وحدة المملكة المغربية علم وعمرانغير مصنف

حمراء غرناطة

 

المؤرخ المصري محمد عبد الله عنان

حمراء غرناطة، ذلك الصرح الذى يمثل فى تاريخ الأندلس عصراً بأسره، وحضارة بأسرها، والذى ما يزال يثير بجلاله وروعته، كثيراً من المواقف والذكريات الخالدة.

لبثت حمراء غرناطة زهاء قرنين عنواناً لمجد الإسلام ودولته، وملاذاً ساطعاً للحضارة الأندلسية، التى كانت أنوارها الباهرة تشع فى أرجاء أوربا، خلال حلك العصور الوسطى، فلما أشرفت الدولة الإسلامية على الفناء، غدت حمراء غرناطة قبرها الأخير، وطوت بين جدرانها صفحتها المجيدة. وما زالت الحمراء وساحاتها الشاسعة، وأبهاؤها الفخمة، وأبراجها الشامخة، منذ أكثر من أربعة قرون عنواناً للمجد الذاهب، وشاهداً صامتاً لجليل الحوادث والذكريات.

وتاريخ الحمراء هو تاريخ الصروح والهياكل العظيمة، التى تتبوأ مقامها الراسخ فى تاريخ الدول التى شادتها، والعصور التى شهدتها، فهو جزء لا ينفصل من تاريخ الأندلس، كما أن قصر الفاتيكان جزء لا ينفصل من تاريخ البابوية. وما تاريخ الحمراء وسير بناتها وسادتها، إلا تاريخ مملكة غرناطة، وما الحمراء ذاتها، وما تعرضه من روعة فى الصنع والإنشاء، وما تحوى من بدائع الفن والزخرف، إلا صفحة جامعة من تاريخ الحضارة الأندلسية، فالسائح المتأمل فى جنبات هذا الصرح الخالد، لا يسعه إلا أن يرتد بذهنه إلى الماضى البعيد، فيذكر قصة أمة مجيدة، كانت سيدة هذه الأرض والمهاد، وحضارة زاهرة كانت تفيض على هذه الأرض والمهاد، عظمة ونعماء ونوراً.

وللحمراء تاريخ قديم يرجع إلى القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادى) أيام الدولة الإسلامية الكبرى. وقد كانت يومئذ قلعة متواضعة. وتتحدث الرواية الأندلسية المعاصرة عن قلعة بنيت على ضفة نهر حدرُّه  El Darro  اليسرى، تسمى قلعة الحمراء، وتذكرها بالأخص أيام الحروب الأهلية التى اضطرمت فى منطقة غرناطة، بين المولدين والبطون العربية، ومما قاله شاعر من شعراء ذلك العصر هو عبد الله العبلى، فى الإشارة إلى فتن غرناطة وإلى قلعة الحمراء:

منازلهم منهم قفار بلاقع … تجارى إلسَّفا فيها الرياحُ الزعازع

وفى القلعة الحمراء تبديد جمعهم … وفيها عليهم تستدير الوقائع

كما جدَّلت آباءهم فى خلائها … أسنتها والمرهفاتُ القواطع

ولما تولى باديس بن حبُّوس زعيم البربر حكم غرناطة، واتخذها قاعدة لملكه فى أوائل القرن الخامس الهجرى، أنشأ سوراً ضخماً حول التل الذى تقع عليه القلعة المذكورة، وأنشأ فى داخله قصبة (قلعة) اتخذها مقاماً له، ومركزاً لحكومته، وسميت بالقلعة الحمراء، تجديداً لاسمها القديم. ثم زيد فى القلعة، واتسع نطاقها بمضى الزمن، وغدت حصن غرناطة وقصبتها أو بعبارة أخرى معقلها الرئيسى.

ولما غلب محمد بن الأحمر على غرناطة فى سنة 635 هـ (1238 م)، أنشأ فوق هذا الموقع القديم، وداخل الأسوار، حصنه أو قصره الذى أطلق عليه اسم الحمراء، وجلب له الماء من نهر حدرُّه، واتخذه قاعدة للملك، وأنشأ فيه عدة أبراج منيعة منها البرج الكبير المسمى برج الحراسة  Torre de la Vela،  والبرج المقابل له، وأنشأ له سوراً ضخماً يمتد حتى مستوى الهضبة. والظاهر أنه بنى مسكنه فى الجنوب الغربى من الحصن، أعنى فى نفس المكان الذى يقوم عليه قصر الإمبراطور شرلكان. ومن المرجح أن اسم الحمراء يرجع إلى قيام قصر ابن الأحمر فوق أطلال قلعة الحمراء القديمة، وليس إلى تسميته باسمه. وقد ذكر البعض أن إطلاق اسم الحمراء على صرح غرناطة الملكى يرجع إلى احمرار أبراجه الشاهقة، أو إلى لون الآجر الأحمر الذى بنيت به الأسوار الخارجية. وقيل أيضاً إن التسمية ترجع إلى لون المشاعل الحمراء التى كان يجرى البناء ليلا على ضوئها. ولكنا نؤثر الأخذ بالتعليل الأول فهو أقوى وأرجح. وما زالت ثمة بجوار قصر الحمراء أطلال القلعة القديمة تحمل إلى اليوم اسم “قلعة الأبراج الحمراء”  Castillo de Torres bermejas  وهو ما يؤيد صحة هذا التعليل لاسم “الحمراء” (1).

واستمر فى البناء من بعد محمد بن الأحمر، ولده محمد الفقيه الملقب بالغالب بالله، فأنشأ الحصن والقصر الملكى فى أواخر القرن السابع الهجرى، وأنشأ حفيده محمد إلى جانب القصر فى الجنوب الشرقى منه، مسجداً بديعاً افتن فى ترقيشه وزخرفته (2) فى المكان الذى تحتله اليوم كنيسة سانتا ماريا، التى بنيت فى القرن السابع عشر؛ ولم يبق اليوم من آثار مسجد الحمراء سوى مصباح برونزى فخم محفوظ بمتحف مدريد الوطنى.

وقد بنيت معظم أجنحة الحمراء الملكية فى القرن الرابع عشر فى عهد السلطان أبى الوليد إسماعيل، وولده يوسف أبى الحجاج، وابنه محمد الغنى بالله. ولسنا نعرف شيئاً محققاً عن المهندسين أو الفنانين الذين قاموا على إنشائها. وتدين الحمراء بفخامتها الرائعة إلى السلطان يوسف أبى الحجاج، الملك الشاعر والفنان الموهوب، فقد زاد فى القصر زيادة كبيرة، وأكمل بهو قمارش الضخم، والبرج الشاهق الذى يعلوه، وأسبغ عليه روائع الفن والزخرف، وأنشأ العقد الشاهق الذى يكون مدخل القصر الرئيسى، وهو المسمى “باب الشريعة” وهو يحمل فوق عقده، اسمه وتاريخ إنشائه (749 هـ – 1348 م). وكان اسم الحمراء يطلق على هذه المجموعة الملكية الفخمة كلها.

وتقع أبنية الحمراء فوق هضبة مرتفعة يبلغ طولها 736 متراً وعرضها نحو مائتى متر، وتشغل نحو خمسة وثلاثين فداناً. ويحيط بالحمراء سور ضخم يتخلله ثلاثة عشر برجاً، بقى منها إلى اليوم عدة، منها برج قمارش وهو أعظمها، وبرج السلاح، وبرج المتزين، وبرج العقائل، وبرج الأسيرة وغيرها (3). ويجرى نهر حدرُّه فى الوادى الواقع فى غربها، وقد جف اليوم مجراه وغطى معظمه. وموقع الحمراء ذو جمال طبيعى نادر، فهى تشرف من الشمال والغرب إشرافاً شاملا على المدينة وعلى فحص غرناطة  La Vega،  وتشرف من الشرق والجنوب على آكام جبال سيرّا نفادا (جبل شُلير). ولم يبق اليوم من قلعة الحمراء التى كانت تشغل منحدر الهضبة فى الشمال الغربى، سوى أسوارها الخارجية وأبراجها. وأما القصر الملكى فقد بقيت معظم أجزائه. ويعتبر قصر الحمراء من أبدع الآثار الإسلامية التى أبقت عليها حوادث الزمن، وليس له مثيل فى الحسن والروعة من حيث عمده الرخامية الرائعة، وعقوده، وسقوفه ذات الزخرف البديع، ويغمره الضوء والهواء بوفرة، ويبدو فى مجموعه فى منتهى الظرف والإناقة. ويقع إلى جنوب الهضبة وشرقها بستان عظيم من صنع الإسبان، تتخلله طرق حديثة صاعدة، وقد كان مكانه أيام المسلمين الساحة المعروفة بالسبيكة، وهو يغص أيام الربيع والصيف بالبلابل، ويتخلله خرير الماء المتدفق عن عدد كبير من الجداول والنوافير، وكان يجاور الحمراء أيام المسلمين حدائق منزرعة وأشجار البرتقال والورود والريحان. ويُدخل إلى هضبة الحمراء من بابها الرئيسى المسمى “باب الرمان”  Puerta de Granadas  وهو من صنع الإسبان، وقد بنى أيام الإمبراطور شرلكان، وهو عبارة عن عقد حجرى ضخم، نصبت فى أعلاه ثلاث رمانات صخرية على هيئة مثلث. ثم تسير فى طريق صاعدة حتى “باب الشريعة” وهو مدخل الحمراء، وهو عقد ضخم يبلغ ارتفاعه خمسة عشر متراً.

ويفضى باب الشريعة إلى مجاز معقود، ثم إلى درب صغير صاعد، ينتهى إلى ميدان أطلق عليه الإسبان اسم “ميدان الأجباب”  Plaza de los Aljibis  ومنه ترى لأول مرة مجموعة الصروح والأماكن الأثرية التى تضمها قصبة الحمراء.

فإلى يمينك ترى القصر الذى أنشأه الإمبراطور شرلكان جنوبى قصر الحمراء، وعلى موقع بعض أجزائه، وإلى يسارك ترى الساحة التى يطلق عليها اسم القصبة أو الحصن، وفى نهايتها البرج الضخم المسمى “برج الحراسة”  Torre de la Vela  وهو يشرف عالياً على مرج غرناطة كله، وهذا البرج هو الذى اختاره الإسبان عند دخولهم غرناطة لرفع الصليب، وما يزال هذا الصليب الذى وضع يوم دخول الإسبان قائماً فى مكانه، وهو صليب خشبى كبير وضع عى الزاوية الشمالية الغربية وأمامك ترى جانباً من قصر الحمراء، وهو الذى يسميه الإسبان “القصر العربى”  Palacio Arabe.

ويمكن أن نقسم أبنية قصر الحمراء إلى مجموعتين أو جناحين كبيرين، الأول قصر قمارش، الذى يضم البهو المسمى بهذا الإسم وبرجه الشاهق، وقد كان هذا الجناح هو المقام الرسمى لملوك غرناطة، وسمى بقصر قمارش نسبة إلى البهو الفخم الذى يقع تحت برج قمارش، والذى كان يعقد فيه السلطان مجالسه الرسمية، وكان به مجلس العرش.

والثانى قصر السباع، وهو الذى يتوسطه بهو الأسود أو بهو السباع ونافورته الشهيرة.

 

1 – قصر قمارش

والجناح الأول هو أول ما يرى الزائر، تتقدمه الساحة المعروفة “بفناء البركة”  Patio de Al-Berca،  أو فناء الريحان، وهى عبارة عن فناء كبير مستطيل مكشوف، تتوسطه بركة من الماء تظللها أشجار الريحان.

ويفضى فناء الريحان من ناحيته الشمالية، إلى بهو صغير به قبلة زينت بنقوش بديعة، ويفضى هذا البهو الصغير بدوره إلى أعظم وأفخم أبهاء الحمراء، وهو بهو قمارش، أو بهو السفراء  Salon de Embajadores  كما يسميه الإسبان.

وبهو قمارش، هو عبارة عن بهو مستطيل، طوله ثمانية عشر متراً وعرضه أحد عشر، تعلوه قبة خشبية شاهقة يبلغ ارتفاعها ثلاثة وعشرون متراً، وقد حفرت زخارفها على شكل النجوم، وزخرفت جدرانها على نفس الطراز، وفى هذا البهو كان يعقد مجلس العرش، ولهذا سمى أيضاً بالمشور. ويعلو بهو قمارش، البرج المسمى بهذا الاسم وهو برج شاهق فى مثل مساحته.

وقد بدأ بإنشاء بهو قمارش، السلطان أبو اليد إسماعيل، فى أوائل القرن الثامن للهجرة (أوائل الرابع عشر الميلادى) وأكمله ولده السلطان يوسف أبو الحجاج. وأروع ما فيه زخارف قبته التى احتفظت بنقوشها الأصلية؛ أما نقوش الجدران، فإنها مع جمالها ليست إلا تجديداً مقلداً لنقوشها القديمة، قام بها الفنانون الإسبان. وقد وردت فيها العبارة الآتية مكررة “عز لمولانا السلطان أبى الحجاج”، وتخللها فى سائر جوانبها شعار بنى نصر المشهور، وهو “ولا غالب إلا الله” ويفضى بهو البركة من ناحيته اليمنى إلى فناء سفلى يعرف بفناء السرو، وقد زرعت فيه بالفعل بعض أشجار السرو. وليس لهذا الفناء أهمية أثرية تذكر، وهو من صنع الإسبان، وإلى جانبه يقع جناح الحمامات السلطانية.

وتقع شرقى فناء البركة، قاعة الأختين  Sala de las dos Hermanas،  وقد سميت بهذا الاسم لأن أرضها تحتوى على قطعتين متساويتين من الرخام، فريدتين فى ضخامة الحجم.

 

2 – قصر السباع

وتفضى قاعة الأختين من بابها الجنوبى، إلى أجمل وأشهر أجنحة الحمراء، ونعنى بهو السباع، أو بهو الأسود وما إليه.

ويعتبر فناء السباع أو كورة السباع  Patio de los Leones،  أجمل وأرشق أبهاء الحمراء. وقد قام بإنشائه السلطان محمد الغنى بالله، الذى حكم من سنة 1354 – 1391 م، وما زال اسمه ماثلا فى مواضع كثيرة من هذا الجناح.

وهو عبارة عن فناء مستطيل مكشوف، طوله خمسة وثلاثون متراً، وعرضه عشرون، تحيط به من الجوانب الأربع مشرفيات أو أروقة ذات عقود، تحملها مائة وأربعة وعشرون عموداً من الرخام الأبيض، صغيرة الحجم، متناهية فى الجمال والرشاقة، وعليها أربع قباب مضلعة، تقع كل واحدة منها وسط ضلع من أضلاع المستطيل.

وفى وسط الفناء نافورة الأسود الشهيرة، وهى عبارة عن نافورة ماء، يحمل حوضها المرمرى المستدير الضخم، اثنا عشر أسداً على شكل دائرة، وقد نقشت فوق دائرة هذا الحوض اثنتى عشر بيتا من قصيدة ابن زمرك الشهيرة فى وصف الحمراء، أمام كل أسد بيت منها، وهذا مطلعها:

تبارك من أعطى الإمام محمدا … مغانىَ زانت بالجمال المغانيا

وإلا فهذا الروض فيه بدايع … أبى الله أن يلقى لها الحسن ثانيا

وفى منتصف الناحية الجنوبية من بهو السباع، يوجد مدخل قاعة بنى سراج  Sala de los Abencerrajes،  وهو اسم الأسرة الغرناطية الشهيرة، التى لعبت دوراً كبيراً فى حوادث غرناطة الأخيرة. وهى عبارة عن مستطيل طوله اثنا عشر متراً وعرضه ثمانية، وفوقه قبة عالية مضلعة، وفى وسطه حوض نافورة مرمرى مستدير، وفى قاعه بقع داكنة ثابتة، تزعم الأسطورة أنها آثار من دماء بنى سراج، الذين دبر لهم السلطان كميناً، واستدرجهم إلى الحمراء، ودبر مقتلهم فى هذه القاعة واحداً بعد الآخر.

وفى الناحية الشرقية لفناء الأسود، يوجد مدخل القاعة التى تسمى قاعة الملوك  Sala de los Reyes  أو قاعة العدل، وبها ثلاث عقود أو حنايا، رسمت فى سقف الحنية الوسطى منها، صور عشرة فرسان مسلمين، يلبسون العمائم ويجلسون على وسائد، وهيئاتهم تشع بالوقار والعزة، ويقول بعض الباحثين إن هذه هى صور ملوك غرناطة العشرة، الذين سبقوا أبى عبد الله فى تولى العرش.

وفى شمال فناء الأسود يقع البهو المسمى “منظرة اللندراخا”  Mirador de Lindaraja.  ويوجد بين قاعة الأختين وبين منظرة اللندرخا، باب يفضى إلى ساحة مستطيلة لم تكن من أبنية الحمراء الأصلية، ولكنها أنشئت أيام الإمبراطور شرلكان.

ويتصل بهذه الساحة رواق ضيق يفضى إلى متزين الملكة  Peinador de la Reina،  وهو عبارة عن بهو صغير منخفض، وقد أنشىء فى القرن السادس عشر، ورسمت على جدرانه صور وزخارف نصرانية من طراز عصر الأحياء.

تلك هى محتويات قصر الحمراء، ولا يتسع المقام هنا لننقل إلى القارىء، ما نقش على جدرانه، وما فى قبابه من النقوش والقصائد العديدة. ولكن الذى يلفت النظر بنوع خاص، أن شعار بنى نصر وهو “ولا غالب إلا الله”، قد نقش فى كل ركن من أركانه، وكل ناحية من نواحيه. وتكرار هذا الشعار على هذا النحو يبعث إلى النفوس شعور النبؤة والنذير، ويذكرها بالمأساة الخالدة، التى توالت حوادثها بين هذه الجدران الصامتة، التى يكاد الأسى يرتسم على زخارفها العربية ونقوشها الإسلامية (4).

وهناك على مقربة من قصر الحمراء، يقع أثر أندلسى آخر هو قصر جنة العريف  El Generalife،  وهو يقوم على ربوة مستقلة عالية، تقع فى ركن منعزل فى شمال شرقى الهضبة، ويشرف من ربوته العالية على صروح قصبة الحمراء، وتبدو من ورائه آكام جبال سيرّا نفادا الشامخة (جبل الثلج). وهو عبارة عن صرح صغير أنيق المنظر، قد اختلطت أوضاعه العربية السفلى، بما أنشأه الملوك الإسبان فوقها من أبنية دخيلة، وتجوز إليه من مدخل بسيط متواضع، يفضى إلى ساحة فسيحة، قد أقيم على جانبها رواقان ضيقان طويلان، وفى وسطها بركة ماء، وقد غرست حولها الرياحين والزهور الساحرة.

وقد كان قصر جنة العريف فيما يبدو مصيفاً أو متنزهاً لسلاطين غرناطة، يؤمونه للاستجمام والراحة، والاستمتاع بجمال موقعه، وروعة المناظر الطبيعية التى تحيط به.

ولم ينج هذا الأثر الإسلامى العظيم، عنوان الحضارة الأندلسية الباهرة، من يد العدوان والتشويه المنظم. فقد كان مثل بناته المغلوبين ضحية السياسة الإسبانية الغاشمة، وقد عمل الإسبان منذ سقوط غرناطة على محو جمال الحمراء الرائع بأعمال تخريب وتشويه متتالية، فمسخوا الزخارف والنقوش أو محوها، ونقلوا الأثاث والرياش أو أتلفوه، وبنى الإمبراطور شرلكان فى سنة 1526 م إلى جانب الحمراء فى الجنوب الغربى منها قصراً جديداً، وهدم معظم القصر الشتوى القديم ليفسح مكاناً للقصر الجديد. وعمل فيليب الخامس (1700 – 1746) على مسخ طراز الغرف العربى، واستبداله بالطراز الإيطالى؛ وأتم تشويه القصر بإقامة حواجز سدت المنافذ والطرق بين مختلف الأجنحة. وعلى الجملة فقد تركت الحكومات الإسبانية المتعاقبة هذا الأثر الإسلامى العظيم فى زوايا الإهمال، وأسلمته إلى يد العفاء والتخريب، ولم تعن بإصلاحه وترميمه فى العصور الأولى إلا مرة واحدة، فى أواسط القرن السادس عشر. وفى سنة 1590 وقع بالحمراء حريق تسبب عن انفجار مصنع بارود مجاور، فأصابها بأضرار كبيرة. ومنذ القرن السابع عشر تغلب مظاهر الخراب على الحمراء، ويسودها النسيان والوحشة. وفى سنة 1802 م -أيام الغزو النابليونى- نسف الفرنسيون بعض أبراجها ولم ينج القصر إلا بأعجوبة.

وفى أواسط القرن التاسع عشر، أفاقت الحكومة الإسبانية من سباتها الطويل، وعنيت بإصلاح الحمراء وترميمها، واستمر الترميم والإصلاح فيها زهاء نصف قرن، وتبدو الحمراء اليوم فى ثوبها المجدد، وقد جددت الزخارف والنقوش القديمة فى معظم الأبهاء، وفقاً لأوضاعها ونصوصها القديمة، ولكن تتخللها أخطاء المطابقة والنقل فى مواطن كثيرة.

ولكن الحمراء مازالت بالرغم من كل ما أصابها من ضروب التشويه والإهمال، تعتبر أعظم الآثار الأندلسية الباقية، كما تعتبر نموذج للفن الأندلسى فى تطوره النهائى، بعد تحرره من أثر الفن البيزنطى. وهى اليوم علم على غرناطة تشتهر بها عاصمة الأندلس القديمة فى سائر الآفاق، ويهرع إليها الرواد من كل صوب ليصعدوا إلى هضبة الحمراء، ويقضون لحظات فى تأمل صرحها الرائع (5).

 

وقد لبثت الحمراء بأبراجها المنيعة، وأجنحتها الملوكية البديعة، زهاء قرنين مقاماً فخماً لملوك غرناطة، وحصناً أميناً يعتصمون به وقت الخطر والأزمات العامة، حتى شهدت فى النهاية ذهاب ملكهم، كما شهدت من قبل عظمتهم وسلطانهم.

وإلى جانب الحوادث التاريخية التى كانت الحمراء مسرحها، والتى فصلناها فى مواضعها، تتبوأ القصة والأسطورة فى تاريخ الحمراء مكاناً كبيراً، وتقدم للقصصى مادة شائقة مؤثرة. ويرجع معظم هذا القصص إلى الفترة الأخيرة من حياة مملكة غرناطة، وإلى حوادث مصرعها النهائى، وقد كانت الحمراء كما رأينا مسرح كثير من حوادث المأساة، وكانت بالأخص مسرح فصلها الختامى.

 

أجل إن للحمراء إلى جانب تاريخها الحافل، تراثها من القصص والأساطير، وهو تراث يمتزج أحياناً بالتاريخ الحق، ويجنح أحياناً إلى الأسطورة الشائقة.

بيد أنه يثير الشجن دائما، وينفث الإعجاب والسحر. ذلك أنه مستمد من الحوادث والذكريات العظيمة، التى ترتبط بتاريخ غرناطة، ومن الروايات المؤثرة التى ذاعت عن مصرعها، وعن بسالة فروستها، حين المعركة الحاسمة، وعن خلال مجتمعها، ومخاوفه وهواجسه وآماله. وإذا كان المؤرخ لا يجد فى هذا التراث دائماً، مادة وثيقة يستطيع الوقوف بها، فإنه يجد على الأقل صوراً مؤثرة مما تسبغه الروايات المعاصرة، على تلك الحوادث العظيمة، من ألوان الروع والشجن والأسى.

وفى هذه الحوادث المشجية يغلب التاريخ على الرواية والقصة. ولكن توجد إلى جانب ذلك طائفة من الأساطير الشائقة، التى أحاطت بها الرواية الإسبانية قصة الحمراء، وقصة أبهائها وأبراجها. وأول ما يروى فى ذلك أن منشىء قصر الحمراء السلطان محمد الغالب بالله (ابن الأحمر) (671 – 701 هـ) كان ساحراً، وأنه استعان بالسحر والشياطين فى إنشاء الحصن والقصر، ومن ثم استطاعت الجدران والأبراج المنيعة أن تغالب فعل الحوادث والعواصف والزلازل حتى يومنا، دون أن تتصدع أو تنهار. والسر فى ذلك يرجع إلى الطلاسم والتعاويذ السحرية التى تحمى البناء من كل شر. وتقول الأسطورة إن الحمراء لن تنهدم أو تسقط إلا حين يميل اللسان المثبت فى أسفل البرج الخارجى، ويصل إلى موضع القفل، فعندئذ تنهار الحمراء دفعة واحدة، وتنكشف جميع الكنوز التى أودعها المسلمون فى أعماقها.

وعلى ذكر هذه الكنوز تقول الأسطورة إن المسلمين عندما سقطت غرناطة فى أيدى النصارى، كانوا يعتقدون أن سقوطها حادث مؤقت، وأن دولة المسلمين فى الأندلس لن تلبث أن تعود قوية عزيزة، وأن بعدهم عن أوطانهم لن يطول، ولذلك عمدوا إلى إخفاء ذخائرهم وحليهم وأموالهم فى أعماق الحمراء، فى جوانب متعددة منها، وأنهم لجأوا فى حفظها وحمايتها إلى السحر، فرصدوا لحفظها الطلاسم والأسماء. وقد يبدو حراسها أحياناً فى صور مردة أو وحوش، أو فرسان مسلمين مدججين بالسلاح، يسهرون عليها أبد الدهر جامدين لا يغمض لهم طرف.

وليس فى الحمراء برج أو بهو أو قاعة، إلا اقترن ذكرها بقصة هذه الكنوز الخفية؛ وكانت الأسطورة تضطرم من عصر إلى آخر، ولاسيما فى جنوبى اسبانيا، كلما كشفت المباحث الأثرية فى أنحاء الحمراء أو حولها، عن بعض النقود والتحف الإسلامية.

وتقدم إلينا الرواية بعض الأساطير المروعة عن “بهو السباع” والبهو الذى يقابله وهو المسمى بهو بنى سراج. فأما بهو السباع فتزعم الرواية أنه كان مسرحاً دموياً لمصرع بعض أبناء السلطان أبى الحسن. وأما بهو بنى سراج فتقول الرواية إنه كان مسرحاً لمصرع بنى سراج أعرق الأسر الغرناطية وأوفرها جاهاً وفروسة، وكانت فى أواخر عهد السلطان أبى الحسن قد انتظمت إلى جانب خصومه، وأمعنت فى مناوأته، فقرر إهلاكهم (6). وقيل إن عميدهم محمد بن سراج، وهو من أكابر الفرسان والسادة، هام بحب أميرة من البيت المالك، فوجد عليه السلطان وقرر سحق الأسرة كلها، ودبر كميناً لإهلاكهم، فدعا أكابرهم ذات مساء إلى حفل أقامه، وأدخلوا واحداً بعد واحد بترتيب معين، من باب البهو المذكور، وكلما دخل أحدهم بادره القتلة ونحروه على حافة الحوض الرخامى الواقع وسطها، حتى أعدموا جميعاً، وفقدت الأسرة كل أنجادها. وسمى المكان من ذلك الحين “بهو بنى سراج”. وما زالت ثمة بقع داكنة فى قاع الحوض الذى سالت فيه دماء القتلى تقول الرواية إنها بقع من دمائهم، وإنها لن تمحى قط، وتزيد الأسطورة على ذلك أنه ما زالت تسمع فى ذلك البهو فى بعض الليالى أنات خافتة، وقعقعة سلاح، وأنه حدث أكثر من مرة أى رأى حراس الحمراء فى جوف الليل، بعض الجند المسلمين، وقد لمعت أثوابهم الزاهية وأسلحتهم البراقة، يقطعون البهو جيئة وذهاباً (7).

وهناك طائفة كبيرة من الأساطير الغرامية، تروى عن الملوك والسادة الذين سكنوا الحمراء، وعن أبهائها الفخمة وأبراجها القائمة، ويقال إن كثيراً من الأميرات والغيد الحسان الذين استحقوا اللعنة الملكية زجوا إلى أقبيتها أو أبراجها السحيقة وأعدموا فى ظلماتها. ومن ذلك ما تزعمه الأسطورة من أن سلطاناً مستبداً من سلاطين غرناطة سجن بناته الثلاث فى أحد أبراج الحمراء، ولم يك يسمح لهن إلا بالتريض ليلا فى بعض التلال المجاورة بحيث لا يراهن إنسان قط، وأن أولئك الأميرات الثلاث ما زلن يظهرن فى بعض الليالى المقمرة فى هاتيك التلال، يمتطين جيادهن الفخمة، وتسطع حليهن النفيسة تحت أشعة القمر، فإذا حاول إنسان أن يخاطبهن أو يزعجهن، اختفين فى الحال تحت جنح الظلام.

وقد ذاعت هذه الأساطير عن الحمراء وعن ملوكها، ودونت عقب سقوط غرناطة، فى بعض التواريخ والقصص المغرق. ومن ذلك كتاب ظهر فى أواخر القرن السادس عشر عنوانه ” حروب غرناطة الأهلية ”  Guerras civiles de Granadas  وزعم مؤلفه، وهو اسبانى من أهل مرسية يدعى خينس بيرث دى إيتا  Gines Perez de Hita  أنه نقله عن مؤلف لكاتب أندلسى يدعى ابن أمين، وهو مزيج من بعض الوقائع التاريخية المحرفة، وكثير من القصص الخرافية، ويدور معظمه حول حوادث غرناطة الأخيرة ومعاركها الأهلية، وأحوال بلاطها وما يقع فيه من مكائد ودسائس سياسية وغرامية، ومنافسات بنى سراج وبنى الثغرى وغيرهم من أنجاد غرناطة. وقد ذاع هذا المؤلف فى اسبانيا ولاسيما فى ريف الأندلس، وترجم إلى لغات عديدة. بيد أنه يبدو من سياقه أنه لا يمكن أن يكون ترجمة لرواية عربية، وكل ما هنالك أنه مزيج من بعض الأساطير النصرانية والشعبية، التى ذاعت فى ذلك العصر عن حوادث غرناطة، وأذكاها خيال الأحبار، والفرسان، وأذكتها بالأخص عوامل دينية وسياسية خاصة.

هذا بعض ما يروى من قصص الحمراء وأساطيرها. وإذا كان المؤرخ لا يستطيع أن يقف بهذا التراث المغرق من القصص والأساطير، فإنه يستطيع على الأقل أن يستخرج منه مغزى بليغاً، وهو مغزى ينم فى كثير من الأحيان عما كان للأندلس المسلمة فى اسبانيا وفى الغرب، من عظيم الهيبة والشأن، وما كان لذكريات غرناطة وحمرائها من بالغ الروع والسحر والإجلال (8).

 

 

ورحم الله شوقى إذ يقول فى سينيته الأندلسية الشهيرة فى رثاء الحمراء:

لا ترى غير وافدين على التا … ريخ ساعين فى خشوع ونكس

نقلوا الطرف فى نضارة آس … من نقوش وفى عصارة ورس

وقباب من لازورد وتبر … كالربى الشم بين ظل وشمس

وخطوط تكفلت للمعانى … ولألفاظها بأزين لبس

وترى مجلس السباع خلاء … مقفر القاع من ظباء وخُنس

لا ” الثريا “ولا جوارى الثريا … ينزلن فيه أقمار إنس

مرمر قامت الأسود عليه … كلة الظفر لينات المجس

تنثر الماء فى الحياض جمانا … يتنزى على ترائب ملس

آخر العهد بالجزيرة كانت … بعد عرك من الزمان وضرس

يا دياراً نزلت كالخلد ظلا … وجنًى دانياً وسلسال أنس

لا تحس العيون فوق رباها … غير حور حُو المراشف لعس

كسيت أفرخى بظلك ريشا … وربا فى رباك واشتد غرسى

هم بنو مصر لا الجميل لديهم … بمضاع ولا الصنيع بمنسى

من لسان على ثنائك وقف … وجنان على ولائك حبس

حسبهم هذه الطلول عظات … من جديد على الدهور ودرس

وإذا فاتك التفات إلى الما … ضى فقد غاب عنك وجه التأسى

 

_______

(1) راجع المغرب فى حلى المغرب لابن سعيد ج 2 ص 125، ومقدمة المستشرق جاينجوس لأطلس “الحمراء”  Alhambra  الذى تقدمت الإشارة إليه، ص 5 الهامش وص 7 و 8. وراجع أيضاً المستشرق سيبولد فى  Ency. de l’Islam  تحت كلمة  Alhambra.

(2)  اللمحة البدرية ص 50. وراجع الإحاطة فى أخبار غرناطة ج 1 ص 554 و 555.

(3) وهى بالإسبانية على التوالى: ‘ T. de las Armas’ ‘Torre de Comares T. de la Cautiva’ ‘T. de las Damas’ ‘T. del Peinador  وفيما عدا برج قمارش، فإن هذه الأسماء كلها من تسمية الإسبان

(4) يجد القارىء وصفاً ضافياً لقصر الحمراء ومنشآته، ونقوشه، فى كتابى “الآثار الأندلسية الباقية”. الطبعة الثانية ص 184 – 214

(5) هذا وقد رجعنا فى كتابة هذا الفصل أيضاً إلى كتاب  Alhambra  المنشور بعناية السنيور  M. Gomez – Moreno  فى سلسلة  El Arte en Espana

(6) راجع رواية هرناندو دى بايثا المنشورة ضمن ” أخبار العصر ” ص 66.

(7) يلاحظ أن الرواية الإسلامية لا تحدثنا عن هذه المأساة بشىء. ولكن الرواية والأغانى الإسبانية تكثر الحديث عنها. ويشير الوزير محمد بن عبد الوهاب الغسانى سفير ملك المغرب إلى ملك اسبانيا فى أواخر القرن السابع عشر إلى تلك الأسطورة فى رحلته نقلا عن التواريخ الإسبانية (راجع رحلة الوزير فى افتكاك الأسير ص 24). وقد كانت حوادث هذه المأساة المزعومة وما اقترن بها من الأساطير مستقى خصباً لكتاب القصص. وقد وضع الكاتب الفرنسى شاتوبريان عن بنى سراج قصة عنوانها مغامرات ْآخر بنى سراج ( Aventure du dernier Abencérrages)  يحدثنا فيها عن فتى أندلسى هو آخر سليل لبنى سراج، وكانت الأسرة قد نزحت إلى تونس عقب سقوط غرناطة، وعاشت هناك فى فقر وضعة، فاعتزم الفتى أن يحج إلى غرناطه موطن آبائه القديم، وهنالك هام حباً بفتاة اسبانية رائعة الحسن، وهامت بحبه، ولكن اختلاف الدين حال دون زواجهما، فارتد الفتى المسلم إلى الصحراء وانقطع أثره، وعاشت حبيبته فى عزلة محتفظة بحبه وذكراه

(8) جمع الكاتب الأمريكى واشنطون إيرفنج  W. Irving  طائفة من الأساطير والقصص التى تتعلق بالحمراء وكنوزها وملوكها فى كتابه:  Tales of the Alhambra

 

مقتطف من كتاب دولة الإسلام في الأندلس، مكتبة الخانجي، القاهرة، ج5.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق