلمة اتخذها الله لنَفسِهِ، وهو مصدر كالغفران، وليس من لفظه فعل، وقيل: هو اسم من سبح والتسبيح مصدره، […] وبدأ هذه السورة بالمصدر، وبدأ الحديد والحشر والصف بالماضي منه، والجمعة والتغابن بالمستقبل، والأعلى بالأمر، استيعاباً لهذه الكلمة من جميع جهاتها، وجميع جهات الأفعال هي هذه الوجوه الأربعة المصدر والماضي والمستقبل والأمر الحاضر فحسب» 1/619.

35- البرهان في علوم القرآن 1/120- 121.

36- صفوة التفاسير 3/302.

37- التحرير والتنوير 28/233.

38- انظر: البرهان في علوم القرآن 1/124، الإتقان في علوم القرآن 3/383.

39- البرهان في علوم القرآن 1/124.

40- الإتقان في علوم القرآن 3/384.

41- انظر: البرهان في علوم القرآن 1/124، الإتقان في علوم القرآن 3/384.

42- الكشاف 3/207.

43- التحرير والتنوير 18/6- 8.

44- نفسه 18/136.

45- تناسق الدرر في تناسب السور ص: 65- 66.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر والمراجع:

– الإتقان في علوم القرآن، للسيوطي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، الطبعة: 1394هـ/ 1974م، منشورات: الهيئة المصرية العامة للكتاب.

– إعراب القرآن الكريم وبيانه، لمحيي الدين الدرويش، الطبعة الحادية عشرة: 1432هـ/ 2011م، منشورات اليمامة ودار ابن كثير.

– البرهان في توجيه متشابه القرآن لما فيه من الحجة والبيان، للكرماني، تحقيق: عبد القادر أحمد عطا، مراجعة وتعليق: أحمد عبد التواب عوض، منشورات: دار الفضيلة.

– البرهان في علوم القرآن، للزركشي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، منشورات المكتبة العصرية، بيروت، سنة 1430هـ/ 2009م.

– تاج العروس من جواهر القاموس، للزَّبيدي، حققه مجموعة من المحققين، مطبعة حكومة الكويت.

– التحرير والتنوير، للطاهر بن عاشور، منشورات الدار التونسية للنشر، تونس، سنة النشر: 1984هـ.

– تناسق الدرر في تناسب السور، للسيوطي، دراسة وتحقيق: عبد القادر أحمد عطا، الطبعة الأولى: 1406هـ/ 1986م، منشورات: دار الكتب العلمية، بيروت.

– الخواطر السوانح في أسرار الفواتح، لابن أبي الإصبع المصري، تقديم وتحقيق حفني محمد شرف، تاريخ النشر: 1960م.

– الدر المنثور في التفسير بالمأثور، للسيوطي، منشورات: دار الفكر، بيروت.

– صفوة التفاسير، لمحمد علي الصابوني، الطبعة الأولى: 1417هـ/ 1997م، منشورات: دار الصابوني للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة.

– طبقات الشافعية الكبرى، للسبكي، تحقيق: د. محمود محمد الطناحي د. عبد الفتاح محمد الحلو، الطبعة الثانية: 1413هـ، منشورات: هجر للطباعة والنشر والتوزيع.

– فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب، للطيبي، مقدمة التحقيق: إياد محمد الغوج، القسم الدراسي: د. جميل بني عطا، الطبعة الأولى: 1434هـ/ 2013م، منشورات: جائزة دبي الدولية للقرآن الكريم.

– الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، للزمخشري، الطبعة الثالثة: 1407هـ، منشورات: دار الكتاب العربي، بيروت.

– مفاتيح الغيب، لفخر الدين الرازي، الطبعة الثالثة: 1420هـ، منشورات: دار إحياء التراث العربي، بيروت.

– الموافقات، للشاطبي، تحقيق: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، الطبعة الأولى: 1417هـ/ 1997م، منشورات: دار ابن عفان.

– الموسوعة القرآنية، للأبياري، الطبعة: 1405هـ، منشورات: مؤسسة سجل العرب.

– نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، للبقاعي، خرج آياته وأحاديثه ووضع حواشيه: عبد الرزاق غالب المهدي، الطبعة الثالثة: 1427هـ/ 2006م، منشورات: دار الكتب العلمية، بيروت.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق