مركز الإمام أبي عمرو الداني للدراسات والبحوث القرائية المتخصصةدراسات عامة

عيد الأضحى والقيم السامية

الحمد لله الذي خلق فسوى بقدرته، وقدر فهدى بمقتضى حكمته ورحمته، واصطفى بفضله أوقاتا وأمكنة وأجناسا على أوقات وأماكن وأجناس وأنواع، وأمد الأفضل والفاضل والمفضول بمدده، واختص لواسع علمه آدم وذريته خليفة على أرضه، وأمدهم بالإرادة ووسائل الإدراك السمع والبصر والأفئدة لعلهم يتقون، وسخر لهم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه لعلهم يشكرون، وأتم نعمته عليهم بوحي السماء وخبر الأنبياء لعلهم يذكرون، وأسبل المنة بالرحمة المهداة خاتمة الأنبياء والرسل لعلهم يرشدون، والصلاة والسلام على المزكى في الأرض والسماء، والمطهر من كل الأدواء، وعلى الآل والصحب والتابعين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين

 وبعد فالأضحى عيدنا السنوي الأكبر الذي أُمرنا بالاحتفاء به، ونُدبنا إلى تسويده وتفخيمه، قال صلى الله عليه وسلم:﴿أعظم الأيام عند الله يوم النحر ثم يوم القر﴾ ذلك أنه يوم الحج الأكبر، ليلته من شأنها ليلة الاعتراف بعرفة، والازدلافِ بمزدلفة، ويومُه من شأنه يوم البراءة من كل شر برمي العقبة الكبرى، والتخلص من كل الأدران تطهرا وحلقا، والاستقراب بالقرابين نحرا وثجا، ولياذا بالحصن الحصين طوافا وسعيا، على تكبير وتهليل، وتسبيح وتمجيد، وشكر وصلاة، وعظة وإرشاد، من جموع الأمة، وفي كل أنحاء ربوعها شرقا وغربا، شمالا وجنوبا، في تواصل وتزاور، وتلاحم وتضامن، وتآخ وتوادد، وسواها من القربات التي تتناثر في أجزائه، وتتواتر في أكنافه، ولا تكاد تقع مجتمعة في غيره من الأيام: فسمت به تعظيما وتكبيرا، وسما بها ثوابا جزيلا:

وتلك أهم مقاصد هذا الموسم الكريم، وأسمى مراميه، وأطيب ثماره: مقاصد تاريخية اقتدائية، ودينية تعبدية، ونفسية اجتماعية:

تاريخية اقتدائية؛ لأنها شعيرة ضاربة في أعماق التاريخ، رابطة للصلة بالرسل والأنبياء، والصالحين والأولياء، والسائرين إلى الله الأصفياء، ممن أمرنا بالاقتداء بهم، والتأسي بهداهم وهديهم: ﴿أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾، ﴿لقد كان لكم فيهم إسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر﴾

ودينية تعبدية؛ لما مضى من كثرة مواقع الذكر في يومها، وتنوع الزُّلَف تعبدا ومناجاة في أثنائها، على ما فيها من تعظيم شعائر الله التي هي سيما المجتمع المسلم وخصيصته التي تشكل بنيته وقوامه، إذ تشابه الأفراد في الأعراف والتقاليد، والتماثل في الشعائر والقيم، ينمي الشعور بالانتماء للجماعة، كما يقوي رابطة الوحدة والاتحاد، فالتنادي بالعزوف عنها، ومحاولة إخماد جذوتها في الوعي الجمعي تناد بانتهاك خصائص هذا المجتمع، المفضي إلى ضرب بنيته، ومظاهر وحدته وتوحده، ولهذا السر كان تعظيم الشعائر والاحتفاءُ بها تقوى لله وتقربا إليه سبحانه، قال تعالى: ﴿ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب﴾،

ونفسية؛ لما  اشتملت عليه هذه الشعيرة من مظاهر سرور النفس واطمئنانها، وفرح القلوب وسكونها؛ لما فيها من قوة الاتصال بالله المفضي يقينا إلا كمال السعادة والهناء، والطمأنينة والرخاء، وذلك معنى قوله سبحانه لنبيه: ﴿ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين﴾ فالإنسان خلق هلوعا جزوعا، حريصا منوعا لا يتماسك في حال الرخاء، ولا يملك نفسه عند اشتداد الضراء، يتفطر قلبه خوفا من الشر قبل وقوعه، وينهار تحت وطأته بعد حدوثه، فلا هناء له في الحالتين، ولا قرار له في الصورتين مادام مقطوع الصلة بالله، فإذا ما وطد علاقته بربه، فأكثر من محامده، واتصل خاشعا ضارعا بملكوته، مناجيا ربه في سره وعلانيته، في بيته ومكتبه، في سوقه وبين أسرته، في حال نومه ويقظته، مراقبا خالقه في حَله وترحاله، ذاكرا له في كل تصرفاته، كان الله سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها: ﴿فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى﴾

وأما المقصد الاجتماعي؛ فلتأكيد التواصل والتزاور في أيام الفرح والسرور، وصلة ما أمر الله بصلته من الأرحام وذوي القربى؛ حفاظا على تماسك الأسرة ووحدتها، وصيانة لها من التفتت والاجتثات، ففي الأولى قوة للأمة والوطن، وفي الثانية ضعف لها ووهن؛ فالأسرة نواة المجتمع ومركزه، يتماسك بتماسكها، ويقوى بقوتها، ويتلاحم بصلابة لحمتها؛ ولهذا اشتق الله اسمها من اسمه فقال: “أنا الرحمن الرحيم، وإني شققت للرحم من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن نكثها نكثه”، ولذات السبب رغب في التواصل والتزاور فقال نبيه: “من سرهُ أن يبسط له في رزقه، ويُنسأ له في أجله فليصل رحمه”، ثم رهب في القطيعة والتدابر؛ فقال: “لا يدخل الجنة قاطع”  وقال: “إن أعمال بني آدم تعرض كل خميس ليلة الجمعة فلا يقبل عمل قاطع رحم”

كما حث التشريع في مثل هذه المواسم وسواها على قيم التضامن والتآزر، والتكافل والتراحم، فلا أجل من عمل تسديه إلى الغير، تخفف عنه حملا، وترفع به حزنا، وتسد به جوعا، أو تقضي له به حاجة من حوائج الدنيا، من مأكل ومشرب، وملبس ومسكن، ودارسة أو تطبيب، أو سواها من أعمال الخير التي تبني المجتمع، وتقوي آصرته، وتسهم في نمائه وتنميته، فلا غضاضة أن كانت أعمال الخير أفضل الأعمال عند الله، ولا عجب أن كان صاحبها أحب إلى الله وأقرب إليه سبحانه، قال صلى الله عليه وسلم: ﴿خير الناس أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربةً أو تقضى عنه دينًا أو تطرد عنه جوعًا﴾ وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أفضل؟ قال: ﴿إدخالك السرور على مؤمن أشبعت جوعته، أو سترت عورته، أو قضيت له حاجة﴾ وهذا إمامنا مالك رحمه الله سئل أي الأعمال أحب إليك؟ فقال: “إدخال السرور على المسلمين، وأنا نذرت نفسي أن أفرج كربات المسلمين” إدراكا منه رحمه الله لأهمية قيم التضامن والتعاون في المجتمع، الذي هو كالبنيان يشد بعضه بعضا، ويستر بعضه بعضا، ويرحم بعضه بعضا، في تآلف دون تنافر، وتآخ دون عداء؛ ولهذه الحكمة كانت الابتسامة صدقة، وإلقاء السلام صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، فما بالكم بقضاء حوائج الناس وإسعادهم، وإدخال السرور عليهم وعلى ذويهم، قال صلى الله عليه وسلم: ﴿من أدخل على أهل بيت من المسلمين سرورًا، لم يرضَ الله له ثوابًا دون الجنة﴾، قال تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان﴾ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

Science

د. عبد الهادي السلي

  • باحث بمركز الإمام أبي عمرو الداني للدراسات والبحوث القرائية المتخصصة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق