مركز ابن القطان للدراسات والأبحاث في الحديث الشريف والسيرة العطرةدراسات عامة

رمضان والتكافل الاجتماعي في زمن الأوبئة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد؛

  فإن شهر رمضان شهر التكافل والإيثار والتعاون والتضامن الاجتماعي، وقد حث ربنا سبحانه وتعالى على ذلك في العديد من آياته، حيث يقول تعالى : ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ ([1])، وقال ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ([2])، ومدح الذين ينفقون أموالهم في السراء والضراء فوصفهم بالمتقين والمحسنين، فقال:  (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) ([3])، كما أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى ضرورة التلاحم والترابط الذي ينبغي أن تكون عليه الأمة الإسلامية، وشبهها بالجسد الواحد إذا أصاب المرض منه عضواً واحداً، أصاب جميعه القلق والسهر وعدم الهدوء والراحة التي كان ينعم بها حينما كان صحيحاً، قال: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”([4])، وقال: ” ومن كان عنده فضل زاد فليعد به على من لا زاد له…. “([5])، وأثنى على من يسعى في قضاء مصالح المسلمين، فقال : “المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة”([6]).

إن الاهتمام بالفقراء والمحتاجين في هذا الشهر الفضيل، ومساعدتهم مادياً ومعنوياً، وتلبية بعض متطلباتهم، وتحقيق بعض حوائجهم، من أفضل الأعمال، وأنبل الصفات التي يجب القيام بها، وتظهر أهمية ذلك عند الأزمات، خاصة ونحن نعيش اليوم هذه الظرفية الصعبة من جراء انتشار وباء كرونا المستجد، وما خلفه من آثار اقتصادية على البشرية جمعاء بمختلف طبقاتهم؛ لا سيما الفقراء منهم، وأصحاب الأعمال البسيطة وغير الدائمة، الذين توقف مصدر دخلهم بسبب هذه الجائحة، وما فرضته من التدابير الاحترازية؛ ولأجل ذلك تم إحداث بتعليمات سامية من صاحب الجلالة الملك محمد السادس-حفظه الله-صندوقا خاصا لتدبير ومواجهة وباء فيروس كرونا، والذي كان فيه سباقا إلى المساهمة فيه، كما ظهرت مجموعة من  المبادرات الفردية الحسنة للمساعدة في تجاوز هذه الأزمة منها:  تقديم أماكن سكن للطاقم الطبي لإبعاد خطر المرض عن عائلاتهم، وتوفير أماكن الحجر الصحي بالنسبة للمخالطين لمرضى فيروس كرونا، إضافة إلى المبادرات التي تعتمد على تقديم مساعدات مالية وغذائية عينية، فهذا هو الوقت الذي ينبغي للمسلم  أن يشمر عن ساعد الجد للتضامن مع أخيه المسلم، خصوصا ونحن في هذا الشهر المبارك الذي تزداد فيه الحسنات. وترفع فيه الدرجات، عند رب العالمين.

إن حديثنا اليوم عن التضامن والتكافل ونحن في مثل هذه الظرفية الصعبة أصبح واجبا إنسانيا، لأن كل فرد يجب أن يساهم على قدر استطاعته، والله عز وجل يدعونا إلى الإنفاق في السراء والضراء، وأوقات البلاء هي أفضل وقت للتضامن والإنفاق، ولنا في رسول الله الأسوة الحسنة، حيث أن سيرته مليئة بالنماذج الكثيرة، التي تجلى فيها هذا النوع من التضامن، وسنكتفي بإيراد ثلاثة منها للتذكير ؛ من ذلك:  ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم من قيامه بالخطابة في أصحابه، وحثهم على الصدقة على إخوانهم، وإن كانت الصدقة صغيرة قليلة، فقال: “اتقوا النار ولو بشق تمرة”([7])،  وما قام به النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالمدينة من مساعدة أهل مكة رغم العداء، عندما علم أن مكة أصابها قحط ومجاعة، فأرسل إليها قدرا من المال لمساعدة أهلها([8])، فهذا المثال يؤكد قمة التضامن في أوقات المحن والشدائد، وما قام به الأنصار مع المهاجرين، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: “قدم عبد الرحمن بن عوف المدينة فآخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري، وكان سعد ذا غنى فقال لعبد الرحمن أقاسمك مالي نصفين وأزوجك. قال:  بارك الله لك في أهلك     ومالك “ ([9]) ، وقد صور ذلك القرآن في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) ([10]).

      هذا ما تيسر لي ذكره في هذا الموضوع باختصار، وأسأله تعالى أن يرفع عنا هذه الجائحة في هذا البلد وسائر بلاد المسلمين والعالم بأسره ، إنه تعالى سميع مجيب .

والحمد لله رب العالمين

لائحة المصادر والمراجع المعتمدة:

الجامع الصحيح. أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، قام بشرحه وتصحيحه وتنقيحه: محب الدين الخطيب، ورقم كتبه وأبوابه وأحاديثه: محمد فؤاد عبد الباقي، وراجعه وقام بإخراجه وأشرف على طبعه: قصي محب الدين الخطيب، المطبعة السلفية القاهرة. ط 1/ 1400.

رد المحتار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار. ابن عابدين. دراسة وتحقيق: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود، الشيخ محمد معوض. دار عالم الكتب الرياض. ط 1423-2003.

السنن. أبو داود سليمان بن الأشعث الأزدي السجستاني. تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد. المكتبة العصرية، صيدا – بيروت.

صحيح مسلم. وفي طليعته: غاية الابتهاج لمقتفي أسانيد كتاب مسلم بن الحجاج للزبيدي.دار طيبة. الرياض. ط1/ 1427-2006.

([1]) سورة البقرة من الآية (177).

([2]) سورة الحشر من الآية: (9).

([3]) سورة آل عمران الآيتان: (133-134)

([4]) أخرجه البخاري في صحيحه (4 /93)، كتاب: الأدب، باب: رحمة الناس والبهائم، برقم: (6011)، ومسلم في صحيحه (2 /1201)، كتاب: البر والصلة والأدب، باب: تراحم المؤمنين وتعاضدهم وتعاطفهم، برقم: (2586).

([5]) أخرجه أبو داود في سننه (2 /125) برقم: (1663).

([6]) أخرجه البخاري في صحيحه (2 /190)، كتاب: المظالم، باب: لا يظلم المسلم المسلم ولا يسلمه، برقم: (2442)، ومسلم في صحيحه (2 /1199) كتاب: البر والصلة والآداب، باب: تحريم الظلم برقم: (2580).

([7]) أخرجه البخاري في صحيحه (1/ 438)، كتاب: الزكاة، باب: اتقوا النار ولو بشق تمرة، برقم: (1417).

([8]) رد المحتار على الدر المختار شرح تنوير  الأبصار (3/ 302).

([9]) أخرجه البخاري في صحيحه (2 /73)، كتاب: البيوع، باب: ما جاء في قول الله: (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض..)، برقم: (2049)

([10]) سورة الحشر الآية: (9).

اظهر المزيد

دة. خديجة أبوري

  • أستاذة باحثة مؤهلة بمركز ابن القطان للدراسات والأبحاث في الحديث الشريف والسيرة العطرة بالعرائش، التابع للرابطة المحمدية للعلماء.
  • حاصلة على شهادة: الدكتوراه في الآداب شعبة الدراسات الإسلامية، وحدة المناهج العلمية في دراسة السيرة النبوية كلية الآداب والعلوم الإنسانية أكادير سنة (2012)  من خلال العنوان: مرويات السيرة النبوية في المعاجم الثلاثة لأبي القاسم الطبراني (360) – من مولد الحبيب – ﷺ حتى نهاية حادث الإسراء والمعراج – “جمع وتوثيق ودراسة”.
  • اشتغلت في مجال الوعظ والإرشاد لفائدة النساء بتنسيق مع المجلس العلمي المحلي بمدينة أكادير (سابقا).

من أعمالها العلمية:   

  • كتاب: خير البشر بخير البشر – ﷺ- لابن ظفر الصقلي (ت 567 هـ) بالاشتراك مع الباحثة لطيفة شوكري. طبع بالرابطة المحمدية للعلماء بالرباط سنة 2008 م.
  • مجموع مقالات في علم الحديث النبوي والسيرة العطرة؛ وهي منشورة بموقع المركز.
  • تحقيقات ومقالات في طور النشر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق