مركز ابن البنا المراكشي للبحوث والدراسات في تاريخ العلوم في الحضارة الإسلاميةحوارات

حوار مع الدكتور محمد أبلاغ

في الحقيقة هذه هي الجدة التي جاءت بها الأطروحة التي نلت بها شهادة الدكتوراه في الفلسفة من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بفاس، فقبل هذه الأطروحة كانت الدراسات التي تناولت تاريخ الرياضيات في الإسلام لا تميز بين الاتجاهات وأسباب الاهتمام بالرياضيات من رياضي إلى آخر، وهو ما كان عائقا أمام تعرفنا على الطبيعة الفعلية للرياضيات التي أنتجت في ظل الحضارة الإسلامية، لذلك حاولت أن أميز بين اتجاهين: الاتجاه الأول هو الاتجاه الذي يجعل من الرياضيات درجة في إطار سعي الإنسان نحو تحقيقه للكمال الإنساني، والتي لا تتأتى بشكل كامل إلا بتحصيل العلم الطبيعي وعلم ما بعد الطبيعة، في هذا الاتجاه تعطى الأولوية خصوصا لنظرية الأعداد والهندسة النظرية وعلم الفلك الرياضي، ومن هذه الجهة فالرياضي لا يهمه حل مشاكل المدينة الإسلامية سواء منها الشرعية أو المدنية. أما الاتجاه الثاني فهو الذي سميته الاتجاه الديني العملي، وهو الاتجاه الذي يعتبر الرياضيات وسيلة لحل مشاكل المدينة الإسلامية، وهنا يكون الاهتمام بشكل أكبر بعلم الحساب وعلم الجبر والمقابلة وعلم الفلك التطبيقي. أما الغرض من هذا التمييز فهو للتأكيد على أن للعقلانية الرياضية طرقا متعددة للتشكل وأن الربط بين الفلسفة والرياضيات هو ربط قاصر، فالعقلانية الرياضية تشكلت انطلاقا من طرق متعددة للبحث، وأيضا لاستعمالات متعددة لم تشمل الأمور الفلسفية لوحدها بل تعدتها إلى العديد من المجالات الأخرى.

عند ابن البنا نكون وكأننا أمام بداية التركيب بين الاتجاهين، فأولا يربط العلم بالدين من خلال التصريح بأن مرجعيته دينية وذلك في مقدمة كتابه الأهم رفع الحجاب عن وجوه أعمال الحساب، هذه المرجعية هي التي جعلته ينطلق من الأسس النظرية لنظرية الأعداد كما وضعها نيقوماخوس الشيرازي في كتابه المدخل العددي، وانطلاقا من قراءة هذا الكتاب عن طريق المتتاليات العددية والهندسية، يمر بشكل بديع من نظرية الأعداد إلى المجالات التطبيقية، وذلك بقراءة هذه المتتاليات بالتحليل التوافقي. هذا المرور من النظري إلى العملي سمح له باستعمال كثير من قوانين نظرية الأعداد في أمور عملية كإحصاء كلمات المعجم أو مسائل تتعلق بأمور شرعية كعدد الصلوات التي يجب للمرء القيام بها عند نسيانه لصلاة ما…إلخ. فحقق ما يمكن أن نقول انه دمج للعلم في بنية فكرنا الإسلامي نفسه، وهو ما يفسر سر نجاحه والاستمرارية التي حظي بها في تشكيل البنية الذهنية للإنسان المغربي.

ما الذي يمكن أن يستفيده تاريخ العلوم الإسلامية من الدرس الإبستمولوجي المعاصر؟ وماهي المعوقات التي تعترض مبحث تاريخ العلوم في الثقافة العربية المعاصرة؟

الإبستملوجيا المعاصرة تجاوزت فكر القرن 19م الذي اعتبر العلم الموضوعي طريقا وحيدا لليقين بالنسبة للإنسان نافيا أي دور للفلسفة والدين على أساس انهما يتطرقان إلى أمور ما ورائية تفوق قدرة العقل البشري، وهو ما نظر له غاستون باشلار على المستوى الإبستملوجي على أساس التمييز بين العلم واللاعلم. الإبستمولوجيا المعاصرة وبعد أن تبين لها أن الكون هو في الواقع أكوان، وبذلك فعلى المستوى الأنطلوجي الإنسان هو أحد موجودات العالم، ومنه العلم أيضا أحد موجودات العالم، وبذلك يتبين أن هناك حقائق هي أعلى من الإنسان نفسه. بدأت الإبستمولوجيا المعاصرة في رد الاعتبار للفلسفة والدين وبدأت تأخذ بعين الاعتبار بأن العلم ليس وحده الكفيل بالوصول إلى الحقيقة، وأنه يتعين إعادة الجسور بين العلم وأنماط الفكر الأخرى، فهذه الأنماط كلها لا توجد في شقق معزولة بعضها عن البعض الآخر في العقل الإنساني، بل هي في منزل واحد بغرف مستقلة بعضها عن البعض الآخر، ولكنها ليست منفصلة بل متصلة ومتواصلة فيما بينها، فمن المفروض أن نبحث عن الاتصال بين أنماط المعرفة الإنسانية، لا أن نعتبر العلم وحده الموصل لليقين. هذا الدرس الابستمولوجي المعاصر جد هام بالنسبة لنا في تاريخ العلوم، لأنه يتيح ربط الجسور بين تاريخ العلوم ومجالات الثقافة الإسلامية الأخرى حتى نساهم في الحركة الفكرية التي يمكنها أن تحقق لنا ما نصبو إليه من تقدم ورقي لفكرنا الإسلامي المعاصر، ومن جهة ثانية تجعلنا فاعلين كذلك في الفكر الإنساني المعاصر نفسه.

وشكرا جزيلا لكم على هذه الاستضافة الكريمة، وأتمنى لمركز ابن البنا لتاريخ العلوم المزيد من النجاح والتوفيق في المهمة النبيلة الملقاة على عاتقه.

الصفحة السابقة 1 2 3
Science
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. تحية حب ومودة صادقة ﻷستاذنا العزيز "محمد أبلاغ". صراحة ما يعجبني في هذا اﻷستاذ هو اعتزازه بالفكر المغربي والعربي، وعدم النظر إليه كمجرد نقل أو ترجمة، كما يرى الكثير من الدارسين… إلى جانب أن هذا اﻷستاذ يعمق أبحاثه ودراساته في مجال العلوم والفلسفة في المغرب والوطن العربي، أعماله التي تشكل زخما كبيرا، وإطراءا للمكتبات العربية والمغربية… دامت لك الصحةة والعافية أستاذنا الغالي والمتواضع.

  2. بوركتم أستاذي محمد أبلاغ، وفقكم الله في ما تقومون به أعمال نبيلة خدمة لقضايا الأمة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق