مركز ابن القطان للدراسات والأبحاث في الحديث الشريف والسيرة العطرةدراسات عامة

علم الرجال وعلاقته بعلم الحديث النبوي

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أصدق الخلق لسانا، وأثبتهم جنانا، وأرضاهم مكانا، وعلى آله وأصحابه أجمعين وبعد:

كان ظهور علم الرجال نتيجة لتطور استعمال الإسناد وانتشاره وكثرة السؤال عنه، وكلما تباعد الزمن كثرت الوسائط في الأسانيد وطالت، فاحتيج إلى بيان أحوال تلك الوسائط، لاسيما بعد ظهور البدع، لذلك نشأ علم الرجال، وقد بيَّن الإمام المحدث علي بن المديني أهميته بقوله فيما روى البخاري عنه: «التفقه في معاني الحديث نصف العلم، ومعرفة الرجال نصف العلم»([1])، هذا وقد أطلق بعض المؤلفين على كتبهم في الرجال اسم: «التاريخ»، منذ زمن مبكر يرجع ذلك إلى النصف الثاني من القرن الثاني الهجري، حيث أطلقه الليث بن سعد (175هـ) على كتابه([2])،وعبد الله بن المبارك (181هـ)([3])،وعلي بن المديني (233هـ)([4])، والبخاري (256هـ) على بعض مصنفاته([5])، وابن أبي خيثمة (279هـ) على كتابه([6])، ثم تابعهم على ذلك بعض المؤلفين الآخرين الذين جاءوا بعدهم.

وقد بلغت الدقة والضبط عند المحدثين أن كتبوا في جميع أنواع الرجال، ونهجوا في ترتيب مواد هذا العلم مناهج عدة، فمنهم من اقتصر على التعريف بالصحابة، وهي كتب معرفة الصحابة، ومنهم من اهتم بالتأليف في الصحابة والتابعين ومن تلاهم وهذه هي كتب الطبقات، ومنهم من اهتم ببيان درجة توثيق الرجال، أو تضعيفهم، وتوضيح مكانتهم من العلم، وعلاقتهم بشيوخهم، وتلاميذهم مما يبين الاتصال والانقطاع في الأسانيد،وهذه هي كتب الجرح والتعديل التي تنوعت أيضا؛ إذ اقتصر بعضهم على الثقات، بينما جمع بعضهم الضعفاء فقط، في حين جمع بينهما آخرون، ومنهم من اهتم بمسألة ضبط الأسماء والكنى والأنساب، وهذه هي كتب المؤتلف والمختلف، والمفترق والمشتبه من الأسماء والكنى والأنساب.

ومما سبق يلاحظ أن السبب في نشأة  علم الرجال، هو علم الحديث؛ لاسيما وأنها الأداة التي يُعرف بواسطتها صحة السند وضعفه، وقد أجمل الدكتور أكرم ضياء العمري أهمية هذه الكتب فيما يلي:

1-التعريف بالحياة الثقافية للمدن والأقطار التي تناولت تراجم علمائها، وهذه المعلومات قد تسد بعض الفجوات في المادة التي تقدمها الكتب التأريخية.

2-تظهر أهميتها كذلك في نوع من الدراسات التأريخية، التي ظهرت حديثا وهي ما يسمى: بعلم تأريخ التأريخ؛ الذي يتعرض لدراسة الأصول التي استقى منها المؤرخون مادتهم ونقد هذه الأصول؛ حيث تقدم كتب الرجال معلومات لها أهمية بالغة في التعريف برواة الأخبار، وبيان أحوالهم وعقائدهم وأخلاقهم، مما يلقي ضوءا على دوافعهم وأغراضهم.

3-ويظهر أثر علم الرجال كذلك على كتب التراجم من حيث الشكل والمحتوى، فالتنظيم على الطبقات، أو على حروف المعجم هما أساس ترتيب كتب التراجم، وقد لا يكون من المجازفة القول: إن كتب التراجم ليست إلا تقليدا لكتب الرجال، مع توسيع النطاق بإدخال تراجم لا علاقة لها برواة الحديث.

4-كما يظهر هذا التأثير أيضا في بعض كتب التأريخ العام التي اهتمت بالتراجم كثيرا، مثل كتاب المنتظم لابن الجوزي، وكتاب البداية والنهاية لابن كثير، وتاريخ الإسلام للذهبي([7]).

   هذا ما تيسر لي ذكره في هذا الموضوع باختصار ، والله تعالى أسأل أن يتقبل مني هذا الجهد المتواضع، وأن ينفع به إنه مجيب.

والحمد لله رب العالمين

لائحة المراجع المعتمدة:

بحوث في تاريخ السنة المشرفة . أكرم ضياء العمري. الناشر: مكتبة العلوم والحكم المدينة المنورة. ط5/ 1405-1984.

الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع.البغدادي: أحمد بن علي بن ثابت. تحقيق: د/ محمود الطحان. مكتبة المعارف الرياض. ط 1403-1983.

الفهرست. ابن النديم. دار المعرفة بيروت لبنان. 1398 – 1978.

المحدث الفاصل بين الراوي والواعي. الحسن بن عبد الرحمن الرامهرمزي. قدم له وحققه وخرج أخباره وعلق عليه ووضع فهارسه: د محمد عجاج الخطيب. دار الفكر بيروت. ط3/ 1404-1984.

([1]) المحدث الفاصل (ص: 320).

([2]) ذكره ابن النديم في فهرسته (ص: 281).

([3]) ذكره ابن النديم في فهرسته (ص: 319).

([4]) ذكره البغدادي في الجامع لأخلاق الراوي (2 /302).

([5]) وهي التاريخ الكبير والأوسط والصغير وهي مطبوعة.

([6]) وهو التاريخ الكبير وهو مطبوع.

([7]) بحوث في تاريخ السنة المشرفة (ص: 272-273).

اظهر المزيد

دة. خديجة أبوري

  • أستاذة باحثة مؤهلة بمركز ابن القطان للدراسات والأبحاث في الحديث الشريف والسيرة العطرة بالعرائش، التابع للرابطة المحمدية للعلماء.
  • حاصلة على شهادة: الدكتوراه في الآداب شعبة الدراسات الإسلامية، وحدة المناهج العلمية في دراسة السيرة النبوية كلية الآداب والعلوم الإنسانية أكادير سنة (2012)  من خلال العنوان: مرويات السيرة النبوية في المعاجم الثلاثة لأبي القاسم الطبراني (360) – من مولد الحبيب – ﷺ حتى نهاية حادث الإسراء والمعراج – “جمع وتوثيق ودراسة”.
  • اشتغلت في مجال الوعظ والإرشاد لفائدة النساء بتنسيق مع المجلس العلمي المحلي بمدينة أكادير (سابقا).

من أعمالها العلمية:   

  • كتاب: خير البشر بخير البشر – ﷺ- لابن ظفر الصقلي (ت 567 هـ) بالاشتراك مع الباحثة لطيفة شوكري. طبع بالرابطة المحمدية للعلماء بالرباط سنة 2008 م.
  • مجموع مقالات في علم الحديث النبوي والسيرة العطرة؛ وهي منشورة بموقع المركز.
  • تحقيقات ومقالات في طور النشر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق