مركز ابن القطان للدراسات والأبحاث في الحديث الشريف والسيرة العطرةدراسات عامة

فضل صيام الست من شوال كصيام الدهر

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على سيدنا  محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين

لا شك أن العبادات تعتريها نقائص في أدائها، وتنجبر بإقامة النوافل، من ذلك: صيام رمضان، وما يصدر عنه من أفعال وأقوال قد تأثر في صيامه، لهذا يقبل المسلمون على صيام ستة أيام من شوال،  طمعا في جبر ما عساه أن يعتري صيامهم من شوائب ونقصان، وذلك للحديث الوارد في هذا الباب المشهور المعروف، فعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من صام رمضان، ثم أتبعه ستا من شوال، كان كصيام الدهر»، واللفظ لمسلم، وقد سبق أن كتبت عن هذا الحديث مقالا تعرضت فيه إلى تخريج هذا الحديث، وبعض الفوائد المنتقاة من شروح أئمة الحديث في كتبهم فلينظر.

ولابد في مستهل هذا المقال الإشارة إلى قضية مهمة في هذا الباب، ألا وهي كراهة سادتنا المالكية صيام الستة أيام من شوال متصلة برمضان، وينبغي صيامها منفصلة لا متصلة، رفقا بالمكلف؛ لأنه حديث عهد بالصوم فيكون عليه أسهل، وللخفة على المكلف بسبب قربه من الصوم وإلا فالمقصود حاصل في غيره، فيشرع التأخير عن رمضان جمعا بين مصلحتين، وهو الأفضل، لئلا يتطاول الزمان فيلحق برمضان عند الناس، وما خشي منه مالك رحمه الله تعالى قد وقع بالعجم، فصاروا يتركون المسحرين على عادتهم، والقوانين، وشعائر رمضان إلى آخر الستة الأيام فحينئذ يظهرون شعائر العيد، وأن اتصال النفل بالفرض إذا حصل معه التمادي، اعتقد الناس أن ذلك النفل من ذلك الفرض، وسد هذه الذرائع متعين في الدين[1].

إن صيام ستة أيام من شوال، كما جاء في الحديث المذكور آنفا،  قد تطرق أئمتنا العلماء إلى مسألة العدد: “ستة”، ولهذا رغبت في إيراد بعض كلام الأئمة الأعلام في الموضوع، ومزية ذلك العدد، وهذا أوان الشروع في المطلوب، والله من وراء القصد وهو سبحانه وتعالى المستعان.

قال جمال الدين ابن الجوزي (المتوفى عام: 597هـ): “ذكر العلماء في توجيه هذا الحديث؛ أن السنة ثلاثمائة وستون يوما، والحسنة بعشرة أمثالها، فوقوع رمضان في الأغلب ثلاثين مع ست تفي بذلك، وقد قال الدارقطني: وصحف هذا الحديث أبو بكر الصولي، فقال: وأتبعه شيئا من شوال، وأملاه في الجامع والصواب: ستا”[2].

وقال محي الدين النووي (المتوفى عام: 676هـ): “قوله صلي الله عليه وسلم: بست من شوال أو ستا من شوال؛ من غير هاء التأنيث في آخره، هذه لغة العرب الفصيحة المعروفة، يقولون: صمنا خمسا، وصمنا ستا، وصمنا عشرا، وثلاثا، وشبه ذلك بحذف الهاء، وإن كان المراد مذكرا، وهو: الأيام فما لم يصرحوا بذكر الأيام، يحذفون الهاء، فان ذكروا المذكر، أثبتوا الهاء، فقالوا: صمنا ستة أيام وعشرة أيام وشبه ذلك، وهذا مما لا خلاف بينهم في جوازه، وممن نقله عن العرب من أهل اللغة المشهورين وفضلائهم المتقنين ومعتمديهم المحققين الفراء، ثم ابن السكيت، وغيرهما من المتقدمين والمتأخرين”[3].

وقال شهاب الدين القرافي (المتوفى : 684هـ): “الحسنة بعشرة، فالشهر بعشرة أشهر، والستة بستين كمال السنة، فإذا تكرر ذلك في السنين، فكأنما صام الدهر، سؤال يشترط في التشبيه المساواة أو المقاربة وهاهنا ليس كذلك؛ لأن هذا الصوم عشر صوم الدهر، والأجر على قدر العمل، ولا مقاربة بين عشر الشيء كله، جوابه معناه: فكأنما صام الدهر، أن لو كان من غير هذه الأمة، فإن شهرنا بعشرة أشهر، لمن كان قبلنا، والستة بشهرين لمن كان قبلنا، فقد حصلت المساواة من كل وجه.

تنبيه: هذا الأجر مختلف الأجر، فخمسة أسداسه أعظم أجرا، لكونه من باب الواجب، وسدسه ثواب النفل.

فائدة: إنما قال: (بست) بالتذكير، ولم يقل: (بستة) رعيا للأصل، فوجب تأنيث المذكر في العدد؛ لأن العرب تغلب الليالي على الأيام لسبقها، فتقول: لعشر مضين من الشهر، واستحب مالك ثلاثة أيام من كل شهر، فكان يصومها أوله وعاشره والعشرين، وهي الأيام البيض، واختار أبو الحسن تعجيلها أول الشهر وهي صيام الدهر لأن الثلاثة بثلاثين”[4].

هذا نص ما في الذخيرة، وقد توسع العلامة القرافي في هذه المسألة في الفرق الخامس والمائة بين قاعدة: صوم رمضان وست من شوال، وبين قاعدة صومه وصوم خمس ، أو سبع من شوال، من كتابه: الفروق[5]، ومثله عند شمس الدين ابن قيم الجوزية (المتوفى عام: 751هـ)[6].

وقال ابن الملك الكرماني (المتوفى عام: 854 هـ): “لصيرورة كل يوم بعشرة أيام؛ لأن الحسنة بعشرة أمثالها؛ فعشرة أشهر لرمضان، وشهران لستة من شوال”[7].

وقال شهاب الدين ابن حجر العسقلاني (المتوفى عام: 852هـ) نقلا عن بعض العلماء: “فدل ذلك على أن صوم الدهر، أفضل مما شبه بهّ، وأنه أمر مطلوب، وتعقب بأن التشبيه في الأمر المقدر، لا يقتضي جوازه فضلا عن استحبابه، وإنما المراد حصول الثواب على تقدير مشروعية صيام ثلاثمائة وستين يوما، ومن المعلوم أن المكلف لا يجوز له صيام جميع السنة، فلا يدل التشبيه على أفضلية المشبه به من كل وجه”[8].

وأختم بكلام جلال الدين السيوطي (المتوفى عام: 911هـ)، وهذا نصه: “ستا من شوال، لم يقل: ستة، مع أن المعدود مذكر؛ لأنه إذا حذف جاز فيه الوجهان، كصيام الدهر، زاد النسائي من حديث ثوبان: الحسنة بعشر، فشهر رمضان بعشرة أشهر، وستة بشهرين، فذلك تمام السنة، ولا يشكل على هذا ما قيل: إنه يلزم فيه مساواة ثواب النفل للفرض؛ لأنه إنما صار كصيام سنة بالتضعيف، وهو مجرد فضل من الله تعالى”[9].

فذلكة القول: إن مزية الست على السبع أو الخمس، تظهر بتقرير معنى: الستة، وذلك أن شهرا بعشرة أشهر، وستة أيام بستين يوما ؛ لأن الحسنة بعشرة والستون يوما بشهرين، وشهران مع عشرة أشهر سنة كاملة فمن فعل ذلك في سنة هو بمنزلة من صام تلك السنة لتحصيله اثني عشر شهرا فإذا تكرر ذلك منه في جميع عمره كان كمن صام الدهر والمراد بالدهر عمره إلى آخره[10].

ولما كان صوم رمضان لا بد أن يقع فيه نوع تقصير وتفريط وهضم، من حقه وواجبه ندب إلى صوم ستة أيام من شوال جابرة له، ومسددة لخلل ما عساه أن يقع فيه، فجرت هذه الأيام مجرى سنن الصلوات، التي يتنفل بها بعدها جابرة ومكملة، وعلى هذا تظهر فائدة اختصاصها بشوال[11].

*************

هوامش المقال:

[1] ) أنوار البروق في أنواع الفروق 2/ 637، والذخيرة 2 /530 بتصرف.

[2] ) كشف المشكل من حديث الصحيحين 2 /92.

[3] ) المجموع شرح المهذب 6/ 378-379.

[4] ) الذخيرة 2/ 530-531.

[5] ) أنوار البروق في أنواع الفروق 2/ 636_641.

[6] ) تهذيب السنن 2 /1228_1234.

[7] ) شرح مصابيح السنة للإمام البغوي 2 /541.

[8] ) فتح الباري بشرح صحيح البخاري 4/ 231.

[9] ) الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج 3 /252-253.

[10] ) أنوار البروق في أنواع الفروق 2 /638.

[11] ) تهذيب السنن 2/ 1231.

***************

جريدة المراجع

أنوار البروق في أنواع الفروق لشهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي، تحقيق: محمد أحمد سراج، علي جمهعة محمد، دار السلام، القاهرة- مصر، الطبعة الأولى: 1421 /2001.

الديباج على صحيح مسلم بن الحجاج لجلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي تحقيق: أبو اسحق الحويني، دار ابن عفان للنشر والتوزيع، الخبر- السعودية، الطبعة الأولى: 1416 /1996.

الذخيرة لشهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي، تحقيق: سعيد أعراب، محمد حجي، محمد بوخبزة، دار الغرب الإسلامي، بيروت- لبنان، الطبعة الأولى: 1994.

شرح مصابيح السنة للإمام البغوي لمحمد بن عبد اللطيف ابن المَلَك الكرماني، تحقيق: لجنة مختصة من المحققين بإشراف: نور الدين طالب، منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، إدارة الثقافة الإسلامية، الكويت، الطبعة الأولى: 1433/ 2012.

فتح الباري بشرح صحيح البخاري لشهاب الدين أحمد بن علي ابن حجر العسقلاني، المطبعة الكبرى الأميرية، بولاق- مصر، الطبعة الأولى: 1300-1301.

كشف المشكل من حديث الصحيحين لجمال الدين عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي، تحقيق: علي حسين البواب، دار الوطن، الرياض- السعودية، الطبعة الأولى: 1418 /1997.

المجموع شرح المهذب المؤلف لمحي الدين يحيى بن شرف النووي، إدارة الطباعة المنيرية، مصر، 1349.

*راجع المقال الباحث: عبد الفتاح مغفور

Science

يوسف أزهار

  • باحث بمركز ابن القطان للدراسات والأبحاث في الحديث الشريف والسير ة النبوية العطرة بالعرائش، التابع للرابطة المحمدية للعلماء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق