مركز الدراسات والبحوث في القضايا النسائية في الإسلامدراسات وأبحاثدراسات عامة

شكوى فاطمة والعلاج النبوي الحكيم – الجزء 1/2 –

فاطمة بوسلامة

أستاذة بمؤسسة دار الحديث الحسنية

 

 

 

لا تخفى أهمية القانون في تنظيم حياة الأفراد، وإحلال نوع من التوازن الذي يحتاجه المجتمع في سيره نحو ما يطمح إليه من استقرار وسعادة، غير أن القانون لا يمكن الاتكاء عليه وحده في حل المشاكل وإصلاح الأمور وتحقيق الآمال:

فهذا القانون مهما كان جيدا ومحكما، فإن إعماله في ظروف غير مناسبة وغير مشجعة يؤثر سلبا على جودته وإحكامه إن لم نقل يفقده بالمرة هذه الجودة والإحكام.

والقانون مهما كان صارما ودقيقا فهو يتيح فراغات كبيرة للإفلات منه والتحايل عليه، فالرسول صلى الله عليه وسلم وهو أعدل العادلين يقول: ( إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي فلعل بعضكم ألحن في حجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذن منه شيئا فإنما أقطع له قطعة من النار)[1].

وما أكثر ما نسمع و نرى حقوقا تضيع باسم القانون، فلعل هذا الطرف ألحن بحجته من هذا الطرف، ولعل..ولعل…

إذا كان هذا شأن أي قانون فما بالك بقانون الأسرة وهو القانون الأهم في حياة الفرد والمجتمع لارتباطه الكامل بالحياة الخاصة للإنسان سواء في علاقته مع زوجه أو في علاقته مع أهله وأسرته.

لقد أجمع الغيورون على الشأن الأسري في المغرب وبخاصة بعد تجديد النظر في قانون الأسرة والاستجابة لمطالب التعديل أن مشاكلنا الأسرية لا يحلها القانون وحده، وتم الحديث عن ضرورة تفعيل مدونة الأخلاق أو مدونة القيم، كما تم التنبيه على ضرورة الرجوع إلى تراثنا وثقافتنا وما يوفره ديننا وتزخر به حضارتنا من قيم نبيلة مثل التكافل والتعاون والمودة والرحمة والعفو والتجاوز وما إلى ذلك، وقد أشارت الأستاذة الفاضلة زهور الحر، عضو اللجنة الملكية لتعديل مدونة الأحوال الشخصية، في حوار لها مع جريدة وطنية إلى أن آباءنا عاشوا بدون المشاكل التي نراها مع الأسف اليوم كثيرة لأن الوازع الديني والأخلاقي لديهم كان قويا وكانت تربية ” المسيد” تؤتي نتائجها.

والذي يلاحظ أحكام الشريعة في هذا المجال يجد أن هذه الأحكام قد صيغت في قالب من العقيدة والإيمان والطهر والخلق والجمال: فالله تعالى عندما بين حكم الرفث إلى النساء ليلة الصيام قال: ( هن لباس لكم وأنتم لباس لهن )[2]، ولاحظ ما تحمله كلمة اللباس من معاني القرب والستر والزينة.

وعندما بين الله تعالى حكم خطبة وزواج المعتدة من وفاة زوجها قال تعالى: ( واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه )[3].أي لا مجال للتحايل في هذا الأمر فالله يعلم السر وأخفى.

وعندما خاطب سبحانه الأزواج مبينا بعض ما يستحقونه في حالة الطلاق قبل البناء قال عز وجل بعدها:( إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير)[4]، ففي مقام الفرقة وقسمة المستحقات يحيلنا سبحانه على قيم العفو والفضل حتى لا يكون هذا الطلاق سببا في كراهية متبادلة وخصومة دائمة بين الطرفين، وحتى لا يكون هذا الطلاق مجالا للظلم، وحتى يكون من يعفو منهما ويعطي الآخر ما لا يلزمه هو الأقرب للتقوى.

الأمثلة كثيرة لمن أراد تتبع أحكام الأسرة في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة فلا أطيل إذ المقصود أننا نمتلك رصيدا ضخما من القيم الكفيلة بإسعادنا سواء حال قيام الأسرة أو قبل قيامها.

وأختار ههنا موقفا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنطلق منه لاستخلاص جملة من المعاني الإسلامية السامية التي ينبغي أن نعيش بها داخل أسرنا، ونسعى إلى تثبيتها ونشرها في مجتمعنا باعتبارها الحل الأمثل لمشاكلنا والعلاج الشافي لهمومنا.

حكاية هذا الموقف يرويها الإمام البخاري ـ وغيره بألفاظ متقاربة ـ عن علي كرم الله وجهه:” أن فاطمة عليها السلام أتت النبي صلى الله عليه وسلم تشكو إليه ما تلقى في يدها من الرحى ـ أي ما تلقى في يدها من أثر الرحى وبمعنى آخر تشكو إليه عبء الأعمال المنزلية ـ  وبلغها أنه جاءه رقيق ـ فهي أتت عندما سمعت أن الرسول صلى الله عليه وسلم جاءه رقيق،  والرقيق يقومون كما هو معلوم على خدمة أسيادهم ـ فلم تصادفه فذكرت ذلك لعائشة ـ أي أطلعتها على شكواها وأخبرتها بحاجتها إلى خادم ـ  فلما جاء ـ أي الرسول صلى الله عليه وسلم ـ أخبرته عائشة. قال ـ أي علي ـ فجاءنا وقد أخذنا مضاجعنا ـ أي جاء الرسول صلى الله عليه وسلم إلى بيت ابنته فاطمة عليها السلام في وقت يستعد فيه الزوجان للنوم ـ فذهبنا نقوم فقال على مكانكما ـ أي لا تقوما والزما مكانكما أو استمرا على ما أنتما عليه ـ فجاء ـ أي الرسول صلى الله عليه وسلم ـ فقعد بيني وبينها حتى وجدت ـ الكلام لعلي ـ برد قدميه على بطني ـ والمعنى أنه جلس في الوسط قريبا جدا منهما ـ فقال ـ أي الرسول صلى الله عليه وسلم: ألا أدلكما على خير مما سألتما إذا أخذتما مضاجعكما أو آويتما إلى فراشكما فسبحا ثلاثا وثلاثين واحمدا ثلاثا وثلاثين وكبرا أربعا وثلاثين فهو خير لكما من خادم[5].

فما هي المعاني التي يمكن استخلاصها من تفاصيل هذا الموقف ؟

أولا: الحياة في السابق بقدر ما كانت بسيطة بقدر ما كانت تنعدم فيها وسائل الراحة التي نعرفها اليوم: ففاطمة رضي الله عنها كما يحكي زوجها في رواية أخرى عن أبي داوود ما معناه أنها استعملت الرحى حتى أثرت في يدها، واستقت بالقربة حتى أثرت في عنقها وكنست البيت حتى أغبرت ثيابها، فليست المرأة المعاصرة وحدها من تتحمل كثرة الأعباء وتشكو ثقل المسؤولية إذ تعمل داخل البيت وتعمل خارجه وترعى الزوج وتربي الأطفال وما إلى ذلك مما يتطلب جهدا بدنيا ونفسيا، فالمرأة في عصر النبوة تشكو والمرأة اليوم تشكو والفرق بين الاثنتين أن الأولى أتت النبي صلى الله عليه وسلم تلتمس علاجا لشكواها واستمعت لإرشاداته وتوجيهاته، والثانية قد لا يأت ببالها أن تعرض مسألتها على الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد تلجأ إلى غيره لتطلب حلا لمشكلتها. وبالقطع لن تجد حلا يسعدها ويريحها في غير هدي الرسول الله صلى عليه وسلم.

ثانيا: الرسول صلى الله عليه وسلم لم ينتظر أن تأتيه فاطمة مرة أخرى، إذ لم يكن حاضرا حين جاءت إليه في المرة الأولى، بل ذهب هو إليها[6] واهتم الحبيب المصطفى بأمر شكواها بالرغم من أن هذا الأمر لا يبدو مهما بالنسبة لرجل عادي، فما بالك بقائد المسلمين وحامل هموم أمة بكاملها صلى الله عليه وسلم.

إن هذا الموقف منه صلى الله عليه وسلم يدل على اهتمامه الكبير بالمرأة وعنايته الفائقة بحل مشاكلها، فتثق هذه المرأة كل الثقة وتطمئن غاية الاطمئنان إلى من اختارته طبيبا معالجا لآلامها.

وكما أن هذه الثقة وهذا الاطمئنان شرط في حصول العلاج أي علاج، فكذلك الإيمان بشرع ربنا في مجال الأسرة وفي غيرها من المجالات، وأيضا اليقين بما فيه من رحمة وعدل وبما يحققه من مصلحة وسعادة شرط في حصول هذه السعادة، والآية واضحة في المعنى يقول ربنا عز وجل: ( قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يومنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد )[7].

ثالثا: تأمل تصرف الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يتقدم نحوهما بتواضع كبير إذ لم يسمح لهما بترك مكانهما والقيام إليه، ثم يجلس بينهما في فراشهما ويقترب من جسديهما حتى أن عليا كرم الله وجهه يجد برد قدميه عليه السلام على بطنه.

هذا بعض من لطفه عليه الصلاة والسلام ورقة تعامله مع أهله وأصحابه وعامة المسلمين من حوله:

ففي رواية للنسائي أن فاطمة كانت إذا دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم قام إليها وقبلها وأجلسها في مجلسه[8].

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدخل في الصلاة وهو يريد إطالتها ثم يسمع بكاء صبي فيتجوز في صلاته رفقا بأم هذا الصبي[9].

وشجع الرسول صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان رضي الله عنه على التخلف عن غزوة بدر الكبرى ليرعى زوجته المريضة، وقال له:” إن لك أجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه”[10].

وصور هذا النوع من التعامل عديدة في سيرته عليه الصلاة والسلام لمن شاء النظر إليها، وهي تعزز ما ذكرنا من عناصر الثقة والاطمئنان.

 


[1]– الموطأ/ الأقضية 1205.

[2] – البقرة:187.

[3] – البقرة:235.

[4] – البقرة:237.

[5] –  صحيح البخاري/ كتاب النفقات/ فضل النفقة على الأهل/ باب عمل المرأة في بيت زوجها.

[6] – قال ابن حجر في الفتح: واتفق غالب الرواة على أنه صلى الله عليه وسلم جاء إليهما [ كتاب الدعوات باب التكبير والتسبيح عند المنام]

[7] – فصلت: 43

[8] – سنن النسائي الكبرى/ مناقب فاطمة بنت محمد رضي الله عنها

[9] – انظر حديث أنس في صحيح مسلم باب أمر الأئمة بتخفيف الصلاة في تمام

[10] – صحيح البخاري/ باب إذا بعث الإمام رسولا في حاجة أو أمره

 

 

نشر بتاريخ: 08 / 09 / 2014

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق