وحدة المملكة المغربية علم وعمرانفنون وعمرانغير مصنف

زاوية تناغملت : نموذج أصيل للعمران الجبلي بالمغرب

بجماعة آيت تاكلا، على بعد ثلاث كيلومترات من شلالات أوزود  الشهيرة،  تقع زاوية تانغملت التي تنتظم حولها قرية رائعة بموقعها الطبيعي المميز وعمرانها الأمازيغي وتراثها الديني والحضاري العريق.

تأسست زاوية تانغملت خلال القرن السابع عشر الميلادي، بتاغمالت بأرض ھنتیفة من ھسكورة على يد الشيخ الفاضل أبو عمران موسى بن يعقوب البوكمازي (توفي عام 1067ھـ 1656م )، وهو تلميذ محمد الدادسي الواويزغتي عمدته، وتلميذ عبد الله بن حسین الأمغاري دفين تامصلوحت، و محمد الصغیر المنیار..

استقل الشيخ  بنفسه بعد موت شیخه  سیدي محمد الدادسي عام 1062ھـ/ 1652م، المعروف بسيدي محند أومحند دفين جوار قرية واويزغت، وهذا الأخير هو تلميذ العارف عبد الله بن حسون السلاوي ،وقد استفاد مع ذلك مما راكمه في حیاة الشیخ من تجربة وما خلقه من روابط علمية وتربوية مع المریدین؛ وقد اختار الشيخ المؤسس مكان الزاوية في وسط طبيعي بكر غني بالمياه التي تصل إلى جوار الزاوية والمسجد عبر ساقية تتوسط القرية.. وليس غريبا أن يكون الشيخ البوكمازي متأثرا بالرؤية العمرانية التي عاينها عند شيخه عبد الله بن حسين الأمغاري المعتمدة على ربط التربية الصوفية باستصلاح الأراضي وشق السواقي وغرس الأشجار والثمار بفضل من الله، وهذا لا شك جوهر التربية الصوفية…

منظر عام لزاوية تانغملت

وعلى منوال الزوايا الجبلية بالمغرب، قامت زاوية تانغملت بالأدوار العلمية والعمرانية والتربوية والاجتماعية التي مكنت من استقرار السكان بها وازدهار عمرانها وتدبير شؤون الاجتماع البشري فيها…

والمثير للانتباه أن القرى-الزوايا  بالمغرب تشهد على أن الاجتماع حول العلم و التربية كانت تنتظم حوله رؤية عمرانية واضحة، بحيث شكلت المدرسة الزاوية باعتبارها “حرما” منطلقا لازدهار العمران فيما “تحوزه” من أراضي تتعهد بالسقي والبناء والرعاية، فتتطور الحياة الإنسانية  في ارتباط وثيق مع الرسالة العلمية والتربوية للزاوية باعتبارها عصب العمران البشري في القرية المباركة…

سقاية الماء وسط  قرية تانغملت

و قد صار لزاوية تانغملت ارتباط وثيق بالزاوية الناصرية منذ شيخها الرابع محمد بن إبراهيم بن عبد العزيز بن موسى المتوفي 1109 م، و عرف نفوذها اتساعا كبيرا في المنطقة المحيطة بها ومن ضمنها منطقة أيت عتاب ومنطقة دمنات، وشكلت حرما آمنا ينشر العلم والصلاح ويطعم الطعام ويصلح بين الناس….

مدخل/فناء زاوية تانغملت

العمران الوظيفي البيئي العريق بالزاوية

مجرد مقارنة بسيطة بين القرى-الزوايا بالمغرب وسائر القرى الأخرى تبين أن التدبير القروي بالمغرب يحتاج إلى “نقطة جذب” مثلتها الزاويا العلمية في الماضي ولازالت بعضها كذلك، ويمكن أن يمثلها اليوم أي “باعث” ثقافي أو تربوي أو علمي أو تراثي من شأنه أن يتحول إلى “حرم” بالمعنى الثقافي للكلمة “يحوز” المجال المجاور ضمن رؤية عمرانية ثقافية شاملة تراعي أسس الاجتماع الإنساني المغربي المستند على علاقة جدلية بين العلم والعمران..

والحال أن القرى-الزوايا بالمغرب تحتاج إلى تصنيف وتعريف وتثمين ورعاية وترميم المآثر الشاهدة على أدوارها التاريخية الرائدة في نشر العلم والصلاح بالمغرب..

د. جمال بامي

  • رئيس مركز ابن البنا المراكشي للبحوث والدراسات في تاريخ العلوم في الحضارة الإسلامية، ووحدة علم وعمران بالرابطة المحمدية للعلماء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق