مركز ابن البنا المراكشي للبحوث والدراسات في تاريخ العلوم في الحضارة الإسلاميةحوارات

حوار مع الدكتور أحمد جبار

أحمد جبار: من أبرز المتخصصين في تاريخ الرياضيات العربية بالمغرب وإسبانيا المسلمة، وهو باحث بالمركز القومي الفرنسي للبحث العلميCNRS ، كما شغل منصب أستاذ تاريخ الرياضيات بجامعة العلوم والتكنولوجيات بليل. أغنى مكتبة تاريخ العلوم بالعديد من المقالات والمؤلفات العلمية، من بينها:

L’algèbre arabe genèse d’un art

 Une histoire de la science arabe

L’age d’or des sciences arabes

نُشر هذا الحوار باللغة الفرنسية بـLA REVUE DE TEHERAN، عدد 21 بتاريخ غشت 2007، تحت عنوان: Entretien avec Ahmed Djebbar، وقد أجرى الحوار كل من Amélie Neuve-Eglise و .Kamran Gharagozli

ويتطرق البروفيسور أحمد جبار في هذا الحوار إلى مجموعة من القضايا الأساسية في حقل تاريخ العلوم الإسلامية: مسألة التبادلات العلمية بين الحضارة العربية الإسلامية وأوربا، وأهمية الإسهام العلمي العربي في العلوم المنجزة بالبلدان الأوربية، أثر بعض النظريات اليونانية في بعض المسائل العلمية العربية، علاقة البحث العلمي ببعض “المباحث الروحية”، أهم أسباب تراجع البحث العلمي بالبلدان العربية في العصر الوسيط، الخلفيات الميتافيزيقية التي شكلت أساس بعض الأبحاث العلمية، دور الخيال والحدس في بناء المعرفة الرياضية، الروابط التي تجمع بين الكيمياء والخيمياء، بين التنجيم والفلك.

 

ترجمة: عبد العزيز النقر

مركز ابن البنا المراكشي

–  ماهي أنماط التبادل العلمي التي وُجدت بين العالم العربي-الإسلامي وأوربا في فترة “العصر الذهبي للعلم العربي”؟

أحمد جبار: يتحدث الفرنسيون عن “العلم العربي”، لكن الإيرانيين هنا يفضلون استعمال العبارة الواسعة: “العلوم في البلدان الإسلامية”، أو “العلوم الإسلامية” “Islamic sciences” بالإنجليزية. لقد اعتدنا أن نقول: “العلم العربي”، لكن هذه العبارة تشير في الواقع إلى العلم الذي أُنجزَ في البلدان الإسلامية، وتمت كتابته باللغة العربية. ويقع عصره الذهبي عموما بين القرن 9 ونهاية القرن 11م. لكن، نعرف في الواقع أن ثمة إسهامات علمية أصيلة كل الأصالة قد استمر إنتاجها حتى القرن 16م والقرن 17م، وخاصة في إيران. بدأت تحدث تبادلات علمية مع نهاية القرن 11م. ولا نملك معلومات دقيقة عن التبادلات بين القرن 9م و11م، ونعتقد أنها لم توجد لسبب بسيط جدا: لكي يكون هناك تبادل بين فضائين ثقافيين، يجب أن يكون الفضاء الثقافي المتقدم نسبيا- وهو حالة المراكز العلمية في الإسلام- قادرا على نشر ونقل المعارف الممكن استهلاكها من قبل نظيره في الفضاء الآخر. بينما نعرف اليوم بفضل المؤرخين المتخصصين في العصر الوسيط الأوربي أن المجتمعات الأوربية لم تكن بعد مهيأة في تلك الفترة للاهتمام بهذه العلوم وإدماجها في تقليد جديد.

لدينا شواهد على هذه التبادلات منذ نهاية القرن 11م، خصوصا عبر مقالات طبية كانت قد كتبت باللغة العربية. وترجمت إلى اللاتينية في “ساليرنو” بإيطاليا من قبل “قسطنطين الإفريقي”، لكن هذا الأمر يبقى عَرضيا. لقد حدثت ظاهرة انتشار المعارف الإغريقية والهندية والإسلامية في الوقت نفسه انطلاقا من نصوص مكتوبة باللغة العربية. وحصلت بشكل مهم ابتداء من القرن 12م، لتمتد إلى حدود القرنين 14 و15م. هذه الظاهرة القوية تفترض مجموعة من الأشياء، سيما أن أفرادا وجماعات في أوربا كانوا على وعي بأهمية هذه المعرفة، وأحسوا بحاجة إلى الذهاب بحثا عنها، وقد كانت لديهم القدرة على فهمها ثم شرحها وتعليمها، وأخيرا  تطويرها. وُجدت هذه العملية في عدة حضارات، كما مورست من قبل المسلمين في القرن 8م، وذلك حينما ترجموا وانتقدوا، وشرحوا، واستوعبوا المعرفة الإغريقية والهندية، لكي ينتجوا فيما بعد معرفة جديدة وغنية. وهي نفس الظاهرة التي ستُلاحظ في المجتمعات الأوربية في القرن 12م بسرعات مختلفة وخصوصيات جهوية واجتماعية. إذن، فقد ترجم الأوربيون العديد من المقالات في الجبر وعلم الفلك والهندسة، وكثيرا من المقالات الفلسفية والطبية، في حين لم يترجموا النصوص الدينية التي كان اهتمامهم بها أقل. وهذا مفهوم تماما، لأنه في اللحظة التي بدأت فيها مجموعات المجتمع الأوربي ترجمة نصوص العلم الإسلامي، بدأت بالتزامن مع ذلك الحركة القوية للحروب الصليبية. والتي كانت بالتحديد هجومات عنيفة ضد نفس الامبراطورية التي أنتجت هذا العلم.

من المفارقة أن تبدأ الترجمات أثناء فترة الصراع هذه، جاعلة من هاتين الواقعتين سيرورتين متوازينين. لم يكن مترجمو النصوص بطبيعة الحال هم من قام بالحرب. فقد كان المحاربون مدفوعين بأسباب مركبة: ايديولوجية وسياسية واقتصادية في نفس الوقت. أما الاهتمام بالعلم، فقد كان بالأحرى نتيجةً لتطور داخلي لصالح المجتمعات الأوربية، أي إنه من خلال تطورهم الاقتصادي والاجتماعي والسياسي قد أصابوا نوعا من التنظيم، أو بنية سمحت لهم بإنتاج مجموعات اجتماعية قادرة على التحرر من قوة الكنيسة كي تصير علمانية أو “إكليريكية”. لن تهتم هذه المجموعات بدراسة الدين فقط، ولكن بدراسة شيء آخر لم يكن موجودا في الصوربون، وإنما في طليطلة وبالرمو. بالتالي، وابتداء من القرن 12 سيأتي شباب لتعلم اللغة العربية في بالرمو، وطليطلة، أو بالمغرب. حيث تعلموا في البداية بشيء من السرعة، في سنة أو سنتين أحيانا ، ثم بدأوا الترجمة. وذلك نظرا لأنهم أحسوا بالحاجة إلى ذلك، وشعروا أن هذه هي لحظة استيعاب هذا العلم، ليس لأجلهم فقط، وإنما لأجل المجتمع كذلك. لماذا لم يحدث هذا من قبل؟ لأن المجتمعات الأوربية لم تكن مهيأة بعد لاستيعاب هذه المعرفة.

– إذن فإسهام هذا العلم المُنجز في البلدان الإسلامية في “العلم الحديث” كان هائلا…

أحمد جبار: إن أوربيي هذه الفترة أنفسهم من قال إن الإسهام كان هائلا. غير أنه انطلاقا من القرن 17م، سيغير المؤرخون الرأي، وسيقررون إعادة كتابة التاريخ لأسباب ثقافية وإيديولوجية محضة وواضحة. نظرا لأن أوربا بدأت في هذه اللحظة تشكل بدورها محرك العلم على المستوى العالمي. حتى وإن كان هذا لا يزال غير واضح، فإن الأوربيين كانوا على وعي بأنهم بعد أن كانوا تلاميذ للمسلمين قد أصبحوا في طريقهم ليصيروا أفضل منهم. من ناحية أخرى، فإن هذا لم يكن مضبوطا تماما، وذلك لأنهم جهلوا أن المستوى العلمي إبان القرن 16م و17م بإيران كان بدوره مرتفعا كما في بأوروبا. فقد انحط العلم في بعض أنحاء العالم الإسلامي كإسبانيا بعد حرب الاسترداد، وبقدر أقل في المغرب ومصر، ولكن لأسباب مركبة فإن الفترة الصفوية بالنسبة لإيران كانت فترة تجديد في المنطق والفلسفة والفلك … واعتبر الأوروبيون، لجهلهم بهذا، أنهم وصلوا إلى المستوى العلمي الأكثر تقدما. وبما أنهم أنتجوا علما مبنيا بشكل كلي على العلوم الإسلامية ـ أي العلوم الدنيوية، لأنهم أبعدوا العلوم الدينية ـ فمن الطبيعي أن يبدأوا في الابتكار، ليَعُووا انطلاقا من هذا قوتهم. وعندما يعي مجتمع ما قوته الذاتية، يصبح وطنيا أو شوفينيا. هذه حال كل الشعوب حتى يومنا هذا. فَهِم الأوروبيون إذن أنهم بقدر ما كانوا تلاميذ للمسلمين بقدر ما كانوا أعداء لهم في الدين، فلماذا ينتسبون إليهم إذن؟ لذا سيحاولون أن يظهروا أنهم ليسوا بورثة للمسلمين، ولكنهم ورثة تقليد قديم يبقى دائما أوروبيا، وفي هذه اللحظة سيتم إنشاء مفهوم “الإرث اليوناني”. لم يجحد المسلمون الإرث الإغريقي أبدا، بل تم إغناء هذا الإرث الإغريقي والهندي من خلال إسهامات المسلمين أثناء أربعة قرون. الشيء الذي أسس العلم الدنيوي للبلدان الإسلامية. وقد كان الأوروبيون من القرن 12م إلى 15م يعرفون هذا بشكل جيد، لكن الأوروبيين الجدد في القرن 17م احتاجوا إلى إعادة كتابة التاريخ بوجه آخر استجابة لنوع من الحاجة الهوياتية  في القرن 17 م. وشرعوا بالتالي في محو أي دور للعلماء المتخصصين في بلاد الإسلام ابتداء من القرن 17 م.

1 2 3الصفحة التالية
Science
اظهر المزيد

الأستاذ عبد العزيز النقر

حاصل على شهادة الماستر في الفلسفة

باحث بمركز ابن البنا المراكشي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق