مركز أبي الحسن الأشعري للدراسات والبحوت العقديةدراسات عامة

شهادة الأعلام على الأشاعرة الكرام

لقد دأب العلماء عبر العصور، أن يترجموا للأعلام الكبار في تخصصات شتى، وفنون متنوعة، لاسيما إن تعلق الشأن بعلم العقائد الذي عرف جهابذة كثرا، في جمع الآراء الكلامية واستنباط المسائل منها، وقبول حسنها ورفض قبيحها، والرد على ذوي البدع والرأي المخترع، أصحاب الأهواء الضالة الذين تصدى لهم علماء الأشاعرة، دفاعا عن حياض العقيدة، من كل دخيل يعكر صفو صفائها، أو يسير بالناس إلى سبل تفرقهم عن سبيل الله تعالى.
وانطلاقا من ذلك تبرز لنا أهمية مدح هؤلاء الأعلام، والثناء عليهم، لتزول الغشاوة عن مستفسر أحوالهم وحياتهم،  وأنهم كانوا بحق منارة للعلم والعمل، لهذا نورد بعض أقوال العلماء فيهم وهي:
قال الحافظ أبو بكر البيهقي(ت458هـ) رحمه الله تعالى: وهو من الطبقة الثالثة من أتباع الإمام الأشعري: “…إلى أن بلغت النوبة إلى شيخنا أبي الحسن الأشعري رحمه الله فلم يحدث في دين الله حدثا، ولم يأت فيه ببدعة، بل أخذ أقاويل الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة في أصول الدين فنصـرها بزيادة شرح وتبيين، وأن ما قالوا وجاء به الشرع في الأصول صحيح في العقول، بخلاف ما زعم أهل الأهواء من أن بعضه لا يستقيم في الآراء، فكان في بيانه تقوية ما لم يدل عليه من أهل السنة والجماعة، ونصرة أقاويل من مضى من الأئمة كأبي حنيفة وسفيان الثوري من أهل الكوفة، والأوزاعي وغيره من أهل الشام، ومالك والشافعي من أهل الحرمين …..”[1].
وقال الإمام القاضي عياض المالكي(ت544هـ) رحمه الله تعالى، عن الإمام الأشعري ومذهبه:” صنف لأهل السنة التصانيف، وأقام الحجج على إثبات السنة، وما نفاه أهل البدع من صفات الله تعالى ورؤيته، وقدم كلامه وقدرته قال: تعلق بكتبه أهل السنة، وأخذوا عنه، ودرسوا عليه، وتفقهوا في طريقه، وكثر طلبته وأتباعه، لتعلم تلك الطرق في الذب عن السنة، وبسط الحجج والأدلة في نصر الملة، فسموا باسمه فعرفوا بذلك ـ أي الأشاعرة ـ ….فأهل السنة من أهل المشرق والمغرب، بحججه يحتجون وعلى مناهجه يذهبون، وقد أثنى عليه غير واحد منهم، وأثنوا على مذهبه وطريقه”[2].
وقال الحافظ ابن عساكر(ت 571هـ)رحمه الله تعالى: “وهم ـ يعني الأشاعرة ـ المتمسكون بالكتاب والسنة، التاركون للأسباب الجالبة للفتنة، الصابرون على دينهم عند الابتلاء والمحنة، الظاهرون على عدوهم مع اطراح الانتصار والإحنة، لا يتركون التمسك بالقرآن والحجج الأثرية، ولا يسلكون في المعقولات مسالك المعطلة القدرية، لكنهم يجمعون في مسائل الأصول بين الأدلة السمعية وبراهين العقول، ويتجنبون إفراط المعتزلة ويتنكبون طرق المعطلة، ويطرحون تفريط المجسمة المشبهة، ويفضحون بالبراهين عقائد الفرق المموهة، وينكرون مذاهب الجهمية وينفرون عن الكرامية والسالمية، ويبطلون مقالات القدرية ويرذلون شبه الجبرية….فمذهبهم أوسط المذاهب، ومشـربهم أعذب المشارب، ومنصبهم أكرم المناصب، ورتبتهم أعظم المراتب فلا يؤثر فيهم قدح قادح، ولا يظهر فيهم جرح جارح”[3].
ـ وقال الإمام تاج الدين السبكي(ت771هـ) رحمه الله تعالى: “وهؤلاء الحنفية والشافعية والمالكية وفضلاء الحنابلة في العقائد يد واحدة كلهم على رأي أهل السنة والجماعة يدينون لله تعالى بطريق شيخ السنة أبي الحسن الأشعري رحمه الله…. وبالجملة: عقيدة الأشعري هي ما تضمنته عقيدة أبي جعفر الطحاوي التي تلقاها علماء المذاهب بالقبول، ورضوها  عقيدة”[4].
ويقول أيضا:” اعلم أن أبا الحسن لم يبدع رأيا ولم ينشئ مذهبا، وإنما هو مقرر لمذاهب السلف، مناضل عما كانت عليه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالا نتساب إليه إنما هو باعتبار انه عقد على طريق السلف نطاقا وتمسك به وأقام الحجج والبراهين عليه فصار المقتدي به في ذلك السالك سبيله في الدلائل يسمى أشعريا)[5].
وقال الإمام القاضي ابن فرحون المالكي(ت799هـ) عن أبي الحسن رحمه الله تعالى: “صنف في ذلك التصانيف المبسوطة التي نفع الله بها الأمة، وناظر المعتزلة وظهر عليهم،…ولأبي الحسن من التآليف المشهورة كتب كثيرة جدا عليها معول أهل السنة ككتاب الموجز وكتاب التوحيد والقدر وكتاب الأصول الكبير وكتاب خلق الأفعال الكبير وكتاب الصفات ….ومقالات الإسلاميين والمقالات الكبيرة ونقض كتاب التاج وكتاب النبوات وكتاب اللمع الصغير وكتاب الشرح والتفصيل وكتاب الإبانة في أصول الديانة وله الكتاب المسمى بالمختزن في علوم القرآن كتاب عظيم جداً بلغ فيه سورة الكهف وقد انتهى مائة جزء وقيل أنه أكثر من هذا، ومن وقف على تآليفه رأى أن الله تعالى أيده بتوفيقه”[6].
وقال الإمام المحقق جلال الدين المحلي(ت864هـ) رحمه الله تعالى: شارحا لكلام الإمام التاج السبكي: ” ونرى أن أبا الحسن علي بن إسماعيل الأشعري وهو من ذرية أبي موسى الأشعري الصحابي إمام في السنة أي الطريقة المعتقدة مقدم فيها على غيره … ولا التفات لمن تكلم فيه بما هو بريء منه”[7].
والأشعري كما قال الإمام الزركشي في تشنيف المسامع[8]: ” لا التفات لما نسبه إليه الكرامية والحشوية، فالقوم أعداء له وخصوم، وهو إما مفتعل، أو لم يفهموا مراده، وقد بين ذلك ابن عساكر في كتابه تبيين كذب المفتري فيما نسب للأشعري”.
وقال الإمام المرتضى الزبيدي(ت1205هـ) رحمه الله تعالى: “وليعلم أن كلا من الإمامين أبي الحسن وأبي منصور  ـ رضي الله عنهما ـ وجزاهما عن الإسلام خيرا لم يبدعا من عندهما رأيا ولم يشتقا مذهبا إنما هما مقرران لمذاهب السلف مناضلان عما كانت عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم… وناظر كل منهما ذوي البدع والضلالات حتى انقطعوا وولوا منهزمين”[9].
ـ وقال الإمام المحقق ابن عابدين الحنفي(ت1252هـ) رحمه الله تعالى ما نصه: قوله: “(عن معتقدنا) أي عما نعتقده من غير المسائل الفرعية مما يجب اعتقاده على كل مكلف بلا تقليد لأحد، وهو ما عليه أهل السنة والجماعة وهم الأشاعرة والماتريدية، وهم متوافقون إلا في مسائل يسيرة أرجعها بعضهم إلى الخلاف اللفظي كما بين في محله”[10].
من خلال ما تقدم من أقوال، يتبين لنا أن الأشاعرة على رأي أهل السنة والجماعة، وأنهم يدينون لله تعالى بما كان عليه الشيخ الأشعري رحمه الله، حتى عد مذهبهم هذا من أوسط المذاهب التي ينهل منها الطلاب، والذي يؤكد ذلك ثناء العلماء عليهم، والتآليف التي جاءت على غرار ما أنتجوه من أعمال، ويبقى الرأي الذي استخلصناه، هو كثرة ما وقفنا عليه من شهادات كبار علماء الأمة في التفسير والحديث واللغة وغيرها، دليل على المنزلة والمكانة التي كان يتمتع بها علماء الأشاعرة، أما عن الردود التي لمزهم بها البعض، قد تكون موافقة لهم في بعض آرائهم، أو مغرضة همها التشنيع بهم فقط، أو تخرج عن مستوى الإنصاف، فينبغي معرفة أنه لا يخلو عمل إنسان من نقص، ولا يتأتى وجود اجتهاد بدون إصابة أو خطأ، فالأجدر أن نحسن الظن بعلمائنا، إذ نقلوا لنا كل ما توصلوا إليه من علم بكل أمانة ووفاء.

 

الهوامش:

[1] ـ الطبقات الكبرى للتاج السبكي، دار النشر: هجر للطباعة والنشر والتوزيع 1413هـ، الطبعة : الثانية، تحقيق : د. محمود محمد الطناحي، د. عبد الفتاح محمد الحلو 3/397.
[2] ـ  ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك، تأليف: القاضي عياض السبتي، تحقيق: الدكتور علي عمر،  دار الأمان ـ الرباط/ الناشر: مكتبة الثقافة الدينية، الطبعة الأولى/2009، ج2، ص:524/525/526.
[3] ـ  تبيين كذب المفتري، علي بن الحسن بن هبة الله بن عساكر الدمشقي، الناشر: دار الكتاب العربي ـ بيروت، الطبعة الثالثة، 1404م، ص 398.
[4] ـ معيد النعم ومبيد النقم، تحقيق محمد علي النجار، أبو زيد شلبي، ومحمد بو العيون، الطبعة الثانية 1413هـ/1993م، الناشر مكتبة الخانجي بالقاهرة، ص75.
[5] ـ الطبقات ( 3/365).
[6] ـ الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب، إبراهيم بن علي بن محمد، ابن فرحون، برهان الدين اليعمري (المتوفى: 799هـ)، تحقيق وتعليق: الدكتور محمد الأحمدي أبو النور، الناشر: دار التراث للطبع والنشر، القاهرة ص 194 ـ 195.
[7] ـ البدر الطالع في حل جمع الجوامع، لجلال الدين المحلي، شرح وتحقيق: أبي الفداء مرتضى علي بن محمد المحمدي الداغستاني، مؤسسة الرسالة ناشرون، ج2/452
[8] ـ تشنيف المسامع بجمع الجوامع لتاج الدين السبكي، تأليف الزركشي، تحقيق أبي عمرو الحسيني بن عمر بن عبد الرحيم، دار الكتب العلمية بيروت ـ لبنان،  ج2/355.
[9] ـ اتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين، للعلامة السيد محمد بن محمد الحسيني الزبيدي الشهير بمرتضى، مؤسسة التاريخ العربي، بيروت ـ لبنان،  1414هـ/1994م. ج 2ص7.
[10] ـ حاشية ابن عابدين: ج1/52.

 

المصادر:

ـ الطبقات الكبرى للتاج السبكي، تحقيق : د. محمود محمد الطناحي، د. عبد الفتاح محمد الحلو، دار النشر: هجر للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة : الثانية، 1413هـ.
ـ  ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك، تأليف: القاضي عياض السبتي، تحقيق: الدكتور علي عمر،  دار الأمان ـ الرباط/ الناشر: مكتبة الثقافة الدينية، الطبعة الأولى/2009م.
ـ تبيين كذب المفتري، علي بن الحسن بن هبة الله بن عساكر الدمشقي، الناشر: دار الكتاب العربي ـ بيروت، الطبعة الثالثة، 1404م.
ـ معيد النعم ومبيد النقم، تحقيق محمد علي النجار، أبو زيد شلبي، ومحمد بو العيونّ، الناشر مكتبة الخانجي بالقاهرة، الطبعة الثانية 1413هـ/1993م.
ـ الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب، إبراهيم بن علي بن محمد، ابن فرحون، برهان الدين اليعمري (المتوفى: 799هـ)، تحقيق وتعليق: الدكتور محمد الأحمدي أبو النور، الناشر: دار التراث للطبع والنشر، القاهرة.
ـ البدر الطالع في حل جمع الجوامع، لجلال الدين المحلي، شرح وتحقيق: أبي الفداء مرتضى علي بن محمد المحمدي الداغستاني، مؤسسة الرسالة ناشرون.
ـ اتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين، للعلامة السيد محمد بن محمد الحسيني الزبيدي الشهير بمرتضى، مؤسسة التاريخ العربي، بيروت ـ لبنان،  1414هـ/1994م.
ـ تشنيف المسامع بجمع الجوامع لتاج الدين السبكي، تأليف الزركشي، تحقيق أبي عمرو الحسيني بن عمر بن عبد الرحيم، دار الكتب العلمية بيروت ـ لبنان.
ـ حاشية رد المحتار على الدر المختار شرح تنوير الابصار في فقه مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان، ابن عابدين، دار الفكر بيروت ـ لبنان دار الفكر 1415 هـ / 1995 م.

 

                                                                           إعداد الباحث: عبدالله بلحاج

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. الحمدلله حمدا موافيا لنعمه ومكافئا لمزيده ثم الصلاة والسلام على سيدنا محمد بن عبد الله رسول الله الناصر السابق الهادى إلى الصراط المستقيم وعلى آله حق قدره ومقداره وصحبه ومن تبع دعوته وسار على سنته واتباع ملته إلى يوم الدين وجزاكم الله خيرا…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق