مركز الإمام الجنيد للدراسات والبحوث الصوفية المتخصصةدراسات عامة

حكميات عطائية: “مَا نَفَعَ القَلْبَ شَيْءٌ مِثْلُ عُزْلَةٍ يَدْخُلُ بِهَا مَيْدَانَ فِكْرَةٍ”

     لما تكلم سيدي ابن عطاء الله السكندري على ضرورة الخمول والخفاء في الحكمة المتقدمة؛ سعيا لتحصيل أعلى قيم الارتقاء، وذلك في حق السالك ابتداء، وأن المرء انتهاء لا ينبغي أن يطلب لا خفاء ولا ظهورا؛ إذ أن من أحب الظهور فهو عبد الظهور، ومن أحب الخفاء فهو عبد الخفاء، ومن كان عبدا لله فسواء عليه أظهره أو أخفاه كما أشار إلى ذلك سيدي أبي العباس المرسي، فإن الموصل إلى الخلاص وتحقيق الخمول، إنما هو العلم الوافي عن الفكر الصافي، ومقدمته إنما هي العزلة، ثم الخلوة…، فبالعزلة يسلم من الأغيار، وبالفكرة يستجلي الأنوار، وكل عزلة لا تصحبها فكرة فإلى الـمَـحْقِ مآلها، والفكرة لا تصح بدون عزلة؛ فالعزلة منزل الفكرة[1]، وهي إشارة إلى أن أرباب التصوف يوثرون الخمول والعزلة لا لذاتها، فكل خمول وعزلة لا تصح عندهم إلا أن تُنتج شيئا يتعدى إلى الآخرين، وإلا كان تثبيطا منهم لمن اندرج في سلكهم، وتشويها لحقيقة الإسلام.

     فإن قلت: إنَّ كثيرا من أهل الخصوصية لم ينقطعوا عن مُلابَسَةِ الخلق، ولم يعتزِلوهُم، ومع ذلك كان منهم ما كان، فما معنى ما يقولون: أن من أركان الولاية، الاعتزال الدائم.

      قلت: أما أهل الجذب فلا كلام عليهم، لأن اشتراط الاعتزال إنما هو في طريق السلوك، والطريق الجادة للسالكين هي هذه، لكن قد يحصل لهم الاعتزال في بدايتهم حتى يَقْوَوْنَ ويدخُلُون حضرة القرب، ويُشَاهدُون ما فيها فلا تضُرُّهُم مُلاَبَسَة الخلق بعد ذلك، لأنهم بائنون عنهم بقلوبهم، وإن لابَسُوهُم بأجسامهم، وذلك بمنزلة من كان له بستان يستحسن ما فيه من الأنهار /والأشجار، وتتعلق به وجهتُهُ وينشغل به قلبُه، فاتفق أن أُدخِلَ بستان الملك، فلما رأى ما فيه من المحاسن العظيمة التي لم يحتو بُستَانُه على شيء منها، صار إذا دخل بستانهُ صَغُرَ في قلبه، ودقَّ في نظره، ولم يبق له عنده موقع، فلا يشتغل به قلبُه، ولا تتعلق به وجهَتُهُ، وهذا تقريب، وإلا فمحاسن حضرة الحق لا تقاس بهذا (…).

     وانظر قضية سيدنا موسى حيث كان إذا رجع من المناجاة وسمع كلام الخلق يَتَقَيَّأُ مِنهُ، ورأى ابن الأسمر رضي الله عنه حَورَاءَ فكلمته في النوم، فبقي مُدَّة لا يستطيع أن يسمع كلام الناس، وإذا سمعه كاد أن يموت من شِدَّةِ وَحشَتِهِ، ولهذا قال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه: «إنا لا نرى الخلق شيئا، وإن كان ولابُدَّ، فإنَّا نراهم كالهَبَاءِ في الهواء، إذا فَتَّشتَهُم لم تجدهم شيئا»[2]، وهذه الطريقة هي التي شرعها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنَّه كان يعتزل الخلق، ويختلي في غار حراء، حتى نزل عليه الملَكُ فيه، وهي التي سلكها الأكابر[3].

     فمُريدَ الوُصُولِ إلى الله قد أراد أن يُبايِنَ الخلق في طريقهم غير الجارِيَةِ على سَنَنِ الاستقامة، ويُخَالِفَهُم فيما هُمْ عليه من التعلُّقِ بالدنيا، ويَعتَزِلَهُم في ذلك كله، مأمور بأن يعتزلهم حِسًّا، ويهجُرَهُم رَأساً حتى لا يَرُدّهُ شهودُ أحوالهم إلى أحوالهم، فإن الطباع تسرق الطباع، وانظر ما فتح الله لأهل الكهف، إذ قال بعضُهُم لبعض ﴿وإذا اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف﴾ [سورة الكهف آية 16]، أي حيث اعتزلتُمْ قَومَكُمْ اعتزالا معنويا، فبايَنْتُمُوهُم في الدين فاعتَزِلُوهُم اعتزالا حِسِيًّا، فإن معاشرة الأضداد لا تجلب إلا الشر والفساد[4]

فتكون بذلك العزلة عزلتين: عزلة بالأبدان وهي للعباد والسالكين والزهاد المريدين؛ وهي تحقيق الإرادة بالصدق وصريح الإيمان، ومتعلقاتها ما تقدم ذكره[5].

     وعزلة بالجنان وهي للأكابر العارفين، وأفاضل الصديقين؛ فعزلتهم بالجَنان دون الأبدان، مباينين الخلق بالقلوب والقوى القائمة بالأركان، دون التغيب بالأبدان، فكيفما تقلبت بهم الأحوال فالله تعالى جليسهم، وبين جلسائهم أنيسهم؛ كما قالت رابعة العدوية رضي الله عنها في بعض ما يروى عنها:

                                           ولقد جعلتك في الفؤاد محدثي       وأَبَـحْت جسمي مؤنسا لجليسي

فمن كان كذلك فخلطته عزلة، وعزلته خلطة، فإذا خالط الخلق كان مباينهم بقلبه، معتزلا عنهم بوجوده لربه، وإذا اعتزلهم كان مصاحبهم بربه؛ لشهود الكثرة الخلقية في الوحدة الحقية اضمحلالا واندراجا، والوحدة في الكثرة الخلقية إحاطة وعلما وشهودا، وحفظا وقياما، وتصرفا واحتكاما[6].

ومن ذلك ما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: “لي وقت لا يسعني فيه غير ربي”[7].

وقيل في هذا المعنى:

بعزلة الـمرء يسلم من مـعاطبه        ويبرأ القلب من الأمراض والعلل

بصافي الفكر يدرك من مآربـه        ويبلغ السـؤل والمطلوب والأمـل[8]

الهوامش

[1] شرح زروق ص:37 تحقيق: عبد الحليم محمود، دار الشعب-القاهرة، 1985م

[2] لطائف المنن: ابن عطاء الله، ص:160.

[3] شرح الحكم العطائية لابن زكري، ص:157.

[4] شرح الحكم العطائية لابن زكري، ص:158.

[5] “شفاء السقم” للشيخ براس، ص:160.

[6] “شفاء السقم” للشيخ براس، ص:162.

[7] “المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة” لشمس الدين أبي الخير محمد بن عبد الرحمن بن محمد السخاوي (ت:902هـ)، تحقيق: محمد عثمان الخشت، دار الكتاب العربي – بيروت، ط1/1405 هـ – 1985م، ص:565، رقم الحديث:926.

[8] “شفاء السقم” للشيخ براس، ص:164.

Science

د. محمد المنصوري

باحث بمركز الإمام الجنيد للدراسات والبحوث الصوفية المتخصصة بالرابطة المحمدية للعلماء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق