مركز ابن البنا المراكشي للبحوث والدراسات في تاريخ العلوم في الحضارة الإسلاميةنصوص مترجمة

” دومينيك لوكور :”الإبستمولوجيا

الإبستمولوجيا[1]

     بدأ عالَم فلسفة العلوم يشهد نوعا من التحول مع نشر “طوماس كونThomas Kuhn  لكتابه الشهير “بنية الثورات العلمية”[2] سنة 1962. فقد وضع هذا الفيزيائي الأمريكي -الحاصل على الدكتوراه في الفيزياء منذ سنة 1949م- تعديله لتاريخ العلوم من خلال مؤلف موجز هاجم فيه بجرأة الطريقة التي يتم من خلالها تصور مهمات فلسفة العلوم – أو الإبستمولوجيا- وإجراءاتها في أغلب كبريات الجامعات الأمريكية، معتمدا في ذلك على شواهد مستقاة من تاريخ الفيزياء. ولم يُسائل صورة العلم المهيمنة على هذه الجامعات فحسب، بل ساءل حتى تلك الصورة المتعلقة بالعقلية – وصورة العقل- التي فرضت هناك نفسها.

     اعترض كون على مختلف أشكال النزعة التجريبية -التي تعتبر المعرفة العلمية نتاجا لسلسة من الملاحظات المنطقية المنسقة- بأنه لا وجود لملاحظة خالصة، وأوضح أن كل ملاحظة علمية مؤطرة بنظرية. كما أعلن أن المشروع الذي يؤكد على “توحيد العلوم” سواء عن طريق “الميتودولوجيا” أو من خلال لغة مشتركة لا يعدو كونه مجرد وهم، متوسلا في ذلك باستعارةٍ “كونية-سياسية” قديمة هي: “الثورة”. وأبرز فضلا عن ذلك أن التقدم العلمي ليس تراكميا، وإنما يقتضي “لحظات نقدية” حيث يعيد تشكيل مجموع الأسئلة الموضوعة والإشكالات المُصاغة بناء على أسس جديدة، كما يعيد تحديد إجراءات حلولها. ولفهم هذا السير المتقطع في المعرفة، قدم مفهوما ما فتئ يتجدد، وذلك راجع بدون شك إلى عدم الوضوح الذي يحيط باستعماله[3]، وهو مفهوم: الإبدال (البرادايم).

     أشار طوماس كون من خلال مفهوم سوسيولوجي[4] موروث عن الطبيب البولوني “لودفيك فليكLudwik Fleck  إلى القواعد الداخلية والمسلم بها من قِبل الجماعة العلمية في لحظة معينة من تاريخها باعتبارها معيارا تحدد به “الظواهر” التي ترى أنها جديرة بالدراسة وتستشكلها.

      يسود باردايم ما دون منازع، ويشتغل الباحثون في إطار ما يسمى بـ”العلم العادي”، أي العلم الموحد والمعياري في نفس الوقت. سيسعى العديد من العلماء في القرن الثامن عشر كي يصبحوا “نيوتونيين” في الكيمياء، وفي التاريخ الطبيعي، وفي السيكولوجيا… ثم ما يلبث أن يجد هذا البارادايم نفسه مُشَككا فيه نظرا لسلسلة من الحالات الشاذة التي أدخلته في مرحلة النقد، كما نرى ذلك مع المبدأ الثاني للديناميكا الحرارية، وصعوبات تأويل النزعة الكهروميغناطيسية لماكسويلMaxwell  في نهاية القرن التالي. وانتهى الأمر بتأسيس برادايم جديد. إذن، لم يتردد كون في أن يظهر أن التزام ما يسمى بالجماعة العلمية بنموذجها البراديامي يحمل غالبا على بعض الغموض المفاهيمي، وأحيانا على خرق للصرامة الاستنباطية في إعداد النظريات وتطبيقها. 

     نُشرت قبل ثلاث سنوات من كتاب “طوماس كون” الترجمة الانجليزية لكتاب “كارل بوبرKarl Popper الأساسي: “منطق الكشف العلمي”[5]، والذي بقيت نسخته الأولى باللغة الألمانية في الظل منذ عشرين سنة. انحاز كون إلى جانبه لمواجهة النزعة التجريبية. لكن، انفصل عنه في كل المسلمات التي يرى أن “بوبر” يشترك فيها مع خصومه (وجود فرق قاطع بين الملاحظة والنظرية، والطابع التراكمي لنمو المعرفة)، كما انفصل عنه في النقط التي اعتقد بوبر أنه بفضلها يستطيع هزيمة الوضعانيين في ميدانهم الخاص (وهي الاعتقاد في وجود منطق علمي، والمشروع الذي يعيد التأكيد على توحيد العلوم).

     يرجع الصدى الواسع لمؤلف “كون” ــ بالخصوص ــ إلى تمهيده الطريق لإعادة تقييم أعمال مؤرخي العلوم عل المستوى العالمي. كتب “يان هاكينغ”  Ian Hackingبتهور مشيرا إلى قول مأثور في “أفول الأصنام”: كما آخذنا على ذلك نيتشه Nietzsche ، فإنه لن يتأتى لنا أبدا أن نلغي تأريخ العلم كي نثبت له احترامنا”.

     لكن لفهم مغزاها الحقيقي، ينبغي العودة إلى أوربا في بداية القرن، فقد عرفت فلسفة العلوم في فيينا وثبة قوية لم يسبق لها مثيل، وذلك على هامش المؤسسات الأكاديمية إن لم يكن ضدها، وحدث هذا بتحفيز من مجموعة من العلماء ذوي التخصصات المختلفة والمجتمعين حول الفيلسوف “موريتز شليكMoritz Schlick. نُشر البيان الرسمي لجماعة فيينا[6] في سنة 1929. وتجاوز هدفه كثيرا إصلاح “الإبستمولوجيا”، إذ تعلق الأمر بالعمل على نشر “التصور العلمي للعالم”، معلنا إذن عن توحيد ما يسمى في البلدان ذات التقليد الجرماني “بالعلوم العقلية” بعلوم الطبيعة. لقد أحيوا ما سماه أوجست كونت Auguste Compte  في زمنه “بالعملية الفلسفية الكبرى”، وذلك انطلاقا من أسس جديدة وفي معنى جريء وحديث. وكلمة “عملية” السالفة الذكر لا تشير هنا إلى فهم الفلسفة باعتبارها تأملا، لكن من حيث هي فعل من شأنه إنتاج ظاهرة قابلة لأن يسيطَر عليها. لعب “كونت” في الواقع بدلالة مزدوجة: دلالة عسكرية وجراحية في نفس الوقت. هذا الفعل منظم ضد عدو محدد: هو العقل الميتافيزيقي ذو الأصل التيولوجي الذي وضع أوربا في فوضى فكرية وأخلاقية منذ الثورة الفرنسية. واحتاج الأمر معالجا خبيرا ليقوم بتدخل مؤلم يعيد التقدم الصحيح للعقل إلى محله، ويسهل بلوغ الحالة الوضعية بخصوص تنظيم المجتمع والسياسة.

     انطلاقا من النزعة الوضعية، اعتقد هؤلاء “الفيينيون” (Vennois) أنهم يستطيعون الإبقاء على شعار: “إقصاء الميتافيزيقا”. فشعارها الحقيقي يقدم نفسه ترجمةً لفكرة تتكرر في “دروس الفلسفة الوضعية”: توقُف العلم عن التساؤل عن أسباب الظواهر ليكتفي بوصف كيفية ترابطاتها كما تتم ملاحظتها.

    تقدم “االنزعة الوضعية المنطقية” نفسها مذهبا تجريبيا، وتعتقد أنها قادرة على إخضاع مجموع المباحث العلمية إلى التمثل (la représenation) الذي حدث في الفيزياء: مطابقة الملاحظة الحسية البسيطة والبيانات المنسقة من خلال حساب منطقي مضبوط. وقد أخذ هذا المشروع اسم “النزعة الفيزيائية”[7]. وبعد نفي دعاتها الذين وجدوا أنفسهم مقيدين من قبل النازيين، سيترسخ المذهب – الذي تعرض في فيينا نفسها لعدة تغييرات- في إنجلترا وخصوصا الولايات المتحدة، وذلك -على الخصوص- بفضل المنطقي ذو الأصول الألمانية “رودلف كارناب” الذي درس بداية بشيكاغو.

   أخذت هذه الفلسفة -المنحدرة بإسهاب من المنطق الرياضي- مكان الأشكال التقليدية للنزعة التجريبية الأنجلوساكسونية، ولكي تقدم نفسها بشكل أفضل كفلسفة علمية، أصبحت في الولايات المتحدة منذ 1935 أساس مهنة أكاديمية للفلسفة. لقد فتح كون حقل نقاشات جديدة دافعا بذلك للمهنة من الخارج، وهو ما قدم لفلاسفة العلوم إمكانية إيجاد لغة مشتركة على المستوى العالمي، وذلك على أساس التحليلات التاريخية الموثقة.

     في الواقع، لم تمثل أبدا فيينا كل أوربا، بل على العكس من ذلك، فالمدرسة الفلسفية التي أُنشأت في فيينا سنة 1929 لم تعرف في الحقيقة نفس النجاح الذي شهدته في الولايات المتحدة الأمريكية. وإذا كانت انجلترا برتراند راسلBertrand Russell  التجريبية والمنطقية قد اسقبلتها بشكل جيد في البداية، فإنها لن تتأخر في الإعراض عنها من خلال التأويل الذي اعتقدت أنها قادرة على إعطائه لدرس “لدفيج فتجنشتاين”Ludwig Wittgenstein  في كامبردج: أي أن الفلسفة التحليلية (فلسفة اللغة العادية) لم تضع العلم في مركز اهتماماتها. بُعيد الحرب، استمرت الكانطية الجديدة والفينومينولوجيا في الهيمنة على حيز مهم في الجامعات الألمانية. كما وجدت هناك أعمال “يورغن هابرماس” Jurgen Habermas  المعروفة أُسسها الفلسفية الأساسية من خلال أعمال كارل أ. آبلKarl O. Apel ، والتي تقدم نفسها كاستئناف “للمنعطف اللغوي” للفلسفة الإنجليزية في إطار تساؤل من النوع الكانطي عن الأسس المطلقة للعقلانية. أما الفلسفة في إيطاليا، فقد هيمنت عليها طويلا الشخصية العظيمة “لنابوليتن بنيديتو كروتشه(1952-1866)”Napoltain Benedetto Croce ، حيث وجدت في نزعته التاريخية المطلقة نقدا للميتافيزيقا ونظريةً في المعرفة، والتي وضعت المعرفة التاريخية كمعرفة وحيدة فعالة. أما الأصل الهيغيلي “للنزعة الراهنية”[8] “لجيوفاني جينتيل(1944-1875)”Giovanni Gentile  فقد وضعه هو الآخر على النقيض من كل نزعة تجريبية.

     أما في فرنسا، فمن المفارقة أن أتباع “أوجست كونت” هم من شكل عائقا أمام ترسيخ “النزعة الوضعية المنطقية”. ورغم أن مؤسس النزعة الوضعية استند فيها إلى “منطق طبيعي”، إلا أنه قام بترسيخ فلسفة العلوم بقوة في تاريخه لها. وهذا ما احتفظ به -كل على حدة في النصف الأول من القرن وبشكل مختلف- الفلاسفة: “ليون برنشفيك” Léon Brunschwicg و“إميل مايرسون”Emile Meyeson  و“جاستون باشلار”Gaston Bachelard . ويمكن استعمال عبارة “الابستمولوجيا التاريخية” للدلالة على نتيجة هذا الترسيخ. ويمكن أن يوصف تاريخ العلوم كما مارسه في نفس اللحظة “ألكسندر كوايري” في المدرسة التطبيقية للدراسات العليا “بالتاريخ الإبستمولوجي”.

     فهل ينبغي تأويل ذلك بمقاومة النزعة المحافظة المتشبتة (بالتقاليد الوطنية) لحركة تبدو لأول وهلة حداثية وعالمية؟ على الأقل، يبدو هذا التأويل غير كاف، فقد بدأت نقط الإخفاق بالعلوم الاجتماعية والإنسانية الناشئة، وتكشفت كما هي سنة 1934 في براغ، ثم في باريس سنة 1935، وذلك أثناء مؤتمرين عالميين تناولا مضمون: المفهوم التجريبي للمعرفة، ووضعية المنطق، ومشروع إعادة الصياغة الفيزيائية “physicaliste” لمجموع المباحث العلمية.

     عكس ما طمح إليه الوضعانيون، فإنهم لم يجددوا التقليد التجريبي في الفلسفة، بل جعلوه أكثر جذرية، وذلك في لحظة بدا فيها أن تطورات العلوم الفيزيائية تستوجب التحرر منه. إن بناء النظرية النسبية الخاصة ثم المعممة هو ما وضع الفيزياء على قدميها منذ بداية القرن، ولم تستند في ذلك على الملاحظات المتكررة ، المتواضعة والفقيرة، لكنها استندت -حسب عبارة لآينشتاين Einstein – على “تجارب الفكر”، مقيمة “لجرأة تأملية صارمة”، ومخصصة في البداية لحل تناقض صوري أثر في صرح الفيزياء. كما جاءت الثورة الكوانطية لتعيد فتح أزمة دائمة، مستعملة الواقع المتعذر على الملاحظة الحسية بالمعنى “البصري” كما تفهمه النزعة التجريبة. فحدث هنا ما أشار إليه “باشلار” منذ نصوصه الأولى من ضرورة إعادة النظر في المفهوم الكلاسيكي للملاحظة.

     ولم تبد مسألة دور الرياضيات في الفيزياء أقل أهمية، ودون الدخول في التفاصيل التقنية، يجب أن نعرف أن دائرة فيينا قد تبنت الأطروحة القائلة بأن الرياضيات قد أسست على المنطق، وخضع المنطق نفسه لعملية صورنة منذ بداية القرن بفضل أعمال كل من “راسل” و”فريجه” Frege و”فتجنشتاين”. وقد بدا لهم الجانب الرمزي من هذا المنطق الجديد كونيا، وهو رأي لم يُسلم به واصطدم فورا بمعارضة قوية. أكد الرياضي والفيلسوف السويسري “فريديناند كونزيت”Ferdinand Gonseth  منذ سنة 1926 في مؤلفه الكبير حول “أسس الرياضيات” بأنه: “لا يبدو أن قواعد المنطق تملك مجالا ذا صلاحية غير محدودة، ويبدو أنها غير مضبوطة إلا مع ما يتم تطبيقها عليه”. أما الرياضي والمنطقي الإيطالي “فيديريكو إينريك”Federigo Enriques  فقد اعتنق سريعا الفكرة القائلة بأن المنطق سيكون “فيزياء أي موضوع”. وذهب الفيلسوف والمنطقي الفرنسي الشاب “جون كافيلي” Jean Cavaillès في نفس الاتجاه منضما إلى باشلار. ليست الرياضيات لغة سهلة تكون فيها الدقة مضمونة بأساس منطقي، فهي تظهر قوة ابتكار لأشكال أو خطاطات تنفذ من قبل الفيزيائيين لتحديد الواقع المدروس-أي لاقتطاعه- وتعيينه. وهذه المواقف تتفق بشكل واضح مع منهجية فيزيائيين معاصرين كآينشتاين وهايزنبرغHeisenberg .

   طبع طموح توحيد العلوم على أساس النزعة الفيزيائية -في المقام الأول- البيولوجيا، لكن لن يأخذ معناه الحقيقي إلا عندما سيتم تطبيقه على العلوم الإنسانية والاجتماعية، كما منحته النزعة السلوكية الأمريكية الناشئة -التي اعتقدت أنها قادرة على حساب سلوك الإنسان من خلال الملاحظة الخارجية – نفوذه. من جهة أخرى، فإن هذا الطموح اصطدم كذلك في أوربا بالتقليد الألماني التأويلي “للعلوم العقلية” المنحدرة من “فلهام دلتاي” (1911-1833)Wilhelm Dilthey  أكثر منه من علم النفس التكويني الذي شيده “جان بياجي” (1980-1896) Jean Piaget  بجنيف أو تطورات التحليل النفسي الفرويدي. هل أفضت اليوم فترة التحدي الكبير لهذا المخطط الشامل الذي فُتح من الجانب الأمريكي إلى اتفاق كوني على موضوع الأبحاث وعلى “مناهجها”؟ لا شيء مؤكد. وقد رهنت النقاشات المتحمسة التي طُورت عن أطروحات “كون” العديد من الباحثين الأمريكيين في مسارين أساسين: 1- “سوسيولوجيا للعلم” بنبرة وضعية، وكانت أعمال السوسيولوجي “روبير كينغ”Robert King  – والتي نشرت تحت هذا العنوان في سنة 1973-  رائدة فيها، لكنها فقدت في الغالب -وعن عمد- النظر إلى خصوصية التفكير العلمي لصالح التحليل الوحيد للبنيات المؤسساتية “للجماعة”. 2- تحدي جذري للعقل منحه “بول فايرباند”Paul Feyeraband  بريقا بفضل قلمه الساخر[9]، واستطاع الاستفادة من مقارنة قائمة بين “تبدل الباردايم” والتحول الديني.

     عرف إغراء توحيد العلوم وثبة قوية في السنوات الأخيرة بفعل انتشار علم النفس العصبي. استبدلت “النزعة المادية” بـ”نزعة فيزيائية”، وكان هربيرت فيجلHebert Feigl  – الذي يعد من الأعضاء الأوائل لدائرة فيينا الذين نفوا إلى الولايات المتحدة الأمريكية- هو من فتح لها الطريق. كما أعطي ما يسمى اليوم بنزعة “علم النفس المعرفي” دفعة أساسية (وخصوصا أحد أشكاله المختلفة الأكثر حيوية والموسوم كـ”فلسفة عصبية” من قبل الزوجين شورشلاندChurchland )، وذلك بعد مطابقة “الحالات الذهنية” في علم النفس العادي (folk psychology)” مع الحالات الدماغية.

     ألا يُلاحظ ظهور ثان للبرامج الوضعية بتقنيات أكثر قوة وتمويل أكثر وفرة؟ ألا تقدم رغبة التوحيد نفسُها حصيلة المحاولات المنجزة بأسلوب يناقش الأولى من أجل إعادة بناء “فلسفة للطبيعة”؟ كما حدث مع النزعة الرومانسية الألمانية[10] في وقتها، فقد عرضت “النزعة الرومانسية الإيكولوجية” خطابها انطلاقا من خصائص “لا إنسانية” للعلم وتطبيقاته، واقتبست من تيارت العصر الوسيط والهرمسية (الباطنية) فكرة “روح الطبيعة” التي تدعو كل واحد إلى الاتحاد بها، وقامت بعض التيارات المشرقية بتقويتها.

     وفيما يتعلق بالإبستمولوجيا التاريخية، فالبنيات المؤسساتية جعلت ممتهني الفلسفة حتى هذه السنوات الأخيرة يحتفظون بنوع من الاحتكار لموادهم. ومن هنا جاء ذلك الخلط المفهومي الذي آخذهم عليه -أحيانا بحدة وأحيانا أخرى ظلما – كل من السوسيولوجيين ومؤرخي العلوم ذوي التكوين في تخصصات تاريخية، هذا إضافة إلى ذلك القلق الذي لم يتوقف عن التعمق بسبب غياب تكوين علمي لفلاسفة فرنسا. خلافا “لباشلار” و”كانغيلم”Canguilhem  اللذين لم يترددا في الدخول في نقاشات حول مسائل علمية شائكة في زمنهما، كان لفلاسفة فرنسا ميل بحذر للاقتصار على فحص الفترات السحيقة في تاريخ العلوم، كما فقدوا كل صلة مع العلم في طور الإنجاز، وذلك في نفس اللحظة التي كانوا يدافعون فيها عن مفهوم “تقهقري” لتاريخ العلم، والذي يفترض الارتباط بحاضره الأكثر ابتكارية.

     رغم ذلك، فالعلوم الفيزيائية والبيولوجية الحالية تدعونا إلى إعادة اكتشاف الدواعي الفلسفية التي حثت الفكر العلمي الأساسي. فالأبحاث المنصبة منذ 30 سنة على تطور الأنظمة في وضعية التبعية الحسية للشروط الأساسية – والتي نُشرت باسم مثير للجدل شيئا ما هو: “نظرية الفوضى” – تقدم لنا تطورات من النوع “الكوانطي (الكمي)”، والتي تدعونا إلى التخلص من التأويل الحتمي لإجراءات الفكر القطعي. إن التأويلات التي قدمها سيناريو “الانفجار الكبير” (بينغ بانغ) تستوجب أن نضع السؤال على أنفسنا من جديد عن ما إذا كان مفهوم الأصل مازال في مكانه في الفيزياء.

     ألا تنطوي مسألة كَون الفيزيائي يستطيع امتلاك نظرة خارجية عن الكون كله ــ شبيهة بنظرة الإله المشرع ــ على مسلمة فلسفية؟ إنها نظرة بدون أفق. لقد فقد مفهوم “قانون الطبيعة” وضوحه. ووضعت دراسة تطور الأنظمة العصبية المركزية بأدوات البيولوجيا النووية مفهوم “الفردانية” محل تساؤل. كما طالبت بإعادة التفكير في الروابط القائمة بين مفهوم “التطور” (évolution) ومفهوم “التقدم” (développement)، مظهرة لطواعية “عصبية” تؤثر في الدماغ البالغ. وقادت نفس الأبحاث إلى إعادة التفكير في مفهومي “الفطري” و”المكتسب”، مزعزعة للمماثلات الإلكترونية الضيقة التي تقوم عليها الصيغ الاختزالية “لعلم النفس المعرفي”. يجب على الفكر العلمي الذي يروم استباق المجهول القابل للاكتساب المعرفي، أن يخاطر بلا ملل لمساءلة الواقع في إطار ما هو ممكن، والذي يلتمس إمكانيات للفعل من خلال الفكر والتجريب. وهذه الحماسة المُسائلة لا ترضى بأي إجابة معلنة. إن الفكر العلمي يقدم نفسه فكرا “قطعيا”، باعثه الفلسفي هو رفع الفكر “الأصلي”.


[1] – النص الأصلي: Dominique Lecourt, Epistémologie, in Dictionnaire d’histoire et philosophie des sciences, sous la direction de Dominique Lecourt, Puf, 2010.p 428-432. ( نشير إلى أن النص الأصلي لا يحتوي أي إحالة، وإنما ارتأينا إضافة هذه الإحالات  زيادة لفائدة أو شرحا لمفاهيم أو تعريفا بفلاسفة).

[2] – صدرت النسخة الأصلية بالإنجليزية، وترجم إلى الفرنسية تحت عنوان: La sructure des révolutions scientifiques, trad. Laure MEYER. Edition Flammarion,2008. كما ترجم إلى العربية أكثر من مرة، نذكر منها: “تركيب الثورات العلمية“، ترجمة د. ماهر عبد القادر محمد علي، دار النهضة العربية، بيروت1988. “بنية الانقلابات العلمية”، ترجمة د.سالم يفوت، دار الثقافة للطبع والنشر والتوزيع، الدر البيضاء، 2005. و”بُنيَة الثورات العلمية” ترجمة د. حيدر حاج اسماعيل، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، بيروت  2007.

[3] – جاء في كتاب “خصوبة المفاهيم” للباحث الدكتور بناصر البعزاتي: “كما وردت انتقادات تعتبر لغة كون غير مضبوطة، خصوصا مفهوم “الإبدال”، فتدعي مسترمن أن لهذا المفهوم واحدا وعشرين معنى مختلفا ومتباينا” ص 118، ويقول رشدي راشد: “أوضحَ نقد لكون Khun منذ 30 عاما أنه يوجد لكلمة برادايم 17 معنى. إذن، لا أعرف حقا عن أي واحد يتكلم…وهذا يبين من جهة أخرى أنه ليس محددا تماما”، من حوار معه (بالفرنسية) منشور على الرابط التالي: http://www.teheran.ir/spip.php?article334

[4] – المقصود هنا هو مفهوم “أسلوب التفكير” الذي وضعه “لدفيك فليك” للدلالة على “مجموعة الأفكار التي تتقاسمها جماعة علمية في وضع تواصلي إيجابي في فترة معينة من نمو علم معين“. لكن هذا المفهوم لم يحظ باهتمام الدارسين رغم أهميته، إلى أن تبنى كون محتواه الإبستمولوجي بعد أزيد من ربع قرن. ويرجع سبب الإعراض عن هذا المفهوم إلى سيادة التركيز آنذاك على مكانة لغة المنطق وعلى مسألة الدلالة والقيم الصدقية بدل الملابسات التداولية والتواصلية للعلم، هذا بالإضافة إلى الاهتمام الذي لقيه كتاب كارل بوبر “منطق الكشف العلمي” كمعارض عنيد للوضعانية، وظهر قبل شهور فقط من ظهور كتاب لدفيج فليك. انظر: د. بناصر البعزاتي “خصوبة المفاهيم”، دار الأمان،2007، ص 112.

[5] – ترجمه إلى العربية الدكتور ماهر عبد القادر محمد تحت عنوان “منطق الكشف العلمي“، وصدر عن دار النهضة العربية، بيروت، د.ت.

[6] – يقول الدكتور ماهر عبد القاهر في مقدمة ترجمة “منطق الكشف العلمي“: “وفي عام 1929 أصدرت دائرة فيينا مؤلفا بعنوان: (حلقة فيينا: تصورها العلمي للعالم) وفي هذا المؤلف أعلنت الجماعة عن أهدافها ومنهجها. لقد تمثل الهدف الرئيسي لدائرة فيينا في توحيد العلوم الجزئية، وتوحيد معارف الإنسان” ص15.

[7] – “مصطلح ابتكره ر.كارناب…وجرى اعتماده أولا في مدرسة فيينا، للدل على المذهب القائل إن لغة الفيزياء هي، قانونا، لغة العلم كله، سواء لما يُطلق عليه اسم علوم أخلاقية أو لما يطلق عليه اسم علوم الطبيعة…”. انظر موسوعة لالاند الفلسفية، تعريب خليل أحمد خليل، عويدات، ج 3، ص 985.

[8] – يقول لالاند: “سلوك المسلك المباشر، ودرس الماضي الذي يفعل فعله فينا على نحو مميز ومتواصل، والنظر إلى الأمور من منظار الحاضر، هذا هو مذهب الراهنية (actualisme) أو إن شئتم، مذهب التفعيلية الذي نظن أنه مستساغ في المباحث الأخلاقية”. موسوعة لالاند الفلسفية، تعريب خليل أحمد خليل، عويدات للنشر والطباعة، بيروت، ج1، ص 28.

[9]بول فاريبند: فيلسوف نمساوي ولد سنة 1924 وتوفي سنة 1994، وجه نقدا قاسيا للمناهج العلمية، وذهب إلى أن “ميتودولوجيات العلم تفشل في تزويدنا بالخطوط الموجهة التي يمكن لها أن تفيد المشتغلين في قيادة وإرشاد نشاطهم أو فعالياتهم، ويؤكد، زيادة على ذلك، أن من العبث أن نأمل في اختزال العلم إلى بعض القواعد الميتودولوجية البسيطة، وذلك نظرا لتعقد تاريخه”. انظر: آلان شالمرز، نظريات العلم، ترجمة الحسين سحبان وفؤاد الصفا، دار توربقال للنشر، ط1، 1991، ص 134.

ويذهب أيضا إلى أن الفكرة القائلة بأن “العلم يستطيع  ويجب- أن يكون منظما حسب قواعد ثابتة وكونية” هي مجرد فكرة ضارة وطوباوية معا. فهي طوباوية لأنها تهمل إبداعية الإنسان القادر على شق طريق – حسب الظروف- من بين طرق عدة، وهي ضارة لأنها لا تسهم في تطوير إنسانيتنا. وتجعل العلم أكثر دوغمائية لأنها لا تشجع على تطويره. انظر:Bruno Jarrosson, Invitation à laphilosophie des sciences, Seuil, 1992, p 175.

ويقول الأستاذ بناصر البعزاتي  في كتاب “البناء والاستدلال“: “وعن السؤال “في ماذا يكمن تفوق العلم؟”، يجيب (فيرابند) بثقة كاملة، أنه “يكفي تذكير القارئ بالاكتشافات الأخيرة التي تبين أن الطرق البدائية أكثر تفوقا من منافساتها العلمية في الغالب” ويسند حكمه على خبرة ‘حياتية شخصية’ مع بعض الأطباء…إن الأساطير، في نظر فيرابند، أنساق تفسيرية تفوق دقتها دقة التفسيرات العلمية، وضعف تأويلاتنا هو الذي يظهرها وكأنها معتقدات جزافية”. البناء والاستدلال، دار الأمان والمركز الثقافي العربي، 1999، ص 394-395.

[10] – حركة أدبية وفنية ظهرت بألمانيا وامتدت من عام 1770 إلى 1830، من أسسها إعطاء الأولية للأحاسيس والفردانية والتجربة الشخصية والروح المعذبة، وجاءت كرد فعل ضد فلسفة عقل الأنوار وضد النزعة الكلاسيكية التي تستمد أسسها من الفترة القديمة l’Antiquité.

Science
اظهر المزيد

الأستاذ عبد العزيز النقر

حاصل على شهادة الماستر في الفلسفة

باحث بمركز ابن البنا المراكشي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق