مركز أبي الحسن الأشعري للدراسات والبحوت العقديةدراسات عامة

ردة سينمائية من أجل إساءة كونية

الدكتور عبد القادر بطار
أستاذ العقيدة والمذاهب الكلامية
بجامعة محمد الأول – بوجدة-
كلية الآداب والعلوم الإنسانية
المملكة المغربية

قَدْ يُخْطِئُ مَنْ يَظُن مِنَ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ مِنْ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ، أَن الإِسَاءَةَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلمَ هِيَ إِسَاءَةٌ إِلَى الْمُسْلِمِينَ وَحْدَهُمْ، أَوْ إِسَاءَةٌ إلَى شَخْصِ النبي مُحَمدٍ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلمَ وَحْدَهُ، أَوْ إِسَاءَةٌ إِلَى أُمةٍ بِعَيْنِهَا. لَيْسَ الأَمْرُ كَمَا يَظُن هَؤُلاَءِ وَأَوْلَئِكَ، بَلْ هِيَ إِسَاءَةٌ إِلَى الْبَشَريةِ كُلهَا، هِيَ إِسَاءَةٌ إِلَى الْجِن وَالإِنْسِ، هِيَ إِسَاءَةٌ إِلَى أَهْلِ الأَدْيَانِ السمَاوِيةِ، هِيَ إِسَاءَةٌ إِلَى فُضَلاَءِ الْعَالَمِ، هِيَ إِسَاءَةٌ إِلَى الْمُصْلِحِينَ وَالْعُلَمَاءِ وَرِجَالِ الْفِكْرِ وَقَادَةِ التحْرِيرِ فِي الْعَالَمِ، هِيَ إِسَاءَةٌ إِلَى الِفَن الراقِي وَإلَى الصنَاعَةِ السينِمَائِيةِ الْمَسْؤُولَةِ … وَمِنْ هَذَا الْمُنْطَلَقِ تُصْبِحُ تِلْكَ الإِسَاءَةُ جَرِيمَةً كَوْنِيةً، وَرِدةً سِينِمَائٍيةً، وَرَدَاءَةً فَنِيةً ًبكُل مَا فِي الْكَلِمَةِ مِنْ مَعْنىً، وَمِنْ حَق الْكَوْنِ كُلهِ كَقَبْضَةٍ مِنْ نُورِ مُحَمدٍ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ، أَنْ يَحْتَج بِقُوةٍ، وَأَنْ يَقٍفَ فِي وَجْهِ مَنْ يُسِئُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلمَ كَأفْضَلِ رَسُولٍ وَأَفْضَلِ قُدْوَةٍ وَأَفْضَل خَلْقِ اللهِ عَلَى الإِطْلاَقِ.
وَإِذَا كَانَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السلاَمُ، يُقِر بِأَنهُ بُعِثَ إِلَى خِرَافِ بَنِي إِسْرَائِيلَ خَاصةً، فَإِن النبِيَ مُحَمداً صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلمَ بَعَثَهُ اللهُ تَعَالَى إِلَى الناسِ كَافةً، بَشِيراً وَنَذِيراً، بِشَهَادَةِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107] ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاك إلا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾[سبأ: 28] وَمِنْ شَأْنِ هَذِهِ الرحْمَةِ الْكَوْنِيةِ، وَالْبِشَارَةِ الْعَالَميةِ، أَْنْ تَحْمِلَ فِي ثَنَايَاهَا قِيمَ السعَادَةِ الأَبَدِيةِ لِلْعَالَمِ كُلهِ، عَلَى مُسْتَوَى الْعَقَائِدِ الإِيمَانِيةِ الْحَقةِ، وَالتشْرِيعَاتِ السمْحَةِ وَالأخْلاَقِ الْفَاضِلَةِ.
لَقَدْ جَاءَ الرسُولُ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلمَ بِرِسَالَةٍ عَالَمِيةٍ، مِنْ مُرْتَكَزَاتِهَا الأَسَاسِيةِ الاِعْتِرَافُ بِجَمِيعِ الرسُلِ ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [سورة البقرة: 256]كَمَا أَن مِنَ الْمَبَادِئِ الراسِخَةِ التِي جَاءَتْ بِهَا شَرِيعَةُ الإِسْلاَمِ هِيَ تَكْرِيمُ الإِنْسَانِ، أي إِنْسَانٍ ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ [الإسراء: 70]نَقُولُ لِمَنْ سَولَتْ لَهُ الصنَاعَةُ السينِمَائِيةَ، بِأَنْ يُسِئَ إلَى رَسُولِ اللهِ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلمَ، عَلَى سَبِيلِ الْحِقْدِ وَالْكَرَاهِيةِ: إِِنكَ لَمْ تُسِئْ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلمَ فَحَسَبُ، بَلْ أَنْتَ أَسَأْتَ إِلَى الْكَوْنِ كُلهِ، كَمَا أَسَأْتَ إِلَى الِبَشَريةِ قَاطِبَةً، حَكَمْتَ عَلَى نَفْسِكَ بِمُعَادَاةِ الْعَالَمِ كُلهِ، إِنْسِهِ وَجِنهِ، وَأَبَيْتَ إلا أن تُؤسِسَ لِثَقَافَةِ الْكَرَاهِيةِ السينمَائِيةِ بِامْتِيازٍ، وَفَضَحْتَ مَنْ زَينَ لَكَ عَمَلَكَ مِنْ خُصُومِ الْبَشَرِيةِ، فَكُنْتَ وَإِياهُمْ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ.
لاَن الإِسَاءَةَ إِلَى الرسُولِ صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلمَ إِسَاءَةٌ إِلَى الأَدْيَانِ كُلهَا.
وَلأن الإساءة إلى الرسُول صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلمَ إِسَاءَةٌ إِلَى التعَايُشِ السلْمِي.
وَلأَن الْإِسَاءَةَ إِلَى الرسُولِ صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلمَ إِسَاءَةٌ إِلَى الْقِيمِ السامِيةِ.
وَلأن الإِسَاءَةَ إِلَى الرسُولِ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلمَ إِسَاءَةٌ إِلَى السلاَمِ الْعَالَمِي.
وَلأن الإِسَاءَةَ إِلَى الرسُولِ صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلمَ إِسَاءَةٌ إِلَى التسَامُحِ الدينِي.
وَلأن الإِسَاءَةَ إِلَى الرسُولِ صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلمَ إِسَاءَةٌ إِلَى الْفَن الراقِي.
وَلأن الإِسَاءَةَ إِلَى الرسُولِ صَلى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلمَ إِسَاءَةٌ إِلَى الْحَضَارَاتِ الإِنْسَانِيةِ كُلهَا.
فَهَلْ بَعْدَ هَذِهِ الإِسَاءَاتِ مِنْ إِسَاءَةٍ؟ وَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْمَكْرِ السينِمَائِي مِنْ مَكْرٍ؟ ﴿وََيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: 30]مِنَ الْقِيمِ الإسْلاَمِيةِ السامِيةِ التِي يَنْبَغِي أَنْ يَسْتَحْضِرَهَا الْمُسْلِمُونَ فِي هَذِهِ اللحْظَةِ الْحَرِجَةِ، قَوْلَ الْحَق سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: 164] فَلاَ يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُعْطُوا فُرْصَةً لِخُصُومِ الإِسْلاَمِ لِتَأْكِيدِ افْتِرَاءَاتِهِم عَلَى أَتْبَاعِهِ، عَلَيْهِمْ أَنْ يُحَافِظُوا عَلَى طَهَارَتِهِمْ، وَبَراءَتِهِمْ، وَأَنْ لاَ يُلَوثُوهَا بِنَجَاسَةِ الْحَاقِدِينَ، نَقُولُ لِلْمُسُلِمِينَ فِي الْعَالَمِ كُلهِ: لاَ يُحْزِنُكُمْ مَا يَقُومُ بِهِ هَؤُلاَءِ السفَهَاءُ تُجَاهَ نَبِي الإِسْلاَمِ مُحَمدٍ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ، وَتُجَاهَ الإِسْلاَمِ وَالْمُسْلِمِينَ، لأن التجَارٍبَ التارِيخِيةَ أَثْبَتَتْ أن الْعُمْلَةَ الجَيدةَ تَطْرُدُ الْعُمْلَةَ الردِيئةََ، وَمَا يُنْتِجُهُ خُصُومُ الإِسَلاَمِ وَالْحَاقِدُونَ عَلَى نَبِي الرحْمَةِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ تَحْدِيداً هُوَ عَيْنُ الردَاءَةِ وَالْفَساَدِ، وَلَنْ يَزِيدَ الإِسْلاَمَ إِلا قُوةً وَمَنَاعَةً، وَانْتِصَاراً وَانْتِشَاراً. وَالْحَمْدُ للهِ رَب الْعَالَمِينَ.

 

                                                                              عن موقع: هبة بريس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق