مركز أبي الحسن الأشعري للدراسات والبحوت العقديةقراءة في كتاب

رد التشديد في مسألة التقليد للشيخ أحمد بن مبارك السجلماسي اللمطي: ت 1155هـ

«هذا الكتاب ألَّفه صاحبه ليدحض به آراء المتكلمين عامة الذين يتخذون العقل أصلا في التفسير مقدما على الشرع، وهذا شيء أبطله الدين وخطَّأ السلف من قال به لأنه يفضي إلى تعطيل النصوص النقلية، وهذا لا يمنع أن العقل لا يعتد به، وإنما الممنوع أن يستخدم في غير محله، فيخضع إلى منهج غير المنهج الرباني الذي يأمر بتقديم الشرع المتمثل في القرآن والحديث»[1]، بهذه الكلمات صدَّر محقق كتاب:”رد التشديد في مسألة التقليد” الأستاذ: عبد المجيد خيالي.
حياته:[2] أما مؤلِّفه فهو الشيخ أحمد بن مبارك بن محمد بن علي السجلماسي اللمطي البكري الصديقي، ولد في حدود التسعين وألف ببلدة سجلماسة/تافيلالت حاليا، وتلقى تعليمه على يد ابن خالته وابن عم جد أبيه الإمام الشهير أبي العباس أحمد الحبيب (ت1165هـ)، ثم رحل إلى فاس فأخذ على عامة شيوخها أمثال الحافظ أبي عبد الله محمد بن أحمد القسنطيني المعروف بابن الكماد(ت1116هـ) كان إماما نظارا حافظا للفروع والأصول، وأبي الحسن علي الحريشي فقيه مالكي (ت1145هـ)، وأبي العباس أحمد الجرندي الأندلسي(ت1125هـ)أحد الأعلام المعلومين بالخير والصلاح، وعبد العزيز بن مسعود الدباغ، شيخ صوفي، تأثر به الإمام تأثرا كبيرا وطالت ملازمته له(ت1132هـ)، وأبي عبد الله محمد العربي بن أحمد بردلة(ت1133هـ)كانت له معرفة بالعربية والفقه والحديث والتفسير والنوازل، وأبي العباس أحمد بن إبراهيم العطار الأندلسي أحد أعلام مراكش وقاضيها ومفتيها (ت1115هـ)، وأبي عبد الله محمد بن عبد القادر الفاسي أحد أعلام فاس وسادتها (ت1116هـ) وغيرهم، قال عنه الحوات في روضته:«كان رحمه الله شيخا متبحرا وإماما حجة متصدرا إلى أن انتهت إليه الرياسة في جميع العلوم، واستكمل أدوات الاجتهاد على الخصوص والعموم، أحرز قصب السبق في مجال الاستنباط، وارتبطت بذهنه العلل ومسالكها أي ارتباط..» [3] ، وله باع طويل وتبحر في المنطق والبيان والأصول والحديث والقراءات والتفسير. وله عارضة في المقابلة بين أقاويل العلماء والبحث معهم لم تكن لغيره حفظا وبحثا ومعارضة واستنباطا، ويصرح لنفسه بالاجتهاد ويرد على الأكابر من المتقدمين و المتأخرين، وكان كثير التنويه بقدر رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحمل الناس على شدة محبته. واختلف في سنة وفاته بين 1156هـ و1155هـ. وكان من تلامذته الشيخ أحمد بن الحسن بن محمد المعروف بالورشان الملقب بالمكودي (ت1169هـ)، وأبي العباس أحمد بن عبد العزيز الهلالي السجلماسي (ت1175هـ)، وأبي العباس أحمد بن محمد بن عبد الله الورزازي التطواني الدرعي (ت1179هـ)، وأبي عبد الله محمد بن محمد الطالب التاودي المعروف بابن سودة المري القرشي الأندلسي(ت1209هـ).
مصنفاته: له مؤلفات نفيسة في علوم شتى ذات فوائد مهمة، وجلها رسائل وتقاييد وأجوبة وأراجيز،  اشتهر منها: “الذهب الإبريز في مناقب الشيخ عبد العزيز الدباغ”، وهو مطبوع، “إنارة الأفهام بسماع ما قيل في دلالة العام” تحقيق: الأستاذة أمينة بطان/كلية الآداب-الرباط،”القول المعتبر في بيان أن جملة الحمد إنشاء لا خبر”، “مبلغ الآمال لطالبي التصريف في الأفعال”(أرجوزة)، “شرح للمقالة الوافية في شرح قصيدة الدالية”، “رسالة في دلالة المعجزة”، “تقييد في تعريف مادة الأصول”، “جواب في أحكام الطاعون”، “أجوبة لعدد من الأسئلة في قضايا تتعلق بالتوحيد والعقائد”، وكلها مخطوطات  بالخزانة العامة بالرباط، ثم كتابه:”رد التشديد في مسألة التقليد” موضوع هذا العرض، وجل من ترجم للشيخ ابن مبارك وذكر مصنفاته إلا وتعرض لهذا الكتاب وعدَّه ضمن مؤلفاته.
طبعته: كتاب”رد التشديد في مسألة التقليد”طبع بتحقيق الأستاذ : عبد المجيد خيالي خريج دار الحديث الحسنية بالرباط-دار الكتب العلمية/بيروت-الطبعة الأولى/1422هـ/2001م، في95 صفحة.
مضمونه: يقول محقق الكتاب: «يتكلم الكتاب بإجمال عن مسألة العقل عند المتكلمين وبالخصوص المعتزلة الذين يتخذون العقل أصلا في تأويل الأشياء مقدما على الشرع، وذلك عندما يقع تعارض بين العقل والشرع، كتأويل أدلة الرؤية وآيات الصفات وما إلى ذلك. فالرعيل الأول من السلف الصالح ومن حذا حذوهم يرفضون التأويل العقلي، ويخطِّئون صاحبه أي القائل به لأن هذا يؤدي إلى تعطيل النصوص والتجاوز بها إلى فهم آخر يؤدي إلى زعزعة الإيمان وبالخصوص عند العوام…فالشيخ ابن مبارك جاء رده هنا بأن مسألة التقليد في الإيمان ومعرفة الله تعالى لا تضر وخاصة للعوام الذين يؤمنون بالله تعالى بدون استعمال ذلك الفكر الثاقب في تدبر الخلق. وليست هناك آية صريحة تدل أن الإيمان يكمن بالتدبر والتفكير في ملكوت الله وإنما هو من باب زيادة الإيمان وتقويته فقط. وإلا فأي نظر واسع وفكر ثاقب يتدبر به الأمر لمعرفة الله إن لم يكن ذلك بالفطرة والسماع والجلوس مع أهل العلم والمعرفة»[4].
ويضيف: «ولهذا رد السجلماسي على دعاة العقل بأن المقلد في الاعتقاد والعبودية ليس بكافر ولا يصح تكفيره، والمكفرون هم المعتزلة الذين يرون أن التكفير عقلي وينسبون سائر الأحكام إلى العقل ويعرضون عن الشرع. فاعتبر الشيخ رحمه الله أن العقل وسيلة محدودة من وسائل المعرفة، لا يدرك غير الأمور المحسوسة على سبيل التيقن، فلا يجب إعلاء العقل وإنما يجب وضعه في موضعه..»[5].
وقد صدَّر ابن مبارك-رحمه الله- الكتاب بعد الحمدلة والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، بقوله: «هذه حروف يسيرة فيها علوم غزيرة سميتها بـ”رد التشديد في مسألة التقليد” جعلها الله خالصة لوجهه الكريم، وموجبة لرضوانه العميم، إنه ذو الطول المديد والفضل العديد»[6]، ثم ذكر خمسة أسئلة، قائلا: «اعلم أن مسألة التقليد لا يتضح أمرها إلا بخمسة أمور:[7]
الأول: هل التكفير شرعي أو عقلي؟
والثاني: إذا ثبت أن التكفير شرعي، فما ضابط ما يكفَّر به في الشرع؟
والثالث: إذا ثبت ذلك فليس اعتقاد المقلد الاعتقاد الصحيح المطابق للواقع بواحد من هذه الثلاثة، فإنه لم يعتقد في الحق سبحانه إلا الحق، ولا في الرسول صلى الله عليه وسلم إلا الصدق، ولا أتى أمرا اجتمعت الأمة على أنه لا يصدر إلا من كافر، فثبت أن المقلد ليس بكافر عن قواعد الشريعة المطهرة، ولا يصح تكفيره إلا على مذهب المعتزلة الذين يرون أن التكفير عقلي وينسبون سائر الأحكام إلى العقل ويعرضون عن الشرع.
والرابع: هل علم الكلام رافع للتقليد أو ليس برافع؟
والخامس: أنك إذا حققت عقائد التوحيد وجدتها تنقسم إلى ثلاثة أقسام، أحدها: ما يؤخذ من العقل، وثانيها: ما يؤخذ من النقل، وثالثها: ما يصح فيه الأمران».
ثم ختم كتابه بهذه الكلمات النابعة من علاَّمة الوقت وفهَّامة الزمن قائلا: «وهذا آخر ما قصدته، وقصارى ما اعتمدته، ورحم الله امرءا سامح بالإغضاء، وسامح بالرضا، وعذر بقصور الباع، وقلة الاطلاع، وشكر ما فيه من حسن التنبيه ومزيد التعظيم لمولانا والتنزيه، فإنه لو أعطى القوس باريها، وأسكن الدار بانيها، لما عد أمثالنا في العير ولا في النفير، ولا ضربوا في سهام السبق بنقير ولا قطمير، ولا عُدُّوا في عداد الموالي ولا الصميم. ولكن البلاد إذا اقشعرت وضرح نبتها رعي الهشيم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله عدد ما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون»[8].

                                                                              إعداد: منتصر الخطيب

 

الهوامش:

[1] كتاب”رد التشديد في مسألة التقليد”طبع بتحقيق الأستاذ : عبد المجيد خيالي خريج دار الحديث الحسنية بالرباط-دار الكتب العلمية/بيروت-الطبعة الأولى/1422هـ/2001م-ص:3
[2] ترجمته في سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس- تأليف: أبي عبد الله الكتاني – تحقيق: عبد الله الكامل الكتاني وحمزة بن محمد الطيب الكتاني ومحمد بن حمزة بن علي الكتاني – طبعة دار الثقافة الدار البيضاء – الطبعة الأولى:2004 –  ج/2-ص:228
[3] الروضة المقصودة والحلل الممدوة في مآثر بني سودة لأبي الربيع سليمان بن عبد الله الحوات-ج/1-ص:291
[5-4] كتاب رد التشديد لابن مبارك-تحقيق:عبد المجيد خيالي-ص:31-32
[7-6] نفس المصدر-ص:45 فما فوق
[8] نفس المصدر-ص:88

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. بارك الله فيكم فكم نود أن نتبحر في كتابات هذا الشيخ الجليل وكيف لا وقد شرب من الولي الصالح سيدي عبد العزيز الدباغ نفعنا الله به وحشرنا معهما وسيدهما رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم وابد الابدين
    نود ان تطبعوا كتب هذا الشيخ الجليل لنستفيد من علمه ان شاء الله ولكم الشكر الجزيل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق