مركز الدراسات والبحوث في القضايا النسائية في الإسلامقراءة في كتاب

قراءة في كتاب “ميراث المرأة وقضية المساواة” للدكتور: صلاح الدين سلطان

مونية الطراز

كتاب “ميراث المرأة وقضية المساواة” للدكتور صلاح الدين سلطان من الكتب القيمة التي أبرزت بحجج دامغة الامتيازات التي حظيت بها المرأة في نظام التوارث في الإسلام، وفصّلت القول في الحالات التي ترث فيها مثل الرجل أو تزيد عليه، فكان هذا الكتاب إلى جانب الدراسات الأخرى مرجعا لمن ارتاب في قيمة المساواة التي أقرها نظام الإرث الإسلامي.
ومع عظيم فائدة الكتاب وأهميته في هذا الباب الدقيق من أبواب التشريع الإسلامي، إلا أن حجمه صغير لا يتجاوز 50 صفحة، صدر ضمن سلسلة في التنوير الإسلامي عن نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع تحت رقم 29، ولم يكن عدا جزء من دراسة أعدّها الكاتب تحت عنوان “التوازن بين حقوق المرأة في الميراث والنفقة في الشريعة الإسلامية” صدر منها الكتاب الذي نقدمه اليوم سنة 1999 م، – وهو الطبعة الأولى للدار- وصدر آخر ضمن نفس السلسلة تحت عنوان “نفقة المرأة وقضية المساواة”.
الكتاب وإن كان قيما بحق رغم صغر حجمه فقد زادته مقدمة الدكتور عمارة قيمة مزجاة، حيث ذكّر صاحب التقديم بآرائه في الموضوع، وأحال على ما جاء في كتابه “هل الإسلام هو الحل .. لماذا وكيف؟” ضمن مبحث “التحرير الإسلامي للمرأة” الذي أورد فيه ردودا على أصحاب شبهة التمييز في ميراث المرأة، كما استعرض بعض المعايير التي تحكم فلسفة الميراث الإسلامي والتي تغيب في الغالب على الخائضين في الموضوع، وهي ثلاثة حسب الدكتور عمارة، منها اعتبار درجة القرابة   بين الوارث – ذكرا أو أنثى- وبين الموَرَّث – المتوفى-، وفي ذلك حِكم بليغة ذكرّ بها، ومنها اعتبار موقع الجيل الوارث من التتابع الزمني للأجيال التي تستقبل الحياة وتستعد لأعبائها، وفي ذلك إشارة مهمة نبّه عليها صاحب المقدمة، ومنها أيضا اعتبار العبء المالي الذي يوجب الشرع الإسلامي على الوارث تحمّله والقيام به حيال الآخرين، وفي ذلك توضيحات قدّمها عمارة تفتح أفق فهم المسألة في سياقها النّسقي.
الدكتور عمارة مع ما قدّم من إبانات قيمة نبّه إلى أن مثل هذه القضية تحتاج إلى مزيد من الدراسات التي تُنتَج بعقل إبداعي غير اتباعي وبمنطق غير تقليدي، وبأسلوب لا يكتفي بترديد المتعارف عليه في الساحة العلمية، كما تحتاج أيضا إلى إشاعة هذا المنطق الإسلامي الجديد بين كل المهتمين بقضية المرأة، وكانت هذه التوضيحات بمثابة المقدمات الشهية لمائدة الكتاب في حين كانت الموضوعات التي تفضّل بها صلاح الدين سلطان بمثابة الغذاء الدسم للقارئ النهم، ذلك أن الكاتب استطاع أن يشدّ إليه المتصفح بدأ بالمقدمة التي بيّن فيها أن الموضوع أقحم في حلبة الصراع وهو صراع أبدي بين الحق والباطل، من أشكاله استغلال موضوع المرأة ليكون مرتعا خصبا للهجوم على الإسلام واتهامه بظلم المرأة وعدم مساواتها بالرجل، وذكر في هذا الصدد باتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة، وما حوته موادها من أفكار سامة، كما ذكر بما جاء في مؤتمر السكان في مصر ومؤتمر بكين، وكلها تهدف إلى الهجوم على الإسلام في تفرقته بين الرجل والمرأة في بعض الأحكام.
هذا وقد عرض الكاتب في مقدمته مباحث الكتاب، التي حوت الأفكار المضمّنة في دراسة سابقة عنونها ب “ميراث المرأة وقضية المساواة”، وكذا ما جاء في بحثه تحت عنوان “نفقة المرأة وقضية المساواة”، والذي صدر في العدد الثلاثين من سلسلة “في التنوير الإسلامي”.
بعد هذه الإيضاحات العامة دلف الكاتب مباشرة إلى قضية الكتاب الجوهرية تحت عنوان “حق المرأة في الميراث في الشريعة الإسلامية”، فعالج أولا الحالات التي ترث فيها المرأة نصف ما يرث الرجل، ووجد أنها تنحصر في أربع حالات، هي وجود البنت مع الابن، ووجود الأب مع الأم مع عدم وجود أولاد ولا زوج أو زوجة، ووجود الأخت الشقيقة أو الأب مع الأخ الشقيق أو الأب، وكذا حالات حظ الأنثيين.
وبعد هذا المبحث بيّن الكاتب في مبحث آخر الحالات التي ترث فيها المرأة مثل الرجل، وذكر أن منها خمس حالات، الحالة الأولى: ميراث الأم مع الأب مع وجود ولد ذكر أو بنتين فأكثر أو بنت أحيانا، والحالة الثانية ميراث الإخوة لأم مع الأخوات لأم دائما في الميراث، والحالة الثالثة هي المسماة بالمسألة المشتركة، والحالة الرابعة وهي تساوي الرجل والمرأة عند انفراد أحدهما بالتركة. وذكر بعد ذلك حالات أخرى بأمثلة وجداول موضحة.
أما المبحث الثالث من هذه الدراسة فقد خصصه الكاتب للحديث عن الحالات التي ترث فيها المرأة أكثر من الرجل فاستهل المبحث بالتذكير بطرق التوارث في الإسلام وأن ميراث المرأة يغلب فيه الفرض على التعصيب وهو أحظى للمرأة من الإرث بالتعصيب في غالب الحالات، وبيّن بعد ذلك عبر جداول الفروض الواردة في القرآن والسنة ومستحقوها، واستنتج من ذلك أن أكبر الفروض في القرآن الكريم هو الثلثان، وهو للنساء خاصة ولا يحظى به واحد من الرجال، وأن نصيب النصف هو للزوج فقط عند عدم وجود فرع وارث، بينما يشكل نصيب أربعة من النساء، وأن الثلث يأخذه اثنان من النساء بينما لا يأخذه من الذكور إلا الإخوة لأم، وأن السدس يأخذه خمسة من النساء مقابل ثلاثة من الرجال، وخلص إلى أن النساء يرثن بالفرض في سبعة عشر حالة، بينما يرث الرجال بالفرض في ست حالات فقط، وأوضح عبر نماذج تطبيقية أن هذا التحديد مفيد للمرأة ويجعلها ترث أكثر من الرجل في أحيان كثيرة.
في المبحث الرابع والأخير تطرق الكاتب إلى الحالات التي ترث فيها المرأة ولا يرث نظيرها من الرجال، وقدّم أمثلة بمسائل للتوضيح، منها حالة الجدة لأم التي قد ترث التركة كلها في حين لا يرث الجد لأم شيئا مع أنه يكون غالبا زوجها.
وقبل الختام قدّم الكاتب خلاصة جامعة أورد فيها أكثر من ثلاثين حالة ترث المرأة فيها مثل نصيب الرجل أو أكثر منه، أو ترث هي ولا يرث نظيرها من الرجال، في مقابلة أربع حالات محددة ترث فيها المرأة نصف الرجل لأسباب تتوافق مع الروافد الأخرى من الأحكام الشرعية التي تتكامل أجزاؤها في توازن دقيق لا يند عنه شيء، ولا يظلم طرفا على لحساب آخر لأنها شريعة الله تعالى الحكيم العليم الخبير العدل.
هكذا اختتم صلاح الدين سلطان مباحث الكتاب بعد أن أجاد البيان وأحسن السبك والبنيان، وتحاشى الإطناب والإغراق في التفريع وتجنّب الحشو وإكثار الشواهد والأقوال، وحين بدا له ضرورة التطرق إلى مواضيع أخرى حتى تكتمل في الأذهان صورة تكريم الإسلام للمرأة أحال القرّاء على الشق الثاني من الدراسة التي أصدرها مستقلة تحت عنوان “نفقة المرأة وقضية المساواة”، وهي الدراسة التي تستحق منّا قراءة مستقلة نقدمها للمهتمين في قادم الأيام بحول الله.

نشر بتاريخ 17/04/2012

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. كتاب راااااااااااائع خطوة محمودة لبحث مسألة الميراث بطريقة علمية جديدة بدون اندفاع هذا ما نريده في الكتب وليس الكتب التي تهجم و الكتب التي تسد الآذان وتناقش بدون اعتبار لما يثار في الموضوع من تهم أرجو أن تفيدوني في كيف أن أحصل عليه هل هو موجود في المكتبات المغربية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق