مركز أبي الحسن الأشعري للدراسات والبحوت العقديةشذور

عقيدة مباركة في معنى “لا إله إلاّ الله” للإمام أبي محمد عبد الله بن محمد الهبطي

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وسلم تسليما، عقيدة مباركة في معنى لا إله إلا الله.
وفقنا الله وإياك.
إن لا إله إلا الله هو خبر الله، جاءنا بهذا الخبر رسول الله من عند الله، فأخبرنا بهذه الكلمة أنه هو الإله الحق وحده، وأنه الواجب الوجود وحده، وأن غير الله ما هو إله بالحق، وما هو معبود بالحق؛ ولا هو غني عما سواه مفتقر إليه ما عداه، ولا هو خالق، ولا هو واجب الوجود، فإذا فهمت هذا ظهر لك أن هذه الكلمة التي هي لا إله إلا الله هي خبر الله، وأن الله أخبرنا أن الإله الذي يخلق كما يخلق الله، ويرزق كما يرزق الله ويحيي كما يحيي الله، ويميت كما يميت الله، ويتصرف في الملك مع الله كما يتصرف الله، ويمسك الأرض والسماء والعرش والكرسي، كما يمسكهن الله، ويفعل ما يشاء كما يفعل الله، ويترك ما يشاء كما يتركه الله، معدوم ما هو معي، ولا قط كان معي، ولا هو الآن معي، ولا يكون قط معي، هذا خبر الله، فمن فهمه وصدق به كيف يقول: المعبودات الباطلة هي المنفية بلا إله إلا الله؟ ! ما يقول هذا بعد أن تبين له الحق، إلا جاحد منكر للحس؟ ! ويلزمه الكذب على لا إله إلا الله التي هي خبر الله، والله يخبر بها عن نفي الإله الحق أنه ما هو معه بل هو معدوم مستحيل ما نفى، والجهال يعودون خبر الله، ويقولون: الآلهة الباطلة هي الحنفية بلا إله إلا الله، فعلى هذا القول يلزمهم الكذب الذي لا شك فيه، وهو نفي الموجود، إذ الآلهة الباطلة موجودة شرعا وعقلا وحسا، مرئية بالأبصار في الدنيا والآخرة، فمن أخبر عنها أنها منفية فقد كذب وافترى وقال ما لم يقله عاقل البتة.
ومن أراد أن يصدق في خبره الذي جاء في لا إله إلا الله فلا يخبر عن الموجود بأنه منفي، بل يخبر عن الموجود أنه موجود، وعن المعدوم أنه معدوم، فيكون خبرا صادقا وحقا لمطابقته الواقع، إذ الواقع أن الآلهة الباطلة موجودة، فمن قال إن الآلهة الباطلة موجودة فقد وافق الواقع، ومن قال فيها أنها منفية فقد أخبر بالكذب ولم يوافق الواقع، ومن أخبر عن الإله الحق مع الله أنه معدوم منفي مستحيل، ما قط كان ولا هو الآن كائن ولا يكون قط، فقد صدق في خبره، ووافق خبر الواقع بحمد الله.
فإذا فهمت هذا فنقول في معنى لا إله إلا الله: لا معبود في الوجود بالحق إلا الله، فالله سبحانه انفرد باسم الإله وحده، بحيث لم يشارك في اسم الإله الحق أحد غيره، وأن مثله الذي يكون إلها معدوم مستحيل، ما هو معه ولا يكون قط.
وبنفي الإله الحق غير الله تقع الوحدانية لله في الألوهية سبحانه، لا بنفي الأصنام أو غيرها من المعبودات الباطلة، فإن من نفاها لزمه الكذب، ولم تحصل الوحدانية لله سبحانه، لأنه ما تحصل له الوحدانية لله سبحانه إلا بنفي الإله مثله، الذي هو مستحيل الوجود، الذي ما قط كان، ولا هو الآن كائن، ولا يكون قط.
وكلمة لا إله إلا الله جاءت لإثبات الوحدانية لله بلا خلاف ولا ريب، فمن لم يفهمها على ما هي به، ولم يعرف لم جاءت، ولم يدع عن ما أخبرت، ولا ما أثبتت، ولا ما نفت، فقد خسر خسرانا مبينا في الدنيا والآخرة.
وأما معنى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاعلم أن الله سبحانه لا إله إلا هو خلق الخلق وحده، فاستحق أن يعبدوه بما يأمرهم به أو ينهاهم عن أمور التكليف وحده، فتفضل سبحانه على عباده بأن فضل ما شاء منهم على غيره، وخصه من دون غيره، فأرسله إلى خلقه ليخبرهم بما أخبره الله في جميع الأحكام، لأنه محال أن يتوصلوا إلى كيفية العبادة من غير أن يخبرهم مخبر عنها. فجعل الله ذلك المخبر من جنسهم، يأكل ويشرب ويتزوج ويبيع ويشتري، رحمة لهم، لكي لا ينفر منهم، ولا ينكروه، ويحصل لهم الانتفاع به في جميع ما يخبرهم به، وإلا فلو كان من غير جنسهم لم يألفوا إليه أصلا، ولا يحصل لهم به انتفاع البتة.
ثم إن هذا الرسول المختار من جميع الخلق، المفضل على جميع الخلق، الذي هو محمد بن عبد الله، لما أرسل الله له الملك جبريل بكلامه الحق، الذي يستحيل فيه الكذب والخيانة وعليه، وأخبره بكلامه عن جميع الأحكام من الحلال والحرام والمكروه والمندوب والمباح. وأمره أمرا لازما أن يخبر عباد الله بهذا الخبر، بحيث إذا لم يخبرهم كان خائنا، فأخبرهم بما أخبره به الله.
فأول ذلك لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال لهم في معنى، هذا الخبر: الله إله بالحق وحده، لا يستحق العبادة أحد سواه، وأنه هو رسول الله إليهم ولجميع الإنس والجن، وجاءهم بكلام الله، وبه كان يأمرهم وينهاهم من غير أن ينقص منه أو يزيد فيه، فصدق به من صدق وهو المؤمن، وكذب به من كذب وهو الكافر.
فرسول الله اسمه محمد بن عبد الله، وأبوه عبد الله، وأمه اسمها آمنة. خلق وولد في قرية اسمها مكة، وفيها الكعبة التي أمرنا الله بالتوجه إليها في الصلاة، وجعلها قبلة المؤمنين. فبقي صلى الله عليه وسلم في مكة أربعين سنة، ثم أنزل الله عليه الملك جبريل عليه السلام بالقرآن الذي أوله الحمد لله رب العالمين إلى آخره. فبقي في مكة بعد أن أرسله الله عشر سنين، ثم هاجر إلى بلدة أخرى يقال لها المدينة، فبقي فيها صلى الله عليه وسلم عشر سنين أخرى. فمات على رأس ستين سنة، فدفن في بلدة المدينة، وهو اليوم فيها حتى يبعثه الله من قبره صلى الله عليه وسلم.

انتهت العقيدة المباركة بحمد الله وحسن وعونه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم تسليما.

 

 

ــــــــــــ

(*) نشرت ضمن رسائل التوحيد والهيللة، تأليف للإمام أبي محمد عبد الله بن محمد الهبطي المعروف بالهبطي الكبير المتوفى عام (963هـ/1955م)، تحقيق الدكتور خالد زهري، دار الكتب العلمية بيروت لبنان، الطبعة الأولى، 1432هـ/2002م. (ص:71-74).

 

                                                       إعداد الباحث: يوسف الحزيمري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق