مركز أبي الحسن الأشعري للدراسات والبحوت العقديةدراسات عامة

فرقة الاسماعيلية: تعريفها ونشأتها-فرقها-اعتقاداتها

 

التعريف والنشأة:

     «تفرَّعت الإسماعيلية عن حركة التشيع الإمامي منذ سنة 148هـ/765م، وظلَّت تنمو في اتجاهات عقائدية وسياسية واجتماعية متباينة، وقد تميَّز كل اتجاه منها باستقلال ذاتي مع ارتباطه بجذوره التاريخية التي يتفق فيها مع الإمامية الإثنى عشرية في أصل موضوع الإمامة، والوصية، وصفات الإمام، وتسلسل الأئمة حتى الإمام السادس جعفر بن محمد الصادق(80-148هـ/699-765م)،  بسبب خلاف حول شرعية من يخلفه في الإمامة..»[1] .
     و«ينتسب الإسماعيلية إلى إسماعيل، الابن الأكبر لجعفر الصادق. وقد تفرعت هذه الطائفة من الشيعة الإمامية  بعد موت جعفر عام 148هـ. إذ إن من تسمّوا بالإسماعيلية لم يعترفوا بإمامة موسى الكاظم، الإمام السابع للإثنى عشرية، وساقُوا الإمامة بدلا منه إلى إسماعيل، أو ابنه محمد، وقد اختلف الشيعة أنفسهم في الأسباب التي دعت بجعفر الصادق إلى تحويل الإمامة من ابنه إسماعيل إلى ابنه الآخر موسى: فهناك من يذهب إلى أن جعفرا، قد تبيَّنَ له بعد أن عقد البيعة لإسماعيل، أنه لم يكن بالرجل الذي يصلُح لتولّي الإمامة من بعده، إمَّا لسلوكه الأخلاقي لإدمانه الخمر ووَلَعه بالنساء، أو لارتباطه ببعض المذاهب المنحرفة والدعوات المتطرفة كالخطابية.. وهناك رواية تذهب إلى أن إسماعيل توفي في حياة أبيه، ومن ثمَّ نقلت الإمامة إلى أخيه موسى.. وهناك رواية ثالثة يرويها الإسماعيلية ويدافعون عنها، تذهب إلى أن إسماعيل لم يمت في حياة أبيه، بل أطلق أبوه خبر وفاته وأثبتها بوثائق مكتوبة، تقيَّةً، وخوفاً على حياة ابنه من العباسيين الذين كانوا يلاحقون أهل البيت ويضطهدونهم..»[2] .
     ويذكر سعد رستم أن فرقة الإسماعيلية لم تكن فرقة واحدة  وإنما « شهدت الإسماعيلية-منذ نشأتها- انشقاقات متتابعة ولَّدت طوائف وجماعات عدَّة انفصلت  بعضها عن جسم الفرقة انفصالاً تامّاً، ونهج بعضها الآخر نهج الإسماعيلية، مع إدخال بعض التعديل والتغيير في النُّظُم والمذهب. ولتعدُّد أسماء الإسماعيلية، وتبايُن نعوتها وكثرة شُعبها وفروعها أسباب كثيرة فرضتها المعطيات التاريخية التي ربطت بينها أواصر الدعوة وفرَّقت شملها ملابسات الوقائع وإرادات الأشخاص وتأويلاتهم، وكانت طوائفهم في البدء على مذهب أئمتهم في الأصول، ثم لما اختلفت الروايات عن الأئمة وتمادى الزمان اختارت كل طائفة منهم طريقا..»[3].

أشهر فرقها:

    «ظهرت خلال التاريخ الإسلامي العديد من الحركات الإسماعيلية، وقد عملت هذه الحركات الباطنية المستترة بالتشيُّع على إثارة كثير من القلاقل والاضطرابات وبث الأفكار الباطلة والدعوات المنحرفة واتخذت أساليب شتى ووسائل مختلفة لهدم الإسلام. ولعل أول حركة إسماعيلية كتب لها النجاح كانت ببلاد اليمن، حيث استطاع أحد دعاة الإسماعيلية ويدعى الحسن بن حوشب، وهو كوفيُّ الأصل، ويُلقَّب بمنصور اليمن، استطاع هو وداع آخر يمنيُّ الأصل يسمَّى علي بن الفضل، أن يجمعا حولهما عددا من قبائل اليمن، وأن يُظهرا الدَّعوة للإمام الإسماعيلي المنتظر، وتأسَّسَت بذلك أول دولة إسماعيلية في التاريخ عام 268هـ.ويقال إن ابن حوشب أظهر في أول عهده نوعا من التقوى والورع، وادَّعَى الفقه وتظاهر باتّباع أهل السنة والجماعة، فسمع به الناس، وأقبلوا عليه، واستخدم الكثير من الحيل لكسب ثقتهم، ولكنه لم يلبث بعد أن تمكَّن وقويت شوكته، أن كشف عن حقيقة مذهبه وأظهر ما كان يُضمره من كفر وإلحاد، فأظهَر الدعوة إلى المهدي من آل إسماعيل، وانتهى به الأمر إلى إحلال المحارم وإباحة الفاحشة لأتباعه»[4]. «ولكن الإمام الإسماعيلي عبيد الله استطاع أن يفلت…من حصار العباسيين ومن القرامطة معا، حيث التحق بأتباعه في المغرب، واستطاع أن يؤسس في عام297هـ دولة عرفت بالدولة الفاطمية»[5].
      ومن فرقهم بالإضافة إلى الإسماعيلية باليمن المنتسبة إلى الحسن بن حوشب(ت302هـ) القرامطة بالبحرين نسبة إلى حمدان قرمط، والفاطميون العبيديون بالمغرب نسبة إلى الإمام الإسماعيلي عبيد الله المهدي(ت298هـ)، والإسماعيلية المستعلية نسبة إلى الخليفة المستعلي بمصر(ت495هـ) أو الغربية كما يقول كامل حسين ، والصليحيون باليمن نسبة إلى علي بن محمد الصليحي(ت459هـ)، والبهرة وهم جماعة من تجار الهندوس في الهند، والإسماعيلية النزارية بإيران، والإسماعيلية الأغاخانية ببلاد فارس أيضا، وأضاف سعد رستم فرقة الخلفية نسبة لخلف بن أحمد القاشاني بفارس كذلك][6].
     ويذكر الشهرستاني أن:«أشهر ألقابهم: الباطنية، وإنما لزمهم هذا اللقب لحكمهم بأن لكل ظاهر باطنا، ولكل تنزيل تأويلا. ولهم ألقاب كثيرة-سوى هذه-على لسان قوم: فبالعراق يسمون الباطنية والقرامطة والمزدكية، وبخراسان التعليمية والملحدة، وهم يقولون: نحن إسماعيلية لأنا تميزنا عن فرق الشيعة بهذا الاسم، وهذا الشخص..»[7]

الاعتقادات:

     وبخصوص اعتقاداتهم يقول أحمد جلي: «تضم الشيعة الإسماعيلية… طوائف متعددة، وجماعات مختلفة، تلتقي جميعها في منهجها الباطني، وتختلف بعد ذلك قربا أو بعدا، لا من التَّصَّور الإسلامي الصحيح، بل من التَّيَّار الشيعي العام. وتعتبر الحركات التي انضوت تحت لواء الإسماعيلية امتداداً فكرياً منظَّماً للحركات الشيعية الغالية التي سبق ذكرها، وتهدف الحركات الإسماعيلية، كما سعت الحركات الغالية إلى إبطال العقيدة الإسلامية، وإلى إبطال الشرع وهدم أحكامه، وقد تبنت هذه الفرق الباطنية بعض مبادئ الفلسفة اليونانية واستفادت من بعض المذاهب والنحل الشرقية، وحاولت مزج هذه المبادئ والآراء ببعض التصورات الإسلامية للوجود والألوهية، وربطت هذا كله بنظرية الإمامية عند الشيعة، وقد نبه الشهرستاني من قبل إلى هذا الأثر الفلسفي عن الباطنية فقال:«إن الباطنية القديمة قد خلطوا كلامهم ببعض كلام الفلاسفة وصنفوا كتبهم على هذا المنهاج»، وأكد الغزالي أيضا أن آراء الباطنية في الإلاهيات مسترقة من الثنوية والمجوس..وتؤكد الدراسات الحديثة للفكر الإسماعيلي الباطني ما ذهب إليه الشهرستاني والغزالي، إذ يذهب النَّشَّار في دراسته للشيعة الإسماعيلية إلى القول بأن أحد مصادر الإسماعيلية الرئيسية الأفلاطونية المحدثة والفيثاغورية المحدثة، وأن الإسماعيلية أخذت مبادئها من الفلسفة اليونانية كما صوَّرَها المسلمون مزيجا من فلسفات أفلوطين وأرسطو والفيثاغورية الجديدة وعقائد مسيحية ويهودية إضافة إلى بعض العناصر المجوسية. ويظهر هذا الأثر التلفيقي واضحا في رسائل إخوان الصفا التي أثبت البحث الحديث أنها إسماعيليةٌ مصدراً وغايةً، وباطنيَّةٌ فكراً ومنهجاً، كما يظهر بجلاء أيضا في كتب الإسماعيلية..وفي هذه الآثار جميعا يتجلَّى الأثر الباطني، ومنها جميعا يمكن استخلاص تصور واضح لعقائد الإسماعيلية ومبادئهم والمتمثلة في آرائهم حول الوجود والألوهية وصفات الله تعالى وعلاقته بالكائنات وتصوراتهم حول الإمامة والنبوة والمعاد وغيرها من التعاليم التي دانوا بها»[8].
     وقد بسط أبو حامد الغزالي مذهبهم العقدي بتفصيل فقال: «وأما تفصيله: فيتعلق بالإلاهيات والنبوات والإمامة والحشر والنشر، وهذه أربعة أطراف، وأنا مقتصر في كل طرف على نبذة يسيرة من حكاية مذهبهم..
-الطرف الأول في معتقدهم في الإلاهيات: وقد اتفقت أقاويل نقلة المقالات من غير تردد أنهم قائلون بإلاهين قديمين لا أول لوجودهما من حيث الزمان، إلا أن أحدهما علة لوجود الثاني، واسم العلة:السابق، واسم المعلول: التالي، وأن السابق خلَقَ العالم بواسطة التالي لا بنفسه. وقد يسمَّى الأول:عقلا، والثاني:نفسا، ويزعمون أن الأول هو التام بالفعل، والثاني بالإضافة إليه ناقص لأنه معلوله..
-الطرف الثاني في بيان معتقدهم في النبوات: والمنقول عنهم قريب من مذهب الفلاسفة، وهو أن النبي عبارة عن شخص فاضت عليه من السابق-بواسطة التالي- قوة قدسية صافية مهيأة لأن تنتقش-عند الاتصال بالنفس الكلية- بما فيها من الجزئيات، كما قد يتفق ذلك لبعض النفوس الزكية في المنام حتى تشاهد من مجاري الأحوال في المستقبل: إما صريحا بعينه، أو مدرجا تحت مثال يناسبه مناسبة ما، فتفتقر فيه إلى التعبير، إلا أن النبي هو المستعد لذلك في اليقظة، فلذلك يدرك النبي الكليات العقلية عند شروق ذلك النور وصفاء القوة النبوية..
-الطرف الثالث بيان معتقدهم في الإمامة: وقد اتفقوا على أنه لابد في كل عصر من إمام معصوم قائم بالحق يرجع إليه في تأويل الظواهر وحل الإشكالات في القرآن والأخبار والمعقولات، واتفقوا على أنه المتصدي لهذا الأمر، وأن ذلك جار في نسبهم لا ينقطع أبد الدهر، ولا يجوز أن ينقطع إذ يكون فيه إهمال الحق وتغطيته على الخلق..
-الطرف الرابع بيان مذهبهم في القيامة والمعاد: وقد اتفقوا عن آخرهم على إنكار القيامة، وأن هذا النظام المشاهد في الدنيا: من تعاقب الليل والنهار، وحصول الإنسان من نطفة، والنطفة من إنسان، وتولد النبات، وتولد الحيوانات لا يتصرَّمُ أبدَ الدَّهر، وأن السماوات والأرض لا يُتصور انعدام أجسامهما، وأوَّلوا القيامة وقالوا: إنها رمزٌ إلى خروج الإمام وقيام قائم الزمان وهو السابع الناسخ للشرع المغيّر للأمر..
-الطرف الخامس في اعتقادهم في التكاليف الشرعية: والمنقول عنهم الإباحة المطلقة ورفع الحجاب واستباحة المحظورات واستحلالها وإنكار الشرائع، إلا أنهم بأجمعهم ينكرون ذلك إذا نسب إليهم، وإنما الذي يصح من معتقدهم فيه أنهم يقولون: لابد من الانقياد للشرع في تكاليفه على التفصيل الذي يفصله الإمام، من غير متابعة الشافعي وأبي حنيفة وغيرهما، وأن ذلك واجب على الخلق والمستجيبين إلى أن ينالوا رتبة الكمال في العلوم، فإذا أحاطوا من جهة الإمام بحقائق الأمور واطَّلعوا على بواطن هذه الظواهر انحلَّت عنهم القيود وانحطَّت عنهم التكاليف العمليَّة، فإن المقصود من أعمال الجوارح تنبيه القلب لينهض لطلب العلم، فإذا ناله استعدَّ للسعادة القصوى فيسقط عنه تكليف الجوارح..»[9].

الهوامش:

 

[1] الفرق والمذاهب الإسلامية منذ البدايات-النشأة-التاريخ-العقيدة-التوزيع الجغرافي:سعد رستم- أنوار للنشر والتوزيع-الدارالبيضاء-الطبعة الأولى/2008- ص: 281.
[2] دراسة عن الفرق في تاريخ المسلمين(الخوارج والشيعة):الأستاذ أحمد محمد أحمد جلي- مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية-الرياض- الطبعة الثالثة/2008- ص:303-304-305
[3] الفرق والمذاهب:سعد رستم- ص:281-282
[4-5-6] دراسة عن الفرق: أحمد جلي- ص: 327، والفرق والمذاهب الإسلامية لسعد رستم- ص:281-282 وانظر كذلك:طائفة الإسماعيلية:تاريخها نظمها عقائدها:محمد كامل حسين–الناشر:مكتبة النهضة المصرية-الطبعة الأولى/1959 -ص:22
[7]الملل والنحل:أبو الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني-دار ابن حزم/بيروت-الطبعة الأولى/2005-ص:128
[8] دراسة عن الفرق:أحمد جلي-ص:311-312- 313 وانظر:الملل والنحل-ص128-فضائح الباطنية:أبو حامد الغزالي-ص:23 فما فوق-نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام:سامي النشار-دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة-القاهرة-الطبعة الأولى/2008-ج2-ص:1002 فما فوق][9] فضائح الباطنية وفضائل المستظهرية لأبي حامد الغزالي- قدم له وضبطه وصححه: عبد الكريم سامي الجندي- دار الكتب العلمية-لبنان-الطبعة الأولى/2002- ص:23-24-25-26

 

 

 

 

 

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق