مركز دراس بن إسماعيل لتقريب المذهب والعقيدة والسلوكمعالم

دينامية علماء القرويين الرحلات العلمية بين فاس و الأندلس

 “العلم رحم بين أهله”، تلك عبارة تتردد كثيرا في الأوساط العلمية، وبين المغرب والأندلس، وشائج علم وعرفان ووشائج قربى ونسب ووشائج أخوة رسمتها الجغرافيا ونسجها التاريخ بحكم تقارب البلدين.

 شاءت المشيئة الإلاهية أن تكون فاس منذ نشأتها محجا وموطنا للعلم والعلماء، فقد استجاب الله تعالى لدعاء مؤسسها المولى إدريس حين شرع في بنائها بقوله: “اللهم اجعلها دار علم وفقه يتلى بها كتابك وتقام بها حدودك، واجعل أهلها متمسكين بالسنة والجماعة ما أبقيتها”[1]، إذ غدت فاس مركزا علميا عظيما، امتزجت فيها ثقافات مختلفة، وردت عليه، وشدت إليها الرحال من أقطار مختلفة من القيروان والأندلس وغيرها. 

 وتعتبر الرحلة أمرا محببا بل ضروريا  لطلاب العلم ولمن أراد أن يتلقى العلم من منابعه الصافية وموارده الأصلية، حتى إن الرحلة عند المغاربة ونظرائهم الأندلسيين تعد مطلبا لابد منه ودرجة يفضل بها بعض العلماء على بعض.

 وقد كان” ابن خلدون على حق عندما علق أهمية كبرى على فوائد الرحلة بالنسبة إلى الذين يفضلون الطريق الأسلم للتضلع من العلم، والتمكن من السند الصحيح”[2]، إذ يقول أن الرحلة “في طلب العلوم ولقاء المشيخة مزيد كمال في التعليم والسبب في ذلك أن البشر يأخذون معارفهم وأخلاقهم وما ينتحلونه به من المذاهب والفضائل: تارة علما وتعليقا وإلقاء، وتارة محاكاة وتلقينا بالمباشرة، إلا أن حصول الملكات عن المباشرة والتلقين أشد استحكاما وأقوى رسوخا، فعلى قدر كثرة الشيوخ يكون حصول الملكات ورسوخها… فالرحلة لابد منها في طلب العلم، لاكتساب الفوائد والكمال بلقاء المشايخ ومباشرة الرجال”[3] .

هذا ولم” تقتصر فائدة الرحالة من العلماء على بلادهم أو البلاد التي زاروها، بل هي تجاوزت ذلك إلى أشخاصهم هم، إلى أفكارهم ونظرياتهم، ومما ينبغي التسليم به أن الذين استطاعوا أن ينفذوا إلى خارج البلاد، كان ذكرهم أدوم، ونفعهم أشمل، لأنهم فتحوا عيونهم على ما لم يعرفه الآخرون، ونظرا إلى ما استطاع هؤلاء نشره من مؤلفات وشروح وحواش تكفي في التدليل على ذلك.”[4]

ومن حسنات الرحلة وأهميتها، إسهامها في ازدهار الحركة العلمية بفضل التقاء كبار العلماء والأخذ عنهم، وأخذ الإجازات العلمية عنهم، وكذلك تبادل المصنفات والموسوعات في مختلف العلوم، فالرحلة في طلب العلم مفيدة “وسبب ذلك أن البشر يأخذون معارفهم وأخلاقهم وما ينتحلونه من  المذاهب تارة علما وتعليما وإلقاء، وتارة محاكاة وتلقينا بالمباشرة إلا أن حصول الملكات عن المباشرة والتلقين أشد استحكاما وأقوى رسوخا فعلى قدر كثرة الشيوخ يكون حصول الملكة ورسوخها”[5].

  ولعل كتب التراجم تزخر بنماذج من أولئك العلماء الجهابذة الذين آثروا شد الرحال لطلب العلم أو تبليغه شرقا وغربا، وكانت حياتهم عبارة عن  تنقلات يقصدون فيها المراكز العلمية التي شكلت عبر عصور مصدر إشعاع علمي لا مثيل له.

 ولما كان مركز ثقل العلاقات بين علماء القرويين و الأندلس، يتركز بالأساس في حواضر المنطقتين، فإن فاس و أحوازها لم تكن بمنأى عن ذلك التواصل الفكري منذ أن شُيِّد بها جامع القرويين الذي بنته فاطمة بنت محمد بن عبد الله الفهرية القيروانية سنة خمس وأربعين ومائتين، والذي اتسعت حلقات الدارسين به حتى انبثقت من أحضانه جامعة القرويين في عهد المرابطين، وتوسع أكثر في العهد المريني، لتتحول بذلك فاس إلى مركز إشعاع علمي لا نظير له، يمتد إشعاعها العلمي الريادي لجارتها الأندلس فكثرت بذلك تنقلات العلماء ورحلاتهم بين الطرفين والتي أفادوا منها واستفادوا.

“وقد انتقل من الأندلس إلى فاس طلبا للعلم محدثون وفقهاء وقراء ولغويون وغير ذلك، فمن كبار علماء الفقه والحديث القاضي الأندلسي أبو بكر بن العربي المعافري (ت 543هـ)…، ومن القراء المحدثين الأصوليين ممن جمع في رحلته العلمية بين فاس والأندلس: عبد الجليل بن أبي بكر الربعي القروي يعرف بالديباجي وبابن الصابوني، ويكنى أبا القاسم القيرواني، وهو من شيوخ القاضي عياض، وقد رحل إلى فاس، وأخذ عن أبي عمران الفاسي وغيره، …. ومن مشايخ القراء ممن ارتحل من الأندلس إلى فاس: أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن الصقر الأنصاري الخزرجي ( ت 569هـ)…ثم انتقل إلى سبتة ثم إلى فاس، ثم استوطن مراكش وتوفي بها بعد رحلته إلى الأندلس، كان فقيها محدثا، على دراية ومعرفة بالقراءات وعلم الكلام، شاعرا، حسن الخط.

        ومن أهل الأندلس ممن نزل فاسا في طلب العلم: أبو جعفر عبد الرحمن بن أحمد بن أحمد بن محمد الأزدي(ت576هـ) من أهل غرناطة ويعرف بابن القصير… ومن المحدثين والفقهاء الأندلسيين: أبو عثمان سعيد بن محمد بن إبراهيم بن عاصم بن سعيد الغساني من أهل غرناطة، رحل إلى العدوة، فلقي بفاس وتلمسان جملة، كأبي العباس أحمد بن عبد الرحمن المكناسي من أهل فاس، والحاج بن سبيع وغيرهم، أبو الحسن بن المناصف عبد الولي بن محمد بن أصبغ الأزدي: وهو قرطبي سكن غير بلد من العدوة، روى عنه بفاس أبو إسحاق إبراهيم العشاب، وكان معاصرا للسان الدين بن الخطيب.

ومن أهل فاس الذين طلبوا العلم في الأندلس: أبو موسى عيسى بن يوسف بن عيسى الأزدي المعروف بابن الملجوم (ت534هـ)، … أبو هارون موسى بن يحيى الصديني(ت388هـ)، كان فقيها حافظا للمسائل، عالما بالرأي، دخل الأندلس وتردد في الثغر، … ومن القضاة ممن رحل من فاس إلى الأندلس، القاضي أبو عبد الله محمد بن علي بن عبد الرزاق الجزولي، المعروف بابن الحاج(ت736هـ) وهو من أحد أعلام المغرب الفضلاء، دخل الأندلس وأقام بمالقة فترة من الزمن، وروى عن أشياخها، وصحب بها الخطيب المدرس أبا عثمان الحميري، ثم عاد إلى فاس فتولى القضاء والخطابة بها مدة طويلة…”[6].

         “لقد شملت الرحلة أنواعا من العلوم من القراءة والحديث والفقه واللغة وغير ذلك، إلا أن الرحلات الفقهية من فاس إلى الأندلس كانت موضع تعجب، إذ إن فاسا من أكثر بلاد الدنيا في أكثر فترة البحث تأصيلا للمذهب المالكي، بل كانت جامعة القرويين تشهد بذلك”[7].

          أسهمت عدة عوامل في نشاط الرحلة بين فاس والأندلس لعل من أولها الموقع الجغرافي وسهولة التنقل والسكنى بين القطرين، “بحيث إذا نزل أحدهم الموضع الآخر لا يشعر بالغربة والوحشة، وهذا مما يزيد العطاء العلمي ولا شك”[8].  

          لقد كانت فاس محط أنظار العلماء الأندلسيين، شدوا الرحال إليها، ونشروا العلم فيها وأخذوا عن علمائها، على اختلاف اتجاهاتهم العلمية فمنهم المحدث والمقرئ والفقيه وعالم اللغة…، وكذلك كانت الأندلس، إذ كانت حركة علمية دؤوبة أغنت الساحة العلمية بين القطرين.


[1] الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس، لعلي ابن أبي زرع الفاسي، دار المنصور للطباعة والوراقة بالرباط، 1972. ص 36

[2]  جامع القرويين المسجد والجامعة بمدينة فاس موسوعة لتاريخها المعماري والفكري للعلامة عبد الهادي التازي، دار الكتاب اللبناني عبد الهادي التازي 2/446.

[3]  مقدمة ابن خلدون، المكتبة العصرية بيروت1431هـ – 2010هـ، ص 539.

[4] جامع القرويين 2/447.

[5] العلاقات العلمية بين الأندلس ومدينة فاس منذ بداية القرن الثالث الهجري حتى سقوط غرناطة للدكتورة إيمان بنت دخيل الله العصيمي، رسالة لنيل الماحستير في تاريخ الحضارة، 1430هـ/ 2009م، جامعة أم القرى، كلية الشريعة والدراسات الإسلامية، ص 41،.

[6]– العلاقات العلمية بين الأندلس ومدينة فاس ص 43 وما بعدها.

[7]– العلاقات العلمية بين الأندلس ومدينة فاس ص 43 وما بعدها.

[8] – العلاقات العلمية بين الأندلس ومدينة فاس ص327.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق