وحدة الإحياءدراسات عامة

حقوق الإنسان مقصدا من مقاصد الشريعة الإسلامية

من أبرز سمات عالمنا الراهن التركيب والتداخل والسرعة وفداحة وكبر الآثار التي تترتب عن التصرفات بسبب ذلك، ومن هنا فإن من مقتضيات العيش في العصر الراهن القدرة على استيعاب هذه السمات من جهة، ثم القدرة على التجاوب معها بفعالية وإيجابية من جهة ثانية.

ويبرز الفكر المقاصدي[1] اليوم باعتباره مجالا علميا غنيا، يمكن إذا تم تسييقه، أن يفتح أمام الباحثين، في هذا الجانب، أبوابا جديدة للاشتغال والإبداع، أبوابا يستطيعون، إن ولجوها بمسؤولية، القيام بقراءة متجددة لنصوص الوحي، وامتلاك آليات جديدة للاجتهاد والتجديد، وتنزيل متجدد للأحكام على الوقائع، كما سوف يمكّنهم ذلك من تقريب إدراك فحوى الشرع والشريعة من العالمين.

ويتجلى البعد الوظيفي للمقاصد أكثر، انطلاقا من كون العلم بالمقصد المراد من الحكم الشرعي، يكتسي أهمية قصوى في فهمه الفهم السليم من جهة، وكذا في تنزيله التنزيل الرشيد والناجع من جهة أخرى؛ بناء على أن كل مسألة تفتقر إلى نظرين: أحدهما في دليل الحكم، والآخر في مناط الحكم؛ وضابط ذلك أن تنزيل الحكم الشرعي بعد ثبوته بمُدركه يتوقف على عدة أمور في مقدمتها؛ الوعي بسياق التنزيل (سياق الحال أو المقام)، ثم دراسة مناطه تحقيقا في نطاق النوع (تحقيق المناط العام)، وتصديقا في نطاق العين (تحقيق المناط الخاص) وهو أخص وأدق من سابقه.

مما يقتضي ضرورة الجمع عند إجراء الأدلة بين المقدمات النقلية، والموضوعات المناطية (سياق الخطاب، والتخاطب، والتنويط)، مع الوعي بالمقتضيات العامة للتنزيل بأبعادها الزمانية والمكانية، ومعطياتها الاجتماعية والعلمية، واستحضار العلوم الخادمة والمعارف اللازمة في هذا الباب.

أولا: في محورية المقاصد للاجتهاد والتجديد

من المسلّم به عند علماء الأمة، أن أحكام الشريعة الإسلامية إنما شرعت لتحصيل مقاصد؛ غايتها تحقيق مصالح الناس في العاجل والآجل، وبعض هذه المقاصد منصوص عليه في القرآن الكريم، والسنة الشريفة على وجه التصريح، وبعضها مشار إليه على وجه الإيماء والتنبيه، والدوران والإخالة، والسبر والتقسيم، وبعضها منضبط وظاهر بحيث لا يختلف النظار في تحديده والاعتداد به.

وقد روعي في كل حكم من أحكام الشريعة إما حفظ ومراعاة ضرورة من الضروريات الخمس المعهودة: (الدين والنفس والعقل والنسل والمال)، أو غيرها من الضروريات المستحدثة، تبعا لتطور الحياة الاجتماعية وتركيبها، وتعدد مستلزماتها؛ وهي الضروريات التي تمثل الأساس الذي ينبني عليه الاجتماع والعمران البشري في كل زمان ومكان؛ وإما مراعاة وحفظ المصالح الحاجية، التي لولا ورودها على الضروريات لَلَحِق بالناس قدر غير يسير من الضيق والعنت والحرج؛ وإما مراعاة وحفظ المصالح التحسينية، التي جرى ربطها بمكارم الأخلاق ومحاسن العادات. وهو الربط الذي وسعه باحثون معاصرون ارتقوا بالأخلاق إلى مستوى المبدأ المرجعي الحاكم لكل المصالح.

وحري بالذكر أن مقاصد الشريعة رغم تعددها وتنوعها، فإنها تتركز في مقصد كلي جامع جرى التعبير عنه تارة بـ”جلب المصالح ودرء المفاسد”، وتارة بـ”تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها”، كما جرى النظر إلى فريضة “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” باعتبارها ترجمة سلوكية لجلب المصالح ودرء المفاسد.

وقد وظف مقاصديونا نظرية المقاصد في صلتها القوية بمبدأ المصلحة، سعيا لصياغة تشريعية متجددة تحاول المزاوجة بين النص والسياق، وبين الأحكام ومناطاتها، سعيا لبلورة مشروع إصلاحي نهضوي للأمة يمكنها من استئناف رسالتها في الشهود الحضاري الذي لا يُتصور تحققه بدون الاضطلاع بواجب الاستخلاف والتعمير المستمد من المقاصد العليا للدين الخاتم الموجهة لسائر أنواع الفعل الإنساني (القلبي، والعقلي، والوجداني، والبدني)، مع الحرص على مد الجسور بين الإسلام والمعطيات والقيم الكونية ذات الصلة، وبوجه خاص، بمنظومة حقوق الإنسان.. وقضايا التنمية الشاملة والمستدامة.. التي تعد بمثابة  غايات ومقاصد عامة للشريعة، وجب تكييفها مع نسيجها وأحكامها، في اعتبار رصين لمختلف الأسيقة المحيطة.

ولا يخفى أن الاستفادة من تراثنا الفقهي، رغم ما يمثله من قيمة علمية استثنائية، لا يُتصوَّر حصولها، إلا بتجلية وجرد ما يكنّه هذا التراث المبارك في بنيته من أعراف تغيرت، ومصالح تبدلت، وأوضاع وظروف وسياقات اندرست، للتمكن من النظر الاجتهادي المستأنف المستجيب لواجب التجديد، من خلال التفاعل الإيجابي المتشرّع، مع التحولات النوعية التي طبعت عالمنا المعاصر، على مستوى علاقاته الاقتصادية والمالية، والتكنولوجية، والاجتماعية، والسياسية.. وأنظمته المؤسساتية، والقانونية، والمعلوماتية، والثقافية، والمعيارية..

ولا شك أن المبحث المقاصدي إذا تم تنقيحه وتفعيله، يعد من أهم وأنجع آليات تجديد منظومتنا الفقهية والقانونية الفذّة، ردما للهوة التي ما فتئت تتعمق بين نص رباني مطلق، وواقع شديد التغير والتركيب..

لقد شكل الانفجار المعلوماتي غير المرشَّد، والتلوث، والتكنولوجيات القابلة للاستعمال في مختلف الاتجاهات، والاكتشافات العلمية المتيممة شطر الربح، والمنفلتة من كل كبح، والصراعات الدينية والطائفية والعرقية، والنزعات التوسعية؛ اقتصاديا، وسياسيا، وجغرافيا، شكل كل ذلك اليوم، مصادر تأثير كبير على الحياة فوق كوكبنا وما حوله.

 وقد بات من الضروري التفكير في آليات وإجراءات للحد من الآثار السلبية لما سلف ذكره، ولضبط مناهج الكسب العلمي والاكتشافي ضبطا استشرافيا، حتى توقّع كافة أضرب النشاط الإنساني بحسب النفع، وتتجافى عن الإفساد، ولا يُتصور ذلك في انفكاك عن استحضار وعي مقاصدي، وقيمي، وأخلاقي وظيفي، مستوعب لمختلف مظاهر العطاء الإنساني، مع التكييف التفصيلي بحسب طبيعة كل منها.. في أفق استخلاص جملة من الشفرات والقوانين التنظيمية، التي تسهم في تيسير تحقيق مقاصد الحفاظ على الضروريات، من دين، وحياة، وكرامة، ونسل، وعقل، ومال، على الصعيد الكوني، مما يعتبر عملا ناجزا بسبب ما بات يتهدد النوع البشري من مخاطر آزفة.

وهو لاشك عمل ينبغي تأطيره برؤى اجتهادية واضحة، واستراتيجيات تنزيلية ناهجة، وهندسات استشرافية ناجعة، في مراعاة لما يحف هذا العمل من حساسيات بالغة، مما يستلزم تضافر الجهود بين الحكومات ومؤسسات المجتمع المدني، والعلماء، والمثقفين، والمربّين، والمبدعين، والمشرّعين، وكل المكلفين بالتنزيل تصميما وتنفيذا.

وفقهاء الشريعة الإسلامية ليسوا في معزل عن هذه الإشكالات، وعن تأثرهم بهذه السمات الحضارية المشتركة والعامة. ومن هنا فإن ثلاث تحديات رئيسة تبرز اليوم عند كل حديث عن الاجتهاد والتجديد:

ـ التحدي الأول؛ هو كيف يُفقه النص، وما هي آليات وضوابط فقه دينامي متجدد ووظيفي للنص؟ وكيف يمكن التمييز بين الثابت في اجتهادات السابقين وبين ما هو قابل للتحول والتغير؟ وقد سبق أن قال ابن القيم، رحمه الله، في كتابه “إعلام الموقعين”: فصل في تغير الفتيا بتغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والعادات والأعراف.. قال: وهو فصلٌ عظيم النفع جدا قد دخل على الناس من فرط الجهل به ضررٌ عظيم.

فما هي آليات وضوابط التمييز بين الجوانب الثابتة والجوانب القابلة للتجدد في الفقه الإسلامي؟ وكيف يمكن لفقيه الشريعة الإسلامية أن يطور آليات ومنهجيات التعامل مع هذه الجوانب كلها بنفس مقاصدي يروم جلب المصالح ودرء المفاسد باتزان؟

ـ التحدي الثاني؛ هو كيف يُفقه الواقع بكل سماته وبكل تمظهراته بالغة التعقيد والتركيب والتشابك، دون أن يكون هناك جور على أي سمة من السمات، احتذاء بقول من قال: ينبغي أن نجعل كل شيء أبسط ما يمكن وليس أبسط مما يمكن، وبأية مناهج وبأية آليات؟ وما هي التكوينات التي يقتضيها كل ذلك؟

ـ التحدي الثالث؛ في كيفية تنزيل أحكام النص المطلق المتجاوز المهيمن، بطريقة متوازنة، على هذا الواقع المتقلب المتغير العيني المشخص؛ موازنة بين الأفعال، وترجيحا بين المصالح والمفاسد في ضوء وعي شديد بوجوب اعتبار المآلات والعواقب؛ حتى لا تُجلب مفسدة عوض المصلحة التي كانت مقصودة، أو تُفوَّت مصلحة أكبر من أجل مصلحة أدنى.

وهو ما يستنبط من قول رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، في الحديث الذي رواه إمامنا مالك من طريق عائشة، رضي الله عنها، والذي فيه أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: “لولا حدثان قومك بالكفر لهدمت الكعبة ولصيرتها على قواعد إبراهيم[2]“. ففوت، عليه الصلاة والسلام، هذه المصلحة (إعادة إقامة الكعبة على قواعد إبراهيم) حتى لا يجلب مفسدة هي أرجح من هذه المصلحة؛ أي افتتان الناس. لأنهم لا يزالون مرتبطين بعالم الأشياء، على حد تعبير مالك بن نبي.

غير أن التعامل مع هذه التحديات الثلاثة في أفق النهوض بها، والسعي نحو تيسير سبل تحققها، لابد له من مقتضيين منهاجيين:

ـ المقتضى الأول؛ هو المنطلقات التي ينطلق منها الفقيه المسلم؛ أي الباراديغمات Paradigmes والنماذج المعرفية. فينبغي أن يكون من الواضح أن الفقيه المسلم يريد تحقيق مرضاة الله، وتحصيل السعادتين العاجلة والآجلة للجنس البشري، ويريد إشاعة التكامل بين أفراد المجموعة البشرية، هذه الأسرة الإنسانية الممتدة. لأنه قد سادت في أزمنة معينة نماذج أخرى فيها من الانسحاق أو الانغلاق ما فيها.

وإن من الباراديغمات والنماذج المعرفية التي يحق للمسلمين أن يفخروا بها: النموذج التعارفي المنطلق من قوله تعالى: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليم خبير﴾ (الحجرات: 13). وهو نموذج يسعى بوازعه الإنسان المسلم؛ ذكرا كان أو أنثى، إلى تحقيق التعاون والتكامل بين أفراد الأسرة الإنسانية الممتدة.. إنه نموذج يتجاوز النموذج المعرفي القائم على مجرد التسامح. فالتسامح يستدمج بين طياته أن هذا الآخر في درجة أدنى ولكن أنا أتسامح معه! أو أخطأ وأنا أتسامح معه! بيد أن التعارف فيه الحاجة المتبادلة والاحتياج المتبادل؛ مما يفسح المجال أمام التكميل والإثراء المتبادلين بين العالمين عوض التنافي والصراع.

ـ المقتضى المنهاجي الثاني؛ هو تحديد آليات التعاطي مع هذه المشاكل الثلاث، وتبين العلاقة الجدلية بين النماذج المعرفية التي تُشكل المنطلقات وبين الآليات المستعملة من أجل تحقيق الغايات المستهدفة أو الأهداف المتغياة.

ثانيا: حقوق الإنسان مقصدا من مقاصد الشريعة الإسلامية

مع انبثاق الجيل الثالث من حقوق الإنسان، الحقوق التضامنية؛ كالحق في البيئة السليمة، والحق في السلام، والحق في التنمية، تبين أن مكّون الحقوق، يفتقر إلى التواشج مع مكون الواجب، في طفرة متجاوزة لما كان عليه الأمر في الجيلين السابقين من حقوق الإنسان، جيل الحقوق المدنية والسياسية، ثم جيل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، المرتكزين على البراديغم القائم على الحقوق فقط..

 وسبب ذلك، على حد تعبير الباحث “Ben Saul”: “أن النضالات التي قامت بها حركة حقوق الإنسان ضد الاستبدادات المختلفة في مرحلة أولى، وفي مرحلة ثانية، ضد النفاقات الاجتماعية، والإقصاء، ونقائص النضالات السالفة، والتي ارتكزت جميعُها، على مواجهة ما كان يفرضه المتنفدون من واجبات ظالمة على الأفراد، فقد بلورت حركة حقوق الإنسان، حذرا وحساسية تلقائيين، تجاه كل لغة فيها حضور لمفاهيم الواجب والإلزام، وهما حذر وحساسية مبرران، بالنظر إلى تاريخ هذه الحركات النضالي[3]“.

ومن هنا تأتي المعاناة التي ترافق السعي إلى تنزيل الجيل الثالث من حقوق الإنسان، والتي تستدمج في عين بنيتها، ضرورة الارتكاز على الواجبات أيضا، بإزاء الحقوق التي لا يمكن جلبها للأفراد إلا إذا كان لديهم الاستعداد للقيام بواجباتهم بهذا الخصوص، فمثلا لا يتصور النهوض بتنمية بدون انخراط الأفراد في هذا النهوض، من خلال القيام بواجباتهم بهذا الصدد.

مما يستدعي وجوب مواكبة هذه الحقوق أولا؛ بنسيج تأهيلي، تصوريا، وتربويا، ونضاليا، وتقويميا بطريقة قصدية، وإلا فستبقى الحقوق التضامنية مجرد شعارات. ومواكبتها ثانيا؛ بنسيج تشريعي احترازي، لحمايتها من الارتداد إلى أتون الدولانية (Etatism) من جديد كما يقول دون. “إي. إيبرلي” “Don. E. Eberly” في كتابه: (Building a community of citizen).

وجليّ أن هذا التواشج بين الحقوق والواجبات، من خلال الاستمداد من مختلف المرجعيات تأسيسا على مكتسب حقوق الإنسان في كونيتها، وعدم تجزيئها، يمكن أن يسهم في اختراع مفهوم دينامي للمواطنة في عالم اليوم المعولم، في منأى عن الشعاراتية، وفي حرص على نحث عقد اجتماعي، فيه التجانف عن الاقتصار على الاستراتيجيات الفوقية، والتشريعات غير المرفقة بالتدابير الإجرائية التنزيلية على أرض الواقع، في مراعاة لكافة مقتضيات السياق.

وبالإضافة إلى أهميتها العلمية، والمعرفية، ركز التداول المعاصر حول استثمار مقاصد الشريعة كثيرا على المزاوجة بين النص والسياق، وبين الأحكام ومناطاتها، مع الحرص على توظيف نظرية المقاصد في صلتها القوية بمبدأ المصلحة.

 كما رام هذا التداول مدّ الجسور بين الإسلام والقيم الكونية ذات الصلة، وبوجه خاص، بمنظومة حقوق الإنسان، وقضايا التنمية الشاملة والمستدامة، ومختلف الأنساق الفكرية، والثقافية الكونية.

 وذلك لأن التجانف وعدم استحضار هذه المعطيات، التي تعد بمثابة غايات ومقاصد عامة للشريعة، أمر في غاية الورود، إذا لم تراع أثناء عملية تنزيلها، وتكييفها مع نسيجها وأحكامها، مواءمتها لمختلف الأسيقة الحضارية، والأنثربولوجية المستقبِلة.

وانسجاما مع كون الفكر المقاصدي، فكراً كليا، واقعيا، مرنا، وظيفيا، استشرافيا، يأبى الانحسار في ظواهر الأدلة الجزئية، دون وصلها مع الأدلة الكلية؛ في حرص على المواءمة باتساق وتواشج، بين روح ومقتضيات الدليل الكلي أو الأصلي، وإمكانات الدليل الجزئي أو الفرعي، فإن كانت حقوق الإنسان تمثل مقصدا أساسيا من مقاصد التشريع الإسلامي، لارتكازها على مبادئ كلية من قبيل التكريم، والاستخلاف، والمساواة، والعدل، والحرية، والكرامة لهذا الإنسان الذي خلقه الله في أحسن تقويم، مع الالتزام بالسبل والوسائل التي تحقق هذه المقاصد، وتحافظ عليها وتمنع من إهدارها أو ضياعها. ولما كانت مصلحة ضمان حقوق الإنسان من أعظم المصالح، فلا خلاف يمكن أن يثور حول محورية هذا المقصد في توجيه الأحكام والاجتهاد.

ثالثا: المركبات التشريعية المشَكِّلة لصرح مقصد ضمان حقوق الإنسان

صناعة الإنسان في الإسلام تتغيى إخراج إنسان متحرر، ليس في ضميره أو جسده فحسب، وإنما متحرر أيضا في رأيه، وفي أسلوب تعبيره عنه. فالإنسان في الإسلام يُتغيى أن يكون متحررا من سلطان العباد[4]، وإن جوهر الاستخلاف والأمانة هو القدرة على أداء الواجبات، وانتزاع التمتع بالحقوق: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ، قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْاَرْضِ، قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ اَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ (النساء: 96). وقال سبحانه: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ (النساء: 74).

وقد استنبط الإمام مالك من هذه الآية أن براءة الذمة بخصوص المستضعفبن، معقودة بالنصر بالبدن، إن كان العدد يحتمل، وإلا فلا سبيل إلا ببذل جميع الأموال[5].

قال تعالى لوما للذين ينشِّئون بناتهم تنشئة  تعجزهن عن المطالبة بحقوقهن، وبعد ذلك تظل وجوههم مسودة وهم كظيمون إذا بشروا بالأنثى ﴿وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مُسودًّا وهو كظيم. اَوَ مَنْ يَّنشَؤُا في الحلية وهو في الخصام غير مبين﴾ (الزخرف: 16-17).

ويمكن رصد عدد من المركبات التشريعية المشَكِّلة لصرح مقصد ضمان حقوق الإنسان:

1. الحفظ

ونقصد به حفظ الحقوق والمصالح الضرورية التي بها تتحصل السعادة في العاجل والآجل، وهذا الحفظ يكون بأحد أمرين: الأول؛ من جانب الوجود؛ وذلك بما يقيم أركانها ويثبت قواعدها، والآخر: من جانب العدم؛ وذلك بما يدرأ الخلل الواقع أو المتوقع فيها.

  • حفظ الدين: وذلك من خلال:

ـ  التشريع وتوفير أماكن العبادة المرعية، وتنظيم المساجد والقيمين عليها، وتنظيم الزكاة والصيام والحج، وتنظيم الوقف وحمايته؛

ـ التربية السليمة والممنهجة؛

ـ  حماية وتيسير وتوطين القيم المعنوية والروحية للدين؛

ـ  حرية التدين وعدم الإكراه؛

ـ تقنين وهيكلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بتجلية شروطه وموانعه، ومناهجه وعقوباته، وزجر من يترامون بغير حق ولا مستحق للقيام به؛

ـ  التشجيع على الاجتهاد الكفء.

  • حفظ النفس

وذلك عبر:

ـ ضمان الحق في الحياة؛

ـ احترام التشريعات المحرِّمة للقتل والأذى؛

ـ الحماية من العدوان: وهو ما يظهر جليا في حد الحرابة؛

ـ الحماية من التعذيب، والحماية من الإخافة والترويع[6]؛

ـ حماية البيئة (مناخيا ونباتيا وحيوانيا)؛

ـ ضمان حق العيش، والصحة، والحركة، والتنقل مع الحماية من الاتجار بالبشر؛

ـ الاستثمار في الأمن العام والدفاع الوطني، وأمن الدولة[7].

  • حفظ العرض

وذلك من خلال حفظ قسميه:

أ. الكرامة، عبر:

ـ تحريم القذف والرمي؛

ـ رعاية وحماية كرامة وسمعة الإنسان الفرد والمجتمع، بالتنشئة على الكرامة، وزرع قيم عدم الاعتداء عليها؛

ـ حماية الحق في الخصوصية وعدم الاجتراء عليها وإن قامت حولها شكوك (مثال عمر حين اقتحم على من بلغه أنه يشرب الخمر فزُجِر وقبِل الزجر وانصرف[8]

ـ الحيلولة دون الاستعمال غير المشروع للسلطة، للمساس بكرامة الفرد أو الأسرة أو الجماعة أو المنظمة؛

ب. النسل والأسرة، عبر:

ـ ضمان أن يكون التناسل في إطار الزواج، حيث المسؤولية، وحفظ الأنساب، وإمكان تلقي الرعاية والدعم المنظمين والمنضبطين من الدولة، وكافة الجهات المختصة؛

ـ حماية الأسرة ورعايتها وتوفير حاجياتها الأساسية؛ غذائيا، وإيوائيا، وصحيا، وتربويا، وقيميا؛

ـ رعاية الطفولة والنشء (أيتام، ذوي الاحتياجات الخاصة)؛

ـ رعاية الشيخوخة؛

ـ الحرص على توطين المساواة بين الرجال والنساء، حتى يضطلع كل بمسؤوليته لحفظ الأسرة وتنميتها.

  • حفظ العقل

ـ تحريم الشرك، والخرافة، والسحر، والطيرة، والمخدرات، والمسكرات، والمفترات التي تؤدي إلى مختلف أضرب الإدمان الضارة بالعقل وبالفرد وبالمجتمع؛

ـ إشاعة الموضوعية في التمثل والتفكير، وإشاعة رؤية علمية موضوعية للذات والموضوع والعالم، وذلك من خلال السهر على أن تضطلع نظم التربية والتكوين الإلزامية في المدرسة، والتطوعية في المسجد والإعلام، ووسائل الاتصال، بذلك دون السقوط في التقنين الدولاني الحاد من الحريات المشروعة؛

ـ إشاعة العلوم والمنتوجات الثقافية المغذية للعقل؛

ـ ضمان الحقوق الثقافية واللغوية والكَلغْرافية؛

ـ تشجيع وحماية البحث العلمي والتكنولوجي؛

ـ ضمان الولوج إلى المعلومة؛

ـ السعي إلى بناء مجتمع المعرفة؛

ـ ضمان وحماية حرية التعبير، في حماية للفرد والمجتمع من الظلم بهذا الصدد، من القذف والرمي غير المشروعين، مما تكون له آثار على ضياع مصالح الفرد والجماعة مادية كانت هذه المظالم أم معنوية[9].

  • حفظ المال

ـ تحريم السرقة؛

ـ حماية الملكية العامة والملكية الخاصة (مادية كانت أم فكرية أم اختراعية أم تجارية أم صناعية، أم مهنية)؛

ـ سلامة واستقرار التبادل التجاري؛

ـ حماية المستهلك من أن ينفق ماله فيما يضره أو يضر غيره؛

ـ حماية حقوق العمال (أجورا وحسن معاملة) سواء كانوا أبناء البلد أو من الوافدين؛

ـ منع الربح غير المشروع، ومنع الاستغلال بسائر أنواعه وأشكاله (ربا، ميسر، رشوة…)؛

ـ إشراف الدولة على التنمية المستدامة اقتصاديا وبشريا؛

ـ حماية السوق من المضاربات التي تؤدي إلى غلاء الأثمان غير المشروع.

هذه هي المصالح الكلية التي جاءت الشريعة الإسلامية لتأمينها بأن نصّت على كل منها، وبينت أهميتها، وخطورتها ومكانتها، في تحقيق السعادة للإنسان، ثم كلّفت بالأحكام الوظيفية لضمان تحقيقها.

ويدل الاستقراء والبحث والدراسة والتأمل على أن الشرع الحنيف جاء لتحقيق مصالح الناس الضرورية والحاجية والتحسينية، وأن الأحكام الشرعية كلها إنما شرعت لتحقيق هذه المصالح.

ومعلوم أن ضمان الحقوق للإنسان، من أعظم الأمور التي تحصل بها سعادته[10].

2. العدالة

أ. العدالة في التوزيع

(مفهوم القَسْم) بين المسلمين، ومثال أراضي سواد العراق الرائع، حيث لم يوزعها عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، بين الفاتحين، وإنما وزعها على أهل العراق.

ب. العدالة الكونية

حلف الفضول “لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أدعى به في الإسلام لأجبت[11]“، ويدخل في هذا: الوفاء بالعهود (الآليات والالتزامات والعقود بعد المصادقة عليها) ومنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

ج. العدالة التصحيحية

والأصل فيها قوله تعالى: ﴿وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم، وكنّا لحكمهم شاهدِين. ففهّمناها سليمان، وكلا ـاتينا حكما وعلما﴾ (الأنبياء: 77-78)، حيث تروي كتب التفسير مراجعة سليمان، عليه السلام، لأبيه نبي الله داوود، عليه السلام، في الحكم، مما يعد نواة مقدرة للعدالة التصحيحية.

قال صلى الله عليه وسلم: “إنما أنا بشر، إنما أنا أقضي بينكم بما أسمع منكم، ولعل أحدكم أن يكون ألحن بحجته من أخيه فمن قضيت له من حق أخيه شيئا، فإنما أقطع له قطعة من النار[12].”

ويدلُّ على رجوع القاضي عن حُكمه في هذه الحالات ما ورد في كتاب عمر بن الخطاب، إلى أبي موسى الأشعري، رضي الله عنهما، حيث قال فيه: “ولا يمنعك قضاءٌ قضيتَ فيه اليوم فراجعتَ فيه رأيك، فهُديت فيه لرشدك، أن تُراجع فيه الحق، فإنَّ الحق قديم لا يُبطله شيء، ومراجعة الحق خيرٌ من التمادي في الباطل[13].”

د. العدالة السياسية

ومن ركائزها؛ مبدأ الشورى لقوله تعالى: ﴿وشاورهم في الاَمر﴾ (ءال عمران: 159)، وقوله سبحانه: ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾ (الشورى: 38)، ومبدأ شفافية الحكامةTranparency of governance، ومبدأ فصل السلط، وكل ذلك مؤطر بضرورة رعاية مصالح الناس، وهو ما أشار إليه علماء الأصول بقولهم: “تصرف الإمام على الرأي منوط بالمصلحة[14].”

3. المساواة تحت القانون

ومما يشهد لهذا المحدد آية: ﴿وَالْمُومِنُونَ وَالْمُومِنَاتُ بَعْضُهُمُ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ، يَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (التوبة: 72).

وقوله تعالى ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ اَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُومِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمُ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (النحل: 97) وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً، وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَّاءلُونَ بِهِ وَالاَرْحَامَ، إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ (النساء: 1)[15].

4. الحسبة العامة والخاصة[16]

ونجد للحسبة أصلا في الآية: ﴿لاَ خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مّن نَجْوَاهُمُ إِلاَّ مَنْ اَمَرَ بِصَدَقَةٍ اَوْ مَعْرُوفٍ اَوْ اِصْلَاحٍ بَيْنَ ٱلنَّاسِ﴾ (النساء: 113)، وفي الآية: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُومِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا﴾ (الحجرات: 9). ويؤيد ذلك: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ٱبْتِغَاء وَجْهِ رَبّهِمْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّا وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَءَونَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيّئَةَ، أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ﴾ (الرعد: 24).

ولا تقتصر هذه الفعالية على الفرد، وإنما تتعدى إلى الجماعة والدولة، فإذا كان الأمر بالمعروف واجب على الفرد المسلم، فإنه واجب على الجماعة، حيث يتعاون عليه الأفراد في الجماعات ويتشاورون فيه لقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُن مّنْكُمُ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى ٱلْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ (ءال عمران: 104)، وقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبرِ وَٱلتَّقْوَىٰ، وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلاِْثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (المائدة: 3).

وهذا واجب على كل مسلم قادر، وهو فرض على الكفاية، ويصير فرض عين على القادر الذي لم يقم به غيره. وفي تسمية علماء الأصول، خصوصًا الأوائل، لها، بالفروض الكفائية، إيحاء، بأن القيام بها، من لدن القادرين، ينبغي أن يكون كافيًا للأمة، وإلا فإنها لا تسقط، ويبقى الإثم عالقًا بعموم الأمة، إلا أن غير القادرين، لا يبقون، بخصوص الفروض الكفائية، بدون مسؤولية، فالشرع يُرتِّب عليهم مسؤولية السعي، لإقامة القادرين[17].

5. لا ضرر ولا ضرار[18]

ونفي الضرر ورفعه مقصد عليّ من مقاصد الشريعة الإسلامية، فلا يقبل كل فعل فيه ضرر على الفرد أو المجتمع في الحال والمآل، وهو ما يتساوق تماما مع مبدأ التيسير ورفع المشقة الذي يعد بدوره مقصدا أساس من مقاصد التشريع في الإسلام؛ ﴿يُرِيدُ اللهُ بكُمُ اليُسْرَ ولا يريدُ بكُمُ العسرَ﴾ (البقرة: 185).

6. تحريم الظلم

إن النصوص التي تحث المسلمين، على تحريم الظلم، والسعي إلى ضمان حقوقهم، وترغِّب في ذلك، أكثر من أن تُحصى[19]، في هذا المقام.. والمتعامل معها، يلاحظ، أن في الإسلام نظامًا كاملاً، لإقامة العلاقات الاجتماعية، بين الناس، على وجه يُبْعِدُ كلَّ الأدواء، التي تَنْخر كِيَان المجتمعات، عن المجتمع الإسلامي. وهو نظام حري، بأن يُبحث فيه، وتُوَضَّح معالمُه، في دراسة جادة موضوعية مستقلة.

وبذلك، فإن هذا المقصد، تحريم الظلم، يمكن أن يعتبر من المقاصد المركزية في الشريعة الإسلامية. ومن شواهد ذلك قوله تعالى: ﴿ولا يظلم ربك أحدا﴾ (الكهف: 48) ﴿والله لا يحب الظالمين﴾ (ءال عمران: 56)، وفي الحديث القدسي: “يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا[20].”

وهو ما تجلى في سنة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، التي تزخر بحرصه عليه الصلاة والسلام على إيفاء أهل الحقوق أفرادا وجماعات حقوقهم[21].

رابعا: آليات التعاطي والتنزيل

حيث إن جلَّ المصالح التي تقوم عليها حياة الأمم وارتفاقاتها، وفي لبّ ذلك ضمان حقوق الخلق، تحتاج إلى اجتهاداتٍ مستأنفةً في كل حين قصد تَبيُّنِها، ومَقْدَرَتها، وتقعيدها، وتقنينها، من أجل تنزيلٍ مُتَّزِنٍ لها على أرض الواقع، كان لابد من آليات تمكّن من جلب هذه المصالح، ودرء ما يهددها من مفاسد في سياقاتها المختلفة، نظرا في المعتبر من هذه المصالح، واعتباراً للمآلات، وتحقيقاً للمناطات، وتنقيحاً لها، وأخذاً بمبدأ سد الذرائع وفتحها على السواء، واعتبارا لأصل الاستحسان، والموازنة الدقيقة بين المصالح والمفاسد، جلباً للأُولى إن رجحت، ودفعاً للثانية إن غلبت، تسديدا وتقريبا وتغليبا.

ومن آكد هذه الآليات:

1. إعمال أصل المصلحة المعتبرة

مقاصد الشريعة[22] على اختلاف أقسامها ووسائل إثباتها ومستوياتها، تتركز في مقصد كلي جامع جرى التعبير عنه تارة بـ”جلب المصالح ودرء المفاسد”، وتارة بـ”تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها”[23].

2. إعمال أصل سد الذرائع

“أصل سد الذرائع[24]” وجه آخر من وجوه رعاية مقصود الشارع في حفظ حقوق الإنسان ورعايتها، هذا بالإضافة إلى أصول أخرى، وقواعد تميز بها المذهب المالكي، وكانت السبب المباشر في ولوع علمائه بالمقاصد[25].

3. إعمال أصل فتح الذرائع”

بما أن المراد بالذريعة ما يتوصل به إلى مفسدة فتكون ممنوعة، أو إلى مصلحة فتكون مطلوبة، فإنّ الذريعة لا يكون المطلوب سدها دائما، بل يكون سدها أو فتحها خاضعا لحكم ما أفضت إليه. وبمعنى آخر، فسدها أو فتحها، منوط بما تفضي إليه من المقاصد والحكم. قال الإمام القرافي: “اعلم أن الذريعة كما يجب سدّها، يجب فتحها، ويكره ويندب ويباح، فإن الذريعة هي الوسيلة، فكما أن وسيلة المحرم محرمة، فوسيلة الواجب واجبة، كالسعي للجمعة والحج[26].”

وأشار صاحب المراقي[27] إلى فتح الذرائع بقوله:

سدّ الذرائع إلى المحرّم          حتمٌ كفتحِها إلى المُنحتم

وبخصوص ما قررناه في هذه الفقرات من ضرورة فتح الذرائع الجالبة للمصالح، فإننا نجد علماء الأمة قد قرروه في قواعد محكمة، من قبيل قاعدة: “مالا يتم المأمور إلا به” أو “ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب[28]“. فتسد الذرائع دون ما يمنع تحقق مقصد ضمان حقوق الإنسان، وتفتح أمام ما يسر ذلك ويسهم فيه.

وأصل سد الذرائع أو فتحها يحيلنا على أصل ثان مكمل هو أصل اعتبار المآل[29].

4. إعمال أصل اعتبار المآل

 اعتبار مآل الأفعال من المقاصد المهمة من الشريعة. قال الشاطبي: “النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعاً كانت الأفعال موافقة أو مخالفة، وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام والإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل، مشروعا إلى مصلحة فيه تستجلب، أو لمفسدة تدرأ، ولكن له مآل على خلاف ما قصد فيه؛ وقد يكون غير مشروع لمفسدة تنشأ عنه، أو مصلحة تندفع به، ولكن له مآل خلاف ذلك، فإذا أطلق القول في الأول بالمشروعية، فربما أدى استجلاب المصلحة فيه إلى مفسدة تساوي المصلحة، أو تزيد عليها، فيكون هذا مانعاً من إطلاق القول بالمشروعية.

وكذلك إذا أطلق القول في الثاني بعدم المشروعية، ربما أدى استدفاع المفسدة إلى مفسدة تساوي أو تزيد؛ فلا يصح إطلاق القول بعدم المشروعية. وهو مجال للمجتهد صعب المورد، إلا أنه عذب المذاق، محمود الغب جارٍ على مقصد الشريعة”[30].

والنظر إلى مآل المجتمع الضامن لحقوق إنسانه، كما النظر إلى مآل المجتمع المهدر لها، يفرض تقديم القياسات الضامنة لحقوق الإنسان، وإن خفيت، على القياسات كلها وإن كانت جلية، وهذا يقودنا إلى آلية الاستحسان.

5. إعمال أصل الاستحسان

بيَّن الإمام الشاطبي بعض معاني الاستحسان الذي هو أخذٌ بالمصلحة عند المالكية قائلاً: “الاستحسان في مذهب مالك: الأخذ بمصلحة جزئية في مقابل دليل كلِّي؛ لأنه يقوم على التيسير ودفع المشقة ورفع الحرج عن الناس. ومقتضاه: الرجوع إلى تقديم الاستدلال المرسَل على القياس؛ فإن من استحسن لم يرجع إلى مجرد ذوقه وتشهّيه، وإنما رجع إلى ما علم من قصد الشارع في الجملة، في أمثال تلك الأشياء المفروضة[31]، كالمسائل التي يقتضي القياس فيها أمراً إلا أن ذلك الأمر يؤدي إلى فوت مصلحة من جهة أخرى، أو جلب مفسدة كذلك[32].”

فآلية إعمال أصل الاستحسان، اعتبارا لمآل إهدار حقوق الإنسان وضمانها، يمكّن من القيام بترجيحات معتبرة بهذا الخصوص، مما يفتح ذريعة العدالة، ويسدّ ذريعة الظلم.

6. إعمال فقه الموازنات

قال الشاطبي: “وإنا وجدنا الشارع قاصداً لمصالح العباد، والأحكام العادية تدور معها حيث دارت، فترى الشيء الواحد يمنع في حال لا تكون فيه مصلحة، فإذا كان فيه مصلحة جاز[33].”

ومفاد ذلك؛ وجوب الموازنة بين الاحتمالات الممكنة في غير المحكم من الأحكام، ترجيحا وموازنة بين ما تحققه تنزيلاتها في إطار الشرع الحنيف، وبمقاييسه وموازينه، من المصلحة في الظرف الواقعي المعين، ثم اعتماد الاحتمال الذي يرجُح أنه أكثر تحقيقا للمصلحة بضوابطها الشرعية المبينة في أماكنها، واعتبار ذلك هو الحكم الشرعي في تلك الحالة، وهذا مناط الاجتهاد، فيما مردّ الأحكام فيه إلى النظر.

 ومن تداعيات الوعي العميق عند علمائنا بهذه الآليات في النظر، كونهم درجوا على ألا يسقطوا من اعتبارهم الآراء المرجوحة في تراثنا الفقهي؛ إذ هي ذخيرة اجتماعية قد تمس إليها الحاجة في أوضاع لاحقة مختلفة، فما لم يرجح في واقع عيني مشخص نظرا لملابِسات وسياقات معينة، قد يضحى راجحا ضمن ملابسات وسياقات أخرى، وفقه إمام دار الهجرة إمامنا مالك، رضي الله عنه، يحضر فيه هذا الوعي العميق بشدة، لانبنائه على قواعد واقعية كعمل أهل المدينة، والاستحسان، والمصلحة المرسلة، وسد الذرائع.

وفقه الموازنات فقه دقيق يقتضي أن يكون المُعمِل له (فردا كان أم جماعة) ريّانا من علوم النص وعلوم السياق، وعلى دراية بالعواقب والمآلات، مما ينتج عنه ملكة في الترجيح والتغليب، بعد القيام بالتسديد والتقريب، وجليّ أن ذلك من معضدات ضمان حقوق الإنسان في المجتمعات.

خاتمة

رامت هذه الدراسة، الانخراط في العكوف الكوني على معالجة جملة من القضايا والإشكالات ذات العلاقة بتنزيل مختلف أجيال حقوق الإنسان، كما هي متعارف عليها كونيا على أرض عالمنا المعولم، في مراعاة لمقتضياته السياقية المختلفة والمتداخلة، وكذا في مراعاة للمستلزمات المعرفية والثقافية والتشريعية المقاصدية، واستحضار لمختلف الآليات الممكنة من حسن التنزيل والتفعيل في هذا الباب.

وقد تبين من البحث، أن الشريعة الإسلامية ليست فقط غير متعارضة مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وإنما تكتنز قوة اقتراحية، من شأنها، إغناؤه، وتزويده بجملة من آليات التفعيل والإجراء، ولاسيما في مجال القرن الوظيفي الممقدر “dosé” للحق بالواجب، كما تبين أثناء الحديث عن الجيل الثالث من حقوق الإنسان.

 ولا شك أن هذه المقاربة من شأنها تجاوز الكليشيه  المعتاد الذي مفاده، وكما يقول الباحث (Jason Morgan Foster): “أن بعض الثقافات تتلكؤ في قبول الحقوق التي تبنّاها معظم عالمنا باعتبارها أساسية، فإنه يتبين في هذه الحالة، للعبرة، أنه على العكس من ذلك تماما، فإن الثقافة الإسلامية ليست وراءً، بل هي رائدة، حيث إن خطابها التشريعي مقدّرٌ، ومُقتدى بهذا الصدد، مما من شأنه أن يمنح منظورا منعشا للتداول حول كونية حقوق الإنسان[34].”

الهوامش

[1]. الناظر في السياق التاريخي لمباحث مقاصد الشريعة، يلحظ جهدا مباركا في استبانة حلقاتها، والكشف عن مسالكها، وذلك منذ مرحلة التأصيل المرجعي مع نزول القرآن الكريم وترجمته العملية السنة الشريفة، مرورا بمراحل: التأسيس النظري مع الرواد الأوائل من أمثال الإمام الترمذي الحكيم (توفي 320ﻫ)، والإمام القفال الشاشي الكبير (توفي 365ﻫ)، والإمام الأبهري (توفي 375ﻫ)، والإمام العامري (381ﻫ)، والإمام الباقلاني (توفي 403ﻫ)، وإمام الحرمين الجويني (توفي 478ﻫ)، والإمام الغزالي (توفي 505ﻫ)، والإمام الرازي (توفي 606ﻫ)، والإمام الآمدي (توفي 631ﻫ). ثم مرحلة الجمع بين التأصيل النظري والتفعيل العملي مع سلطان العلماء العز بن عبد السلام (توفي 660ﻫ)، والإمام القرافي (توفي 684ﻫ)، وابن تيمية (توفي 728ﻫ)، وتلميذه ابن القيم (توفي751ﻫ)، ثم مرحلة النضج النظري والإبداع المنهجي مع اللوذعي الإمام أبي إسحاق الشاطبي المالكي (توفي 790ﻫ)… وصولا إلى مرحلة الإحياء واستئناف الاجتهاد المقاصدي مع جيل النصف الثاني من القرن الرابع عشر الهجري إلى اليوم (الأستاذ علال الفاسي، والشيخ الطاهر ابن عاشور، والشيخ عبد الله دراز…) وقد حاولت هذه الزمرة الكريمة، تحقيق أهم نصوص هذا العلم، ومحاولة نقده، وقراءة محتويات أهم مصنفاته، تدقيقا وتركيزا على بعض قضاياه، واجتهاداً في تجديد مضامينه، وتقريبها من التداول العام..

[2]. أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب فضل مكة وبنيانها، رقم الحديث 1584.

[3].  Ben Saul, Supra-note 62, at 616.

[4]. قال ربعي بن عامر تعبيرا عن المقصد الكلي للإسلام في جوابه لرستم بعد أن سأله: “لم جئتم؟” قال رضي الله عنه: “ابتُعِثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده…” ابن جرير الطبري، تاريخ الأمم والملوك، دار الفكر، ط1979م، 3/23 فما بعدها، أحداث سنة 14 هجرية.

[5]. ابن العربي، أحكام القرآن، 1/409-460.

[6]. قال صلى الله عليه وسلم: “ليس منا من روع مسلما” أخرجه البيهقي.

[7]. وهنا يشار إلى مفهوم الإعداد المستفاد من قوله تعالى: ﴿وأَعدّوا لهُم ما اَستَطعتُم من قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ، تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَءَاخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ، اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ (الأنفال: 61)، فالسلم في الإسلام ليس مقصده الأصل هو القتال، وإنما الإرهاب للعدو قصد ثنيه عن الانخراط فيما يوجب مواجهته، مما قد يؤدي إلى إهراق الدماء وإزهاق الأرواح. والاستطاعة، المراد بها تلك المنضبطة بالموازنة بين الحاجات وعدم تجاوزها بالإنفاق على السلاح وتجويع الناس مثلا.

[8] . عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّهُ حَرَسَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، لَيْلَةً بِالْمَدِينَةِ، فَبَيْنَمَا هُمْ يَمْشُونَ شَبَّ لَهُمْ سِرَاجٌ فِي بَيْتٍ، فَانْطَلَقُوا يَؤُمُّونَهُ حَتَّى إِذَا دَنَوْا مِنْهُ إِذَا بَابٌ مُجَافٌ عَلَى قَوْمٍ لَهُمْ فِيهِ أَصْوَاتٌ مُرْتَفِعَةٌ وَلَغَطٌ، فَقَالَ عُمَرُ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَأَخَذَ بِيَدِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ: أَتَدْرِي بَيْتَ مَنْ هَذَا؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: هَذَا بَيْتُ رَبِيعَةَ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَهُمُ الْآنَ شُرَّبٌ، فَمَا تَرَى؟ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أَرَى قَدْ أَتَيْنَا مَا نَهَى الله عَنْهُ: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ (الحجرات: 12)، فَقَدْ تَجَسَّسْنَا، فَانْصَرَفَ عَنْهُمْ عُمَرُ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَتَرَكَهُمْ” السنن الكبرى للبيهقي (8/579) (17625).

[9] . علما بأن كل ما سلف أعلاه من مفردات عليها شواهد تفصيلية في القرآن والسنة وكسب الصحابة والتابعين وأعلام الأمة في مختلف أجيالها، لا يتسع المقام لاستقرائها.

[10] . ومنهج التشريع الإسلامي لرعاية هذه المصالح يسلك طريقين أساسين: الأول؛ تشريع الأحكام التي تؤمن تكوين هذه المصالح وتوفر وجودها.. الثاني؛ تشريع الأحكام التي تحفظ هذه المصالح وترعاها وتصونها، وتمنع الاعتداء عليها أو الإخلال بها، وتؤمن الضمان والتعويض عنها عند إتلافها أو الاعتداء عليها، وبذلك تصان حقوق الإنسان، وتحفظ، عن طريق إقرارها بما يلزم. الموافقات، 2/5.

[11] .‏‏‏ أخرجه البيهقى في سننه 6/267، وابن سعد في الطبقات الكبرة، 1/128-129.

[12] . أخرجه البخاري، كتاب الأحكام، باب من قضي له بحق أخيه فلا يأخذه فإن قضاء الحاكم لا يحل حراما ولا يحرم حلالا، رقم 6759.

[13] . ومما يشهد له ما رواه الإمام البيهقي: أن النبي، صلَّى الله عليه وسلَّم، لما أراد أن يبعث معاذًا إلى اليمن قال: “كيف تقضي إن عرض لكَ قضاء؟”، قال: أقضي بكتاب الله، قَالَ: “فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِي كِتَابِ اللَّهِ”، قَالَ: فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، قَالَ: “فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فِى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، صلى الله عليه وسلم، وَلاَ فِي كِتَابِ اللَّهِ”، قال: أجتهد رأيي ولا آلو، فضرب رسول الله، صلَّى الله عليه وسلَّم، صدره وقال: “الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله لما يُرْضي رسولَ الله” أخرجه البيهقي في “السنن الكبرى”، (ج10، ص150)، والدارقطني في سننه، (ج4، ص206)، و”إعلام الموقعين”، (ج1، ص92)، و”أخبار القضاة”، (ج1 ص72).

وما رواه عمرو بن العاص، رضي الله عنه، أنه سمع رسول الله، صلَّى الله عليه وسلَّم، يقول: “إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب، فله أجران، وإن حكم فاجتهد ثم أخطأ، فله أجر”. أخرجه البخاري في صحيحه كتاب: الاعتصام، باب: أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب وأخطأ (ج8، ص157)، ومسلم في صحيحه، كتاب الأقضية، باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ (ج2، ص56).

وكتب الفقه طافحة بذِكْر الأمثلة على ذلك من فعْل الصحابة، رضي الله عنهم، ومنهم حُكم عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، في المشرَّكة، حيث حكم بإسقاط الإخوة الأشقاء ثمَّ شرَّك بينهم وبين الإخوة لأمٍّ في قضية أخرى رُفعتْ إليه، ولم ينقض حكمه الأول، وإنما قال: “تلك على ما قضيْنا، وهذه على ما نقضي” أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب الفرائض، باب: المشرّكة، (ج6 ص255)، وعبدالرزاق في مصنفه، كتاب الفرائض، (ج10، ص249-250)،

قال ابن القيم رحمه الله تعالى: “فأخذ أميرُ المؤمنين في كلاَ الاجتهادَين بما ظهر له أنَّه الحق، ولم يمنعه القضاء الأوَّل من الرجوع إلى الثاني، ولم ينقض الأول بالثاني، فجَرَى أئمة الإسلام بعده على هذين الأصلين”. إعلام الموقعين 1/111.

[14] . القاعدة نص عليها الشافعي أيضا، وقد أخرج سعيد بن منصور أصل هذه القاعدة في سننه.

[15] . ومن صور هذا المبدأ: المساواة في الفُرص، والمساواة في الحقوق والواجبات.

[16] . ولاية الحسبة من الولايات الشرعية العامة الخاضعة لسلطة الدولة، حيث تجب على الإمام بحكم وظيفته في حفظ الدين على أصوله المستقرة وتنفيذ أحكامه، ورعاية حقوق الناس ومصالحهم. ولذلك كان الخلفاء في العصور الأولى للإسلام يباشرونها بأنفسهم، ثم أسندوا أمرها إلى والٍ خاص يُعْرَف بالمحتسب، وأُعطي من الصلاحيات والأعوان بحيث يقوم بها خير قيام، فيمشي في الأسواق والشوارع ويقتحم أبواب المؤسسات العامة والدوائر الحكومية، ليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، سواء تعلق ذلك بقيمة من قيم الإسلام معطلة أو بحق من حقوق الناس مهدر.

[17]. قال الشاطبي: “القيام بهذا الفرض؛ (يقصد الفرض الكفائي) قيام بمصلحة عامة، فهم مطلوبون بسدها على الجملة، فبعضهم هو قادر عليها مباشرة، وذلك من كان أهلاً لها، والباقون، وإن لم يقدروا عليها، قادرون على إقامة القادرين، فمن كان قادرًا على الولاية، فهو مطلوب بإقامتها، ومن لا يقدر عليها، مطلوب بأمر آخر، وهو إقامة ذلك القادر، وإجباره على القيام بها.. فالقادر، إذن، مطلوب بإقامة الفرض، وغير القادر، مطلوب بتقديم ذلك القادر؛ إذ لا يتوصل إلى قيام القادر، إلا بالإقامة، من باب، ما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب”الموافقات، 8/353.

[18] . والأصل في هذه القاعدة وغيرها من قواعد رفع الضرر قوله صلى الله عليه وسلم: “لا ضرر ولا ضرار”، رواه ابن ماجه والدارقطني،

[19]. منها قوله تعالى: ﴿فمن عفا وأصلح فأجره على الله، إنه لا يحب الظالمين﴾ (الشورى: 37)، ﴿ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار، وما لكم من دون الله من اَولياء، ثم لا تنصرون﴾ (هود: 113)، ﴿وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلبٍ ينقلبون﴾ (الشعراء: 226)، وغيرها من الآيات المحذرة من الظلم، والمذكرة بجزاء الظالمين.

وفي الحديث عن ابن عمر، رضي الله عنهما، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: “المسلم أخو المسلم، لا يظلمُه، ولا يُسْلِمه” رواه البخاري في كناب المظالم، باب: لا يظام الميلم الميلم ولا يسلمه رقم 2442.

وعن البَراء بن عَازِب، رضي الله عنه، قال: “أمرنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بسَبْعٍ، ونَهَانا عن سَبْعٍ، فذكر عيادةَ المريض، واتِّبَاعَ الجنائز، وتَشْمِيت العاطس، وردَّ السلام، ونصر المظلوم، وإجابة الدَّاعي، وإبرار القَسَم” رواه البخاري في كتاب المظالم، باب نصر المظلوم، حديث رقم 2445.

       وعن أبي موسى، رضي الله عنه، قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ “إن الله ليملي للظالم فإذا أخذه لم يفلته ثم قرأ‏:‏ ‏﴿‏وكذلك أخذُ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة، إن أخذه أليم شديد﴾‏ ‏‏‏(هود: 102‏).

وفي الحديث: “اتقوا الظلم؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة” (رواه مسلم). وعن عائشة، رضي الله عنها، أنها قالت لأبي سلمة بن عبد الرحمن، وكان بينه وبين الناس خصومة: يا أبا سلمة اجتنب الأرض، فإن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: “من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين” (رواه البخاري ومسلم). وعن حذيفة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا تكونوا إمّعة، تقولون: إن أحسن الناس أحسنا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وَطِّنُوا أنفسكم، إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساءوا فلا تظلموا” (رواه الترمذي). وأثر عن عبد الرحمن الأوزاعي قولته لأبي جعفر المنصور: أنت راعي الله، والله تعالى فوقك، ومستوف منك، ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا، وَإِنْ كَانَ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ اَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ (الأنبياء: 47).

[20]. أخرجه مسلم كتاب: البر والصلة والآداب، باب: تحريم الظلم، (2577).

[21]. قال ابن حجر العسقلاني في شرحه لحديث: “المومن للمومن كالبنيان يشد بعضه بعضا”: “نصر المظلوم فرض على الكفاية، وهو عام في المظلومين، وكذا في الناصرين، بناء على أن فرض الكفاية مخاطب به الجميع وهو الراجح”، فتح الباري، 5/99.

[22]. مقاصد الشريعة في اصطلاح العلماء هي: الغايات والأهداف والنتائج والمعاني التي أتت بها الشريعة، وأثبتتها في الأحكام، وسعت إلى تحقيقها وإيجادها والوصول إليها في كل زمان ومكان. انظر: الطاهر بن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، ص13.

[23]. حدّد العلماء مقاصد الشريعة بأنها تحقيق مصالح الناس في الدنيا والآخرة، أو في العاجل والآجل، يقول العز بن عبد السلام رحمه الله تعالى: “اعلم أن الله سبحانه لم يشرع حكمًا من أحكامه إلا لمصلحة عاجلة أو آجلة، أو عاجلة وآجلة، تفضلاً منه على عباده”، ثم قال: “وليس من آثار اللطف والرحمة واليسر والحكمة أن يكلف عباده المشاق بغير فائدة عاجلة ولا آجلة، لكنه دعاهم إلى كل ما يقربهم إليه”.. ومصالح الناس في الدنيا هي كل ما فيه نفعهم وفائدتهم وصلاحهم وسعادتهم وراحتهم، وكل ما يساعدهم على تجنب الأذى والضرر، ودفع الفساد، إن عاجلاً أو آجلاً”. انظر شجرة المعارف والأحوار، ص401.

وقال الإمام الشاطبي: “إن وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل” إما بجلب النفع لهم، أو لدفع الضرر والفساد عنهم. الموافقات، م، س، 2/9.

[24]. يعتبر المذهب المالكي من أهمّ المذاهب القائلة به. واعتبار أصل الذرائع بالسد أو الفتح يُعدُّ من وجهٍ توثيقاً لمبدأ المصلحة الذي استمسك مالك بعروته؛ فهو اعتبر المصلحة الثمرة التي أقرَّها الشارع واعتبرها ودعا إليها وحث عليها؛ فَجْلبُها مطلوب، وضدها، وهو الفساد، ممنوع؛ فكل ما يؤدي إلى المصلحة بطريق القطع أو بغلبة الظن يكون مطلوباً بقدره من العلم أو الظن، وكل ما يؤدي إلى الفساد على وجه اليقين أو غلبة الظن يكون ممنوعاً على حسب قدره من العلم؛ فالمصلحة بعد النص القطعي هي: قطب الرحى في المذهب المالكي، وبها كان خصباً كثير الإثمار. أبو زهرة، مالك عصره وآراؤه الفقهية ص 352.

[25]. ومن أدلة هذا الأصل قوله تعالى: ﴿ولا تسبّوا الذين يدعون من دون الله فيسبّوا الله عدوا بغير علم﴾ (الأنعام: 109)، فحرم الله سب آلهة المشركين، مع كون السب غليظا، وإهانة لآلهتم، وما ذلك إلا لكونه ذريعة إلى سبهم لله تعالى، فكان مصلحة ترك مسبته تعالى أرجح من مصلحة سبنا لآلهتهم.

قال الشاطبي رحمه الله: “وسد الذرائع مطلوب مشروع وهو أصل من الأصول القطعية…” انظر: الموافقات، م، س، 3/61.

[26]. شرح تنقيح الفصول، ص449، والفروق، 2/63.

[27]. نظم مراقي السعود، نظم في موضوع أصول الفقه للشيخ عبدالله بن الحاج إبراهيم العلوي الشنقيطي (توفي 1233ﻫ).

[28]. مختصر ابن الحاجب، 1/244، شرح الكوكب المنير، 1/357.

[29]. وسدُّ الذرائع فيه اعتبار للمآلات وجلبِ المصالح ودرءِ المفاسد، ما أمكن الدفع والجلب؛ فإنه لما كان مقصود الشريعة إقامة مصالح الدنيا على طريقةٍ تُحكَم فيها بحكم الدين المسيطر على الوجدان والضمير، ودفع الفساد ومنع الأذى حيثما كان؛ فكل ما يؤدي إلى ذلك من الذرائع والأسباب يكون له حكم ذلك المقصد الأصلي، وهو الطلب للمصلحة، والمنع للفساد والأذى.

[30]. الموفقات، م، س، 3/194.

[31]. يقصد الإمام الشاطبي”العلم بقصد الشارع بالاستقراء الكلي للأدلة في إجمالها وتفصيلها، كما هو مبين في كتابه الموافقات.

[32]. الموافقات، م، س، 4/207.

[33]. الموافقات، م، س، 2/225، وقال في الموازنة بين المصالح الكلية: “وكل واحدة من هذه المراتب لمّا كانت مختلفة في تأكد الاعتبار؛ فالضروريات آكدها ثم تليها الحاجيات ثم التحسينيات، وكان مرتبطا بعضها ببعض كان في إبطال الأخفِّ، جرأةٌ على ما هو آكد منه، ومدخل للإخلال به، فصار الأخفُّ كأنه حمى للآكد، والراعي حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، فالمخلّ بما هو مكمّل، كالمخل بالمكَمَّل من هذا الوجه”، الموافقات، م، س، 1/30.

[34]. Jason Morgan Foster-Yale University, Human Rights And Development L.G, Vol 8, pp 116.

Science
الوسوم
اظهر المزيد

الدكتور أحمد عبادي

• الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق