مركز الدراسات والأبحاث وإحياء التراثشذور

دلالة أسماء الله الحسنى على العفو والمغفرة والرحمة

قال الإمام العلامة الأديب محمد بن عبد الرحيم بن محمد بن أبي العيش الأنصاري التلمساني المتوفى بعد سنة (654هـ) في كتابه «التذكرة في قبول المعذرة» في بيان ما يدل على العفو والمغفرة والرحمة من أسمائه الحسنى وصفاته العلى ووجه تعبد العباد بما يليق بهم من معانيها:

وكفى في هذا الشأن أن العبد متعبَّد باكتساب الممكن من معاني صفات الله تعالى العُلى، وأسمائه الحسنى، والتحلي بالمقدور له من محاسنها، مع العلم بأن إطلاق ما أباح الشرع إطلاقه على العبد من أسمائه تعالى كالعليم، والحليم، والشكور، يباين إطلاقه على الله تعالى، وبهذا التحلي الممكن يصير العبد رفيقا للملإ الأعلى من الملائكة، فإنهم على بساط القرب، فمن قَرُب إلى شِبه من صفاتهم نال شيئا من قربهم بقدر ما نال من أوصافهم المقرِّبة إلى الحق تعالى.

ومن أسمائه عز وجل: الرحمن، والرحيم، والغفار، والكريم، والعفو، والحليم، والتواب، والرؤوف، والحنان، والمحسن، والمفضل، والمنان، وذو الطول، وذو الفضل.

•    أما الرحمة العامة المطلقة فلا تتصور إلا لله تعالى، والمطلقة: هي إفاضة الخير على المحتاجين وإرادته لهم عناية بهم. والعامة: هي التي تتناول المستحق وغير المستحق، ولا يتصور ذلك على الإطلاق إلا لله سبحانه، مع نزاهة رحمته عز وجل عن الرِّقة المؤلمة التي تعتري المخلوق عند رؤيته من يرحمه فيحركه إلى قضاء حاجته، وهذه رحمة ناقصة؛ فإن صاحبها لا يكاد يقصد بفعله إلا رفع الألم عن نفسه، فيكون نظر لنفسه، وسعى في غرضه، وذلك نقص في كمال الرحمة، بل كمال الرحمة أن يكون نظره إلى المرحوم لأجل المرحوم، لا لأجل الاستراحة من ألم الرقة.

وحَظُّ العبد من هذا الاسم الكريم: أن لا يدع فاقة لمحتاج إلا سدَّها بقدر طاقته، ولايترك فقيرا في جواره وبلده إلا ويقوم بتعهده ودفع فقره، إما بماله وجاهه، أو بالسعي في حقه بالشفاعة إلى غيره، فإن عجز عن جميع ذلك فيعينه بالدعاء له، وإظهار الحزن بسبب حاجته رقة عليه وعطفا، حتى كأنه مساهم له في ضُرِّه وحاجته.

•    وأما الغفار: فهو الذي يظهر الجميل، ويستر القبيح. والذنوب من أعظم القبائح التي يسترها الله تعالى عز وجل بإسبال الستر عليها في الدنيا، والتجاوز عن عقوبتها في الآخرة،
وحظ العبد من هذا الاسم الكريم أن يستر من غيره ما يجب أن يستر منه، وأن لا يكافئ على الإساءة بالعقوبة، وأن يتغافل عن القبائح، ويصفح عن الزلات، فلا ينفك مخلوق عن كمال ونقص، وقبح وحسن، فمن تغافل عن القبيح وذكر الحسن، فله نصيب من هذا الاسم الكريم.

•    وأما الكريم المطلق: فهو الذي إذا قدر عفا، وإذا وعد وفى، وإذا أعطى زاد على منتهى الرجا، ولا يبالي كم أعطى، ولا لمن [أعطى، ولا يمن إذا أعطى، وإن رفعت حاجة إلى غيره لا يرضى، وإن جفي عاتب وما استقصى، ولا يضيع من لاذ به والتجا، بل يغنيه عن الوسائل والشُّفعا، فمن اجتمع له جميع ذلك كله لا بالتكليف فهو الكريم المطلق، وذلك هو الله تعالى، وعلى قدر ما يتكلف العبد من هذه الخصال الكريمة يكون له حظ من التعبد بمقتضى هذا الاسم الكريم.

•    وأما العفو: فهو الذي يمحو السيئات، ويتجاوز عن المعاصي.
 وهو قريب من معنى الغفار ولكنه أبلغ منه، فإن الغفران ينبئ عن الستر، والعفو ينبئ عن المحو، والمحو أبلغ من الستر.

وحظ العبد من هذا الاسم الكريم لا يخفى، وهو: أن يعفوَ عن كل مظلمة بل يحسن إلى فاعلها، كما يَرى اللهَ سبحانه محسنا في الدنيا إلى العصاة والكفرة غير معامل لهم بالعقوبة، بل ربما يعفو عنهم بأن يتوب عليهم، وإذا تاب عليهم محا سيئاتهم؛ إذِ التائب من الذنب كمن لا ذنب له، وهذا غاية المحو للجناية، وقد يبدل بعض السيئات حسنات كما أخبر سبحانه وهذا غاية الكرم.

•    وأما الحليم: فهو الذي يشاهد معصية العصاة، ويرى مخالفة الأمر ثم لا يستفزه غضب، ولا يعتريه غيظ، ولا يحمله على المسارعة إلى الانتقام مع غاية الاقتدار عجلة ولا طيش ، كما قال سبحانه: “اولم يسيروا في الارض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم وكانوا اشد منهم قوة وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الارض انه كان عليما قديرا” [سورة فاطر: الآية 45].

وحظ العبد من وصف الحليم ظاهر، فالحلم من محاسن خصال العباد، وذلك مستغن عن التنبيه وعليه بُني أكثر هذا الوضع.

•    وأما التواب: فهو الذي يرجع إلى تيسير أسباب التوبة لعباده مرة بعد أخرى، بما يُظهر لهم من آياته، ويَسوق إليهم من تنبيهاته، ويطلعهم عليه من تخويفاته وتحذيراته، حتى إذا أُطلعوا بتعريفه على غوائل الذنوب، واستشعروا الخوف بتخويفه رجعوا إلى التوبة، فرجع إليهم فضل الله تعالى بالقبول، ومن قبل معاذير المجرمين من رعاياه ومماليكه، وأصدقائه ومعارفه، مرة بعد أخرى، فقد أخذ نصيبا من مفهوم هذا الاسم الكريم بحول الله عز وجل.

•    والرؤوف: ذو الرأفة، والرأفة: شدة الرحمة، فهو بمعنى الرحيم مع شدة مبالغة.
•    وكذلك الحنان: فالحنان رقة الرحمة وقد تقدم ذلك أيضا.
•    والمفضل: ذو الفضل، ومعناه ظاهر وحظ العبد منه مفهوم.
•    والمنان: هو الكثير العطاء، والمن: العطاء.
•    وذو الطول والفضل: معناه أهل الطول والفضل، وذلك كله ظاهر والحمد لله، وإليه سبحانه نسأل أن يمدنا بتوفيقه، ويهدينا إلى سبيل الرشد وطريقه.

مصدر النص:
كتاب التذكرة في قبول المعذرة وفيما جاء في العفو عند المقدرة، الشيخ العلامة الأديب محمد بن عبدالرحيم بن محمد بن أبي العيش الخزرجي الأنصاري(كان حيّا سنة654هـ)، الصفحات (71-75)، تحقيق عبدالرحمن بن محمد الهيباوي، منشورات مركز الدراسات والأبحاث وإحياء التراث – الرابطة المحمدية للعلماء ، الطبعة الأولى (1429هـ -2008م).

انتقاء: ذ. مصطفى عكلي.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك رداً على د. جمال بن عمار الأحمر الأنصاري إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق