مركز دراس بن إسماعيل لتقريب المذهب والعقيدة والسلوكدراسات محكمة

فقه العمليات في التراث الفقهي المغربي فقه الشركات ومتعلقاتها نموذجا(7)

الدكتور مولاي إدريس غازي

باحث بمركز دراس بن إسماعيل

2- حكم التفاضل في المزارعة:

لقد سبق أن أشرت إلى أن من شرط المزارعة تساوي الشريكين وتكافؤهما في الخارج والمخرج، بحيث يكون مقدارهما من الربح مساويا لما أخرجاه من بذر وأرض وعمل، وقد نقل الدسوقي في حاشيته على الدردير قول أبي الحسن الصغير حيث جاء فيه: «لا تصح الشركة في المزارعة إلا بشرطين: أن يسلما من كراء الأرض بما يخرج منها، وأن يعتدلا فيما بعد ذلك»( [1]).

لكن جرى العمل بعدم اشتراط التساوي في المزارعة؛ إذ تصح ولو مع وجود التفاوت، قال الشيخ المعداني ناظما:

وعمل بذات زرع قد جـرىبعدم التساوي فافهم ما طـرا

ومعتمد هذا العمل من جهة النقل هو قول عيسى بن دينار. قال المواق:

«والذي نقل أهل كتب الأحكام أي الذي جرى به العمل أن المتزارعين إذا سلما من كراء الأرض بما يخرج منها فلا بأس بالتفاضل ممن كان، وشركتهما جائزة إذا اعتدلا في الزريعة وإن لم يقوما العمل ولا عرفا كراء الأرض، وهو قول عيسى بن دينار»([2]). وقال التسولي مبينا استمرار هذا العمل عند قول التحفة: (والعمل اليوم به في الأندلس): «أي بهذا القول الذي لا يشترط السلامة من التفاوت في جزيرة الأندلس، بل وكذلك في مغربنا اليوم؛ لأن عملنا تابع لعملهم»([3]).

وجاء في نظم العمل المطلق:

لا بأس فيما أخرجاه أن يقـعفيه التفاضل خلاف من منـع([4])

وبالنظر إلى الموجبات التي انبنى عليها هذا العمل، يلاحظ أنه يستند إلى جملة من الاعتبارات أهمها اثنان وهما:

– أن العمل المذكور فيه مراعاة للرأي القائل بلزوم المزارعة بمجرد العقد تنزيلا لها منزلة الإجارة، وهذا ما أشار إليه ابن رشد في المقدمات بقوله: «وإنما وقع هذا الاختلاف في المزارعة لأنها شركة وإجارة (…) فمن غلب الشركة لم يرها بالعقد لازمة ولا أجازها إلا على التكافي (…) ومن غلب الإجارة ألزمها بالعقد وأجاز التفاضل بينهما ولم يراع التكافي»([5]).

– أن في إجازة المزارعة على ما هي عليه من التفاوت وانتفاء شرط التساوي المطلوب، مراعاة لأحوال الضرورة العارضة للناس؛ إذ يتعذر عليهم في الغالب التعامل بها مع استجماع الشرائط المذكورة، «وعليه فإذا اعتادوا –كما يقول العلامة التسولي– في بلد التفاوت في البذر لا ينكر عليهم»([6])؛ لأن القاعدة أن ما ارتكبه الناس وتقادم في عرفهم وجرى عليه عملهم ينبغي أن يلتمس له وجه شرعي، والضرورة من أقوى وجوه الشرع اللازم اعتبارها([7]). قال أبو القاسم البرزلي في هذا المعنى: «تجوز المعاملة الفاسدة لمن لا يجد مندوحة عنها، كالإجارة والمزارعة والشركة وغير ذلك من سائر المعاملات، والمبيح لهذه المعاملات هو الضرورة لا ما دونها، كما جاز للمضطر أكل الميتة»([8]).

ومن فتاوى الفقهاء التي يظهر فيها بوضوح التوجيه الفقهي المبني على أصل العمل المذكور، ما أورده الونشريسي في المعيار ونصه: «وسئل ابن لبابة عن الذي يشترط على المناصف والمثالث والخماس ألا يحصد رب الأرض معه ولا يدرس، وأن يكون العمل عليه كله، فأجاب: هذا العمل الجاري في بلدنا وعليه كان مشايخنا الذين مضوا، وهو كان مذهب عيسى بن دينار، وعلى مذهب عيسى مضى العمل ببلدنا. وكان مذهب مالك لا يجوز لأنه غرر ومجهول، ومن أخذ بقول مالك فإن الحصاد والدرس والعمل كله بينهما، أو يقيم رب الأرض إجراء المناصفة، إلا أن مذهب عيسى عليه نعتمد ببلدنا»([9]).

الهوامش:


([1]) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير 3/373، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، دون تاريخ. وانظر كذلك منح الجليل شرح على مختصر خليل للشيخ محمد عليش 6/220، ضبطه وصححه عبد الجليل عبد السلام، الطبعة الأولى 1424 هـ / 2003 م، دار الكتب العلمية، بيروت.

([2]) التاج والإكليل بهامش مواهب الجليل، 7/153.

([3]) البهجة في شرح التحفة، 2/383.

([4]) فتح الجليل الصمد ص 235، وتحفة أكياس الناس للوزاني ص 284.

([5]) المقدمات الممهدات 2/211، حاشية المعداني على شرح ميارة للتحفة 2/197، ومنح الجليل للشيخ عليش 6/222.

([6]) البهجة، 2/383.

([7]) انظر تطبيقات قواعد الفقه عند المالكية من خلال البهجة في شرح التحفة، للدكتور الصادق بن عبد الرحمن الغرياني ص 315، الطبعة الأولى 1426 هـ / 2005 م، دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت.

([8]) المعيار، 8/149.

([9]) المعيار، 8/154.

د. إدريس غازي

• خريج دار الحديث الحسنية ـ الرباط.
• دكتوراه في الدراسات الإسلامية، جامعة سيدي محمد بن عبد الله ـ فاس، في موضوع: "أصل ما جرى به العمل ونماذجه من فقه الأموال عند علماء المغرب".
• دبلوم الدراسات العليا من دار الحديث الحسنية، الرباط، في موضوع: "المنهجية الأصولية والاستدلال الحجاجي في المذهب المالكي".
من أعماله:
ـ الشاطبي بين الوعي بضيق البرهان واستشراف آفاق الحجاج.
ـ في الحاجة إلى تجديد المعرفة الأصولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق