مركز دراس بن إسماعيل لتقريب المذهب والعقيدة والسلوكمعالم

كتاب كتبوا عن القرويين العلامة عبد الهادي التازي أنموذجا

   “القرويين”، تلك المعلمة التاريخية الشامخة التي شرفت بها مدينة فاس، وشرف بها سكانها ليس فقط كجامع لآداء الصلوات، بل كجامعة فـَتحت حِصنها لكل طالب نهم شغوف بالطلب والتحصيل لمختلف العلوم، ولكل مريد للارتقاء في مقامات المعرفة والمحبة الإلاهية.

           يقول الشاعر امحمد الإدريسي:

                    أنا القـرويـين الخـالـــدات عـقـودي

                             بـجـيـد الـمعالي، مذ أهـلّ وُجودي

                    وقد فاض نجمي في السماء فأقبلت

                            تبـايـعـني أجــرام كـل صـعـيـــــد

                    وتـسـأل نوري والــظـلال كثيــفــة

                           فـأمنــح وسمي في رقاع الخــلـود

                    وأسكب روقي من معيني، تميـمـة

                           ومنبع وردي من زلال الـرعــــود

                    وأفـتح حصني، إذا أجزت رتاجـه

                                          لكل مـشـوق في قـطـاف ورودي[1]

          والحديث عن القرويين سيكون أمتع وأفيد إذا لم  يقتصر فيه على الجانب الوصفي فقط، وتم فـَسح المجال فيه لمن كانت لهم الحظوة والشرف للدراسة في هذه الجامعة العامرة، وتم استعراض مسيرتهم الحافلة بين جنباتها، واستنطاق ذكرياتهم الممتعة بين جدرانها،  فهم علماء أعلام، فرسان ميادين معرفية متعددة، لم يتوانوا عن البذل والعطاء تدريسا وتعليما وتأليفا، وصفوا بالموسوعيين بعد أن أخذوا عن شيوخ لا ينضب معينهم ولا يفتر علمهم …..

         إن أول من يتبادر إلى الذهن عند ذكر القرويين العلامة عبد الهادي التازي المنعوت بابن فاس البار، والملقب “بذي العمرين” كما لقب الوزير لسان الدين بن الخطيب قبله، يقول الدكتور أحمد مختار العبادي في تقديمه لكتاب جامع القرويين: “لأنه كان يخصص النهار لأداء مهام وظيفته ، بينما يتفرغ في الليل للقراءة والتأليف ، وقد وجدنا أن هذا الوصف ينطبق اليوم على صديقنا السفير … الذي عرف كيف يجمع بين مهمته كسفير ناجح وبين هوايته كعالم ومؤرخ كبير.”[2]

        ولد عبد الهادي التازي بفاس العامرة في السابع من شوال ثمان وثلاثين وثلاثمائة وألف الموافق للخامس والعشرين من شهر يونيو إحدى وعشرين وتسعمائة وألف، وتربى في أحضانها، ودرج بين أزقتها، نال بتفوق شهادة العالمية من جامعة القرويين عام سبع وأربعين وتسعمائة وألف ، وعين بها مدرسا…حصل على”بروفي في اللغة الفرنسية من معهد الدراسات العليا، وشهادة في الأنجليزية من معهد اللغات، وأحرزعلى دبلوم الدراسات العليا من جامعة محمد الخامس بدرجة ممتازة، وعلى الدكتوراه في الآداب من جامعة الإسكندرية بمرتبة الشرف الأولى، كان حفظه الله عضو المجمع العلمي ببغداد، تقلد عدة مهام منها إشرافه على القسم الثقافي بوزارة التربية بالعاصمة، كما كان كاتبا لمركز التنسيق بين اللجان الوطنية العربية لليونسكو، بالإضافة لتعيينه سفيرا بالعديد من الدول، لقد “قضى كل حياته ومازال يقضيها ناسكا من محراب العلم المقدس، حتى أصبح اسمه قرينا بتاريخ الدبلوماسية المغربية الذي رسم لها معالمها المتميزة”[3].  

دخل العلامة سيدي عبد الهادي التازي “عالم الكتابة والتأليف والتوثيق، فكانت كتاباته و تآليفه إشراقات أغنت الفكر الإنساني وعززت جسور التعايش والتآخي، ونظرا لعمق تجربته وأصالة ثقافته وقيمة أبحاثه، تسابقت لدعوته الكليات والجامعات، واستضافته المؤتمرات والندوات فبرز محاضرا بارعا ومحاورا نزيها، لطيفا ومتفتحا، مستعدا للأخذ والعطاء، يحسن الاستماع ويتقبل الانتقاد ويساهم في الرفع من مستوى النقاش إلى أعلى مراتب عطاء الفكر الإنساني، ومابين الحوار والتأليف اختمرت شخصية عبد الهادي التازي، وبرزت كنموذج لإنسان مغربي عصامي في تكوينه، ملحاح في أبحاثه، شغوف بتاريخ بلاده، رسول لقيم المغرب.

          “القرويين” الكتاب المـعـلـمـة:

           لقد كان العلامة عبد الهادي التازي شغوفا بالقرويين كدأب طلابها وروادها، حتى إنه آثر أن يهديها مكتبته التي تضم حوالي سبعة آلاف كتاب، يقول “على الرغم من معزة الكتاب لدي، وعلى الرغم من أني اكتسبت باحتضاني هذه المؤلفات في مكتبتي رحما بيني وبينها “[4]، كما خصها بمؤلف في ثلاث أجزاء حاول فيه أن يتطرق لكل ما له اتصال بها كجامع وجامعة، ولعل تكوينه الموسوعي الذي اكتسبه فيها، رسخ لديه قناعة بضرورة الإلمام بالعديد من العلوم يقول: “على الفقيه أن يقرأ ما يكتبه الفلكي، وعلى الفلكي أن يقرأ ما يكتبه الفقيه، فأنا من الذين يقولون إن على الشخص ألا يغتر بالمعلومات التي لديه ويكتفي بها، فلن يكون الشخص ناجحا إلا إذا اهتم بالمائدة واللباس، والجو، والزراعة، والماء”[5]، ويضيف قائلا: “زمن التخصصات قد ولى وانتهى، فقراءاتي تشمل كل شيء، من مجال العلاقات الدولية ماضيا وحاضرا، إلى ما ينبغي أن نأكل ونشرب”[6].

          لقد كانت جامعة القرويين “مصدر علم وثقافة ومجمع الطلاب والاساتذة ومنار الهدى للمغرب وغرب إفريقيا، وعنوان وعميدة جامعات العالم، وقد اختلفت عليها العهود وتوالت الأحداث كمركز وهيكل ومعمار وكدار علم وثقافة ومجمع العلماء والمثقفين، ومئات السنين مرت عليها منذ بدأت رسائلها العلمية تشع في عالم المغرب العربي وإفريقيا، مئات الآلاف من الأساتذة، والعلماء والطلبة تخرجوا منها، كل ذلك كان في عالم المجهول حتى قيض لها أحد تلاميذها وأساتذتها فكتب عنها معلمته المعروفة الكبرى، لم يتغافل عن وصف الهيكل الكبير و نافوراته، ولم ينس الأبواب التي تجاوزت العشرة والتي تنفتح على حومات كثيرة متباعدة يتم دخول الجامع للصلاة والدراسة والتعبد لكل ساكن أو طارق من هذه الحومات… والجامعة لا يمكن أن يتطرق إليه إلا باحث متمكن ودارس متمرن وملاحظ ذو بصيرة، وقد توفر كل ذلك في عبد الهادي التازي فكانت معلمته عن القرويين”[7].  

           في مؤلفه وصَف القرويين بالقلب النابض، الذي كتب له الحفظ من مختلف التيارات العاتية التي عرفتها مثيلاتها في الشرق، كما كتب له أن يؤسس في أرض طيبة، وعلى يد سيدة تقية مؤمنة من فضليات فاس، بنته من “مالها الحلال الذي ورثته عن والدها وعن زوجها، ولم تزل صائمة قائمة مدة بنائها رجاء أن يبقى مسجدها عامرا بالعبادة والمعرفة، وقد استجاب الله دعاءها فبقي ذلك المقام الذي بنته معهدا دينيا وعلميا مليئا بالذكر والعلم مزودا العالم الإسلامي بأقطاب كبار وشيوخ أئمة.”[8]

          لم يترك الدكتور عبد الهادي التازي موضوعا يتعلق بجامع القرويين إلا وتحدث عنه بتفصيل وبإجادة أفاد بها قارئيه وأغناهم عن البحث عن مصادر أو مراجع أخر، فتحدث عن طرازه المعماري، وعن خزانته وما ضمته من عيون المخطوطات ونوادر المؤلفات، وعن أوقافه، وعن مصادر الماء التي تسد حاجاته طيلة فصول العام، وعن مختلف الأحداث التاريخية التي عاشها المغرب وكان للجامع دور فيها، ناهيك عن حديثه عن العلماء الذين درجوا بين أساطينها ولازموا زواياها، واعتلوا كراسيها، وعن العلوم التي درّسوها، والتي لم تقتصر على العلوم الشرعية بل لقد تعدتها للاهتمام بالعلوم التطبيقية واللغات الأجنبية، بالإضافة للجسور التي مُدت بينهم وبين نظرائهم في المشرق، وعن الإجازات العلمية…، ولم يغب عنه الحديث عن تفاصيل علقت بذهنه كلباس العلماء، وبعض التقاليد كسلطان الطلبة، وغير ذلك.

الهوامش


[1] – القرويين تتحدث عن نفسها بين الأمس واليوم، شعر لامحمد الإدريسي، منبر الرابطة العدد 24، أبريل 2011

[2]- من تقديم الدكتور أحمد مختار العبادي لكتاب جامع القرويين للعلامة عبد الهادي التازي ص10.

[3] -انظر سيدي عبد الهادي التازي ابن فاس البار آراء وشهادات”، شهادة محمد القباج رئيس مؤسسة روح فاس في كلمة تكريمية بعنوان “كتاب حب ووفاء”، ص5 الطبعة الأولى 1430- 2009.

[4] – الشرق الأوسط عدد11478 سنة 2010.

[5]-الشرق الأوسط عدد11478 سنة 2010.

[6]– انظر سيدي عبد الهادي التازي ابن فاس البار آراء وشهادات”، شهادة عبد الكريم غلاب رئيس مؤسسة روح فاس في كلمة تكريمية بعنوان “كتاب حب ووفاء”، ص57 الطبعة الأولى 1430- 2009.

[7]– انظر سيدي عبد الهادي التازي ابن فاس البار آراء وشهادات”، شهادة عبد الكريم غلاب رئيس مؤسسة روح فاس في كلمة تكريمية بعنوان “كتاب حب ووفاء”، ص57 الطبعة الأولى 1430- 2009.

[8] – رسالة القرويين في الماضي والحاضر والمستقبل للمرحوم علال الفاسي، ص49، ندوة “جامعة القرويين وآفاق إشعاعها الديني والثقافي ندوة تكريمية لعميدها عبد الوهاب التازي.


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق