وحدة الإحياءدراسات محكمة

ثقافة التطرف لدى الحركات الأصولية الإسلامية المعاصرة.. قراءة في مفاهيم: الولاء والبراء، والحاكمية، وثنائية دار الإسلام ودار الحرب

لا تعسف في القول بأن العالم الإسلامي اليوم أضحى ساحة مفتوحة للصراع والقتال والاحتراب في الكثير من بلدانه، صراع وقتال واحتراب يقف خلفه في  معظم الأحوال جماعات يقودها أفراد يدعون الانتساب إلى الدين ويحتكرون فهمه، ويعتبرون أنفسهم الأحق بالدفاع عنه. يستندون في ذلك لآيات قرآنية وأحاديث نبوية وأقوال علماء، يفسرونها بما يخدم أهدافهم.

الأمر الذي يقتضي تحليلا للمفاهيم والمرتكزات التي ينبني عليها فكر الغلو والتطرف، والكشف عن الآليات التي يشتغل وفقها هذا الفكر، لأجل نقدها وتقويمها على نحو يمكن من إبراز أزمة هذا الفكر وإظهار تهافت منطلقاته وغاياته. من ذلك مفاهيم: الولاء والبراء، الحاكمية، ثنائية دار الإسلام ودار الكفر…

تقدم هذه المقالة قراءة في البنية الفكرية التي ترتكز عليها الحركات الأصولية الإسلامية المعاصرة في تبرير أشكال التطرف وأعمال العنف والإرهاب، محاولة استكشاف الخلفيات التي تجعل أنصار هذه الجماعات يعتقدون بأن البلدان العربية والإسلامية ومجتمعاتها المعاصرة دار حرب وأرض قتال.

وقد حاولت هذه القراءة أن تبين العلاقة الوطيدة والعضوية التي أسس لها منظرو الحركات الأصولية الإسلامية المعاصرة بين عقيدة الولاء والبراء من جهة، وفكرة الحاكمية الإلهية باعتبارها تحكيما للشرع الإلهي من جهة ثانية، وعلاقة منظور الحاكمية بإعادة إنتاج ثنائية دار الإسلام ودار الحرب من جهة ثالثة. وعلى هذا النحو تمثل عقيدة الولاء والبراء وفكرة الحاكمية وثنائية دار الحرب ودار الإسلام مفاتيح مهمة في فهم ثقافة التطرف. فكيف وظفت الحركات الأصولية هذه المفاهيم في نزوعها نحو التطرف والعنف؟

أولا: الولاء والبراء

من المعلوم أن هذه الحركات المعاصرة تعتمد في تطرفها على مسوغات فقهية يمكن إدراجها في إطار فقه جماعات العنف، الذي هو نتيجة لنهج معين ولفقه خاص له وجهته ومفاهيمه وأدلته في القرآن والسنة. وعلى الرغم من أنها تتمسك بحرفية النصوص التأسيسية، وتغفل المقاصد وتخرج بأدلة بعيدة عن سياقها وإطارها، إلا أنها استطاعت توظيفها بشكل سمح لها بممارسة تطرفها وعنفها بالداخل والخارج.

بدأت هذه الجماعات العنف من داخل أوطانها؛ أي العنف ضد الأنظمة الحاكمة، و اعتبرت أن الحكومات المعاصرة، حكومات غير شرعية وكافرة. ويؤكد فقه هذه الجماعات عدم شرعية الحكومات العربية والإسلامية أو كفر الأنظمة الحاكمة بأمر وهو “أنها توالي أعداء الله من الكفار، الذين يكيدون للمسلمين، تعادي أولياء الله من دعاة الإسلام، الذين ينادون بتحكيم شرع الله وتضطهدهم وتؤذيهم (ومن يتولهم منكم فإنه منهم).

وعلى هذا يَقُومُ جَوهَرُ عَقِيدَة الولاء والبراء على أن المسلم لا يكون مخلصا لِجماعته إلا إذا عادى وأبغض الآخرين (غير المسلمين). يجب على المسلم أن يكون مخلصا للمسلم ومعاديا وغير موالٍ لِغَير المسلم، سَوَاء أكَان َهَذا الأخير فَردا، جماعة أو دولةً. استند أصحاب هَذه النظرية للولاء على الآيات القرآنية التالية: ﴿وَالْمُومِنُونَ وَالْمومِنَاتُ بَعْضُهُمُ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (التوبة: 72)، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا ءَابَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمُ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْاِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (التوبة: 23) و﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (المائدة: 53).

فُسرت كلمة “الولاء” طبقا لهذه الآيات على أساس أنها تدل على ضرورة انتماء الفرد للجماعة لكي يحظى بالقبول والرضى، كما تدل على الألفة، الحميمية والصداقة وهذا ما لا يمكن حسب هؤلاء أن ينطبق على من وَرَدَ ذِكرُهُم في الآية 21 من سورة المجادلة: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُومِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا ءَابَاءَهُمْ أَوْ اَبْنَاءَهُمْ أَوْ اِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْاِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْاَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.

وِفقًا لعقيدة “الولاء والبراء” فليس لِلكُفَارِ أَو أتبَاع الديانات الأخرى إلا الكراهية والعداوة، وحقيقة العدواة وطبيعتها هو اختلاف الدين، وافتراق المنهجين، فإما دين الله واتباع شرعه وموالاة عباده المؤمنين، وإما دين الباطل واتباع الهوى والشهوات والشيطان والانضمام إلى حزب الشيطان[1]. وأن هذه العداوة الحاصلة بسبب الدين هي أعظم أنواع العداوة مما يمتنع معه طلب المحبة والولاية في الموضع الذي يكون  أعظم موجبات العداوة حاصلا فيه. ويَجِدُ هَذَا الطَرح سنداً آخر في الآية: ﴿ قَدْ كَانَتْ لَكُمْ إِسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَاؤُاْ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُومِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ (الممتحنة: 4).

بهذا تحولت عقيدة الولاء والبراء إلى شرط في الإيمان، بناء على قوله تعالى: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ (المائدة: 82).

بل جعلت عقيدة الولاء والبراء أوثق عرى الإيمان، استنادا لما روى أحمد في مسنده عن البراء بن عازب، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله”. فالتبرؤ من المخالف دينيا والنقيض عقيديا وممن لا يحكم شرع الله والمنافقين والمشتهرين بالزندقة والإلحاد وفق هذا الفهم عمل من الإيمان، وموالاتهم ومحبتهم ومناصرتهم وملاطفتهم والتعامل معهم هو من الكفر؛ أي المفاصلة التامة بين المسلمين وجميع أعدائهم. وعليه فمما يقوم عليه مبدأ الولاء والبراء من مضمون ثابت ومحدد باعتباره من لوازم الإيمان والتوحيد ينبغي أن يتجسد في قتل الأعداء والغلظة عليهم في ذلك. إعمالا لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِيسَ الْمَصِيرُ﴾ (التوبة: 74).

بل إن هذا المفهوم تجاوز العلاقة بين المسلمين وغيرهم إلى علاقة المسلمين مع بعضهم البعض، إذ تمت الدعوة إلى قطع الموالاة مع الأقارب، والمفاصلة التامة بين المؤمن وقريبه المشرك أو الكافر أو المنافق[2]، بالاستناد إلى آيات قرآنية منها: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ (المجادلة: 22) ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَتَّخِذُوا ءَابَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْاِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ. قُلْ اِنْ كَانَ ءَابَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (التوبة: 23-24).

ثانيا: منظور الحاكمية  الإلهية وإعادة إنتاج ثنائية دار الإسلام ودار الحرب

الحاكمية الإلهية تعبير شاع استخدامه في الأدبيات الإسلامية عموما، وأدبيات الصحوة خصوصا، ليشار به إلى التزام شريعة الله بدلالة ما يرد في بعض الآيات:

﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ (المائدة: 44).

﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ (المائدة: 45).

﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (المائدة: 47).

﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ (الأنعام: 57).

تقابل الحاكمية الإلهية بالحاكمية الوضعية التي ينتجها الإنسان دون التزام بالشرع الإلهي، وبما أن الحاكمية الوضعية تخالف الحاكمية الإلهية، فإن المنطق يتداعى لتترادف الحاكمية الوضعية مع الكفر والشرك، فتتكرس دائرة التناقض ضمن ثنائية حادة، فإما الحاكمية الإلهية وإما الكفر، وعلى هذا الأساس تعد جميع المجتمعات ذات الأنظمة الوضعية مجتمعات كافرة، ولا توسط بين الأمرين.

وبهذا “المضمر الفكري” تتجه بعض الحركات الإسلامية إلى تمييز نفسها عن الآخرين في مجتمعاتنا بوصفها؛ (أي هذه الحركات) مجسدة في ذاتها وتكوينها إطارا لحاكمية الله؛ أي إن في داخلها الحركي يكمن “الخلاص”، فهي دون غيرها “مدينة الله” والآخرون “مدن الشيطان”. ويتداعى المنطق فيسبغ هذا الإطار الحركي على نفسه “مشروعية التصرف” باسم الله وحاكميته، فيرى في سبيل غاياته تبريرا لكل الوسائل، مستحلا الأنفس والدماء والأموال، “براحة ضمير تامة”، فكل تصرف يتم بمضمر المشروعية الإلهية، وفي مواجهة الكفر والجاهلية[3].

أسس خطاب الحركات الأصولية الإسلامية خلال السنوات الأخيرة بنية استدلالية أدمج بموجبها فقه الولاء والبراء في منظور الحاكمية المعاصر، بحيث تم ربط الحاكمية بمفهوم الإيمان والتوحيد، وأعطي للمفهوم صبغة عقدية، ويعد المودودي أول من ربط الحاكمية بمفهوم الإيمان والتوحيد، وأعطى للمفهوم صبغة عقدية، وذلك عندما ربطه بمفهوم الألوهية[4]، حيث يقول: “أول أساس من أسس الدين هو الإيمان بحاكمية الله فهو مالك السموات والأرضين وكل ما فيهما ملك له وحده، تأسيساً على قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ (البقرة: 283). بل يجعل المودودي من الحاكمية بعد صياغتها شبكة تؤثر في كل محور وتتعدى إلى كل مجال، فإذا كان الحديث عن مفاهيم عقدية كان حديث المودودي عن الحاكمية الخالصة لله وحده الذي له علاقة بالإيمان والتوحيد، وإذا كان الحديث عن الجانب السياسي والقانوني، انتقل المودودي إلى الحديث عن الحاكمية السياسية والحاكمية القانونية، ونورد هنا نصاً للمودودي يبين فيه معنى الحاكمية باعتباره مفهوماً توحيدياً وسياسياً وقانونياً وتشريعياً في الوقت نفسه. حيث يقول: “ينبغي علينا لكي نفهم نطاق التشريع الإنساني ومنزلة الاجتهاد في الإسلام أن ننبه لأمرين: الأول أن الحاكمية في الإسلام خالصة لله وحده، فالقرآن يشرح عقيدة التوحيد شرحاً بيّن أن الله وحده لا شريك له، ليس بالمعنى الديني فحسب بل بالمعنى السياسي والقانوني كذلك، فهو الحاكم والمطاع وصاحب الأمر والنهي، والمشرع الذي لا شريك له. يوضح القرآن توضيحاً تاماً حاكمية الله القانونية ويقدمها جنبا إلى جنب مع عقيدة معبوديته الدينية، ويؤكد على أن هاتين الصفتين هما المقتضيات اللازمة لألوهيته تعالى، وأن كلاً منهما لا تنفصم عن الأخرى، وإنكار إحداهما يسلتزم بالضرورة إنكار ألوهية الله، ولم يدع القرآن مجالاً يظن منه احتمال فهم القانون الإلهي على أنه قانون الفطرة، بل على العكس أقام دعوته على أساس حتمية تسليم الإنسان بقانون الله الشرعي في حياته الأخلاقية والمجتمعية، وهو القانون الذي بعثه الله على يد الأنبياء، وقد سمى قبول هذا القانون الشرعي والتخلي أمامه عن الحرية الشخصية إسلاماً ورفض في عبارات وألفاظ واضحة حق الإنسان في أن يفصل برأيه في الأمور التي أصدر الله ورسوله فيها حكماً وفصلاً. والأمر الثاني الذي تساوى وتوحيد الله في الإسلام هو أن محمداً صلى الله عليه وسلم آخر الأنبياء …”[5].

كما يرى “أن الإسلام يضاد ويعارض الممالك القائمة على المبادئ المناقضة للإسلام، ويريد قطع دابرها، ولا يتحرج في استخدام القوة الحربية لذلك، وهو لا يريد بهذه الحملة أن يكره من يخالفه في الفكرة على ترك عقيدته، والإيمان بمبادئ الإسلام، إنما يريد أن ينتزع زمام الأمر ممن يؤمنون بالمبادئ والنظم الباطلة، حتى يستتب الأمر لحملة لواء الحق، وعليه فإن الإسلام ليس له، من هذه الوجهة، دار محدودة بالحدود الجغرافية يذود ويدافع عنها، وإنما يملك مبادئ وأصولا يذب عنها، ويستميت في الدفاع عنها، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله”[6].

والخصائص الأولوية للدولة الإسلامية في نظر المودودي ثلاث:

  1. ليس لفرد أو أسرة أو طبقة أو حزب أو لسائر القاطنين في الدولة نصيب من الحاكمية، فإن الحاكم الحقيقي هو الله، والسلطة الحقيقية مختصة بذاته تعالى وحده، والذين من دونه في هذه المعمورة إنما هم رعايا في سلطانه العظيم.
  2. ليس لأحد من دون الله شيء من أمر التشريع، والمسلمون جميعا، ولو كان بعضهم ظهيرا لبعض، لا يستطيعون أن يشرعوا قانونا.
  3. إن الدولة الإسلامية لا يؤسس بنيانها إلا على ذلك القانون الذي جاء به النبي من عند ربه، مهما تغيرت الظروف والأحوال[7]. ولفظ “إله” واصطلاح “الحاكمية” هما اسمان لحقيقة واحدة[8].

وقد تبنى النهج نفسه سيد قطب عندما اعتبر الإسلام “إعلان عام لتحرير الإنسان في الأرض من العبودية للعباد، وذلك بإعلان ألوهية الله وحده (التي تعني)؛ الثورة الشاملة على حاكمية البشر في كل صورها وأشكالها وأنظمتها وأوضاعها والتمرد الكامل على كل وضع في أرجاء الأرض الحكم فيه للبشر بصورة من الصور.. إن معناه تحطيم مملكة البشر لإقامة مملكة الله في الأرض”[9]. و”مملكة الله في الأرض… لا قيام لها إلا بإزالة الأنظمة والحكومات التي تقوم على أساس حاكمية البشر[10]، وتحطيم الأنظمة السياسية الحاكمة أو قهرها حتى تدفع الجزية وتعلن استسلامها والتخلية بين جماهيرها وهذه العقيدة، تعتنقها أو لا تعتنقها بكامل حريتها”[11].

“كل أولئك لا يتم بمجرد التبليغ والبيان؛ لأن المتسلطين على رقاب العباد، المغتصبين لسلطان الله في الأرض، لا يسلمون في سلطانهم بمجرد التبليغ والبيان، إنه لابد من الجهاد بالسيف إلى جانب الجهاد بالبيان، لتحرير الإنسان في الأرض كل الأرض”[12].

“فالإسلام في جهاد دائم لا ينقطع أبدا لتحقيق كلمة الله في الأرض… وهو مكلف ألا يهادن قوة من قوى الطاغوت على وجه الأرض… والإسلام يواجه القوى الواقعة في وجهه بواحدة من ثلاث: الإسلام، أو الجزية، أو القتال”[13].

ويقيم سيد قطب فكرة الحاكمية في إطار استحضار معاني الجاهلية المعاصرة، وبناء على هذا التقابل والتفاعل بين الحاكمية والجاهلية، تتضح أكثر معالم الحاكمية عنده، ومن خلال هذا التقابل يمكن ملاحظة التفسير الحاد للصياغات التي يقدمها قطب. حيث يقول: “إن العالم يعيش اليوم كله في جاهلية من ناحية الأصل الذي تنبثق منه مقومات الحياة وأنظمتها، جاهلية لا تخفف منها شيئاً هذه التفسيرات المادية الهائلة … هذه الجاهلية تقوم على أساس الاعتداء على سلطان الله في الأرض، وعلى أخص خصائص الألوهية وهي الحاكمية”[14]. فالجاهلية عند قطب خطر داهم لأنه لا يتصالح مع الحاكمية، لأن الجاهلية عنده هي أن: “تستند الحاكمية إلى البشر فتجعل بعضهم لبعض أرباباً … في صورة ادعاء حق وضع التصورات والقيم والشرائع والقوانين والأنظمة والأوضاع بمعزل عن منهج الله للحياة، وفيما لم يأذن به الله”[15]. وتولي الجاهلية صفة الحاكمية ينتج عنه اعتداء على الإنسان، ولهذا يرى قطب أن مهانة الإنسان في الأنظمة الجماعية ما هي إلا أثر من آثار الاعتداء على سلطان الله[16]. ويدخل قطب كل المجتمعات سواء كانت عربية أو اتسمت بالإسلامية في إطار المجتمعات الجاهلية عند فقدها شرط الحاكمية إقراراً وتطبيقاً، لأن معيار إسلامية المجتمع عند قطب يتحدد في مصدر تلقي النظم والشرائع والقيم والموازين والعادات والتقاليد وكل مقومات الحياة، هل تتلقى من الحاكمية الإلهية، فتدين بذلك له، وعلى هذا الأساس تدخل في عداد المجتمعات المسلمة، أم أن هذه المجتمعات تتلقى ذلكم من حاكمية البشر، ولا تدين بالعبودية لله وحده، في نظام حياتها، فتكون بذلك ضمن المجتمعات الجاهلية، وإن اعتقدت بألوهية الله تعالى وقدمت له سائر الشعائر التعبدية[17].

فمعقد الفك والربط، والفصل والوصل عند قطب هو مفهوم الحاكمية الإلهية باعتبارها معياراً فاصلاً بين الكفر والإيمان[18].

كان سيد قطب لا يرى أي فرق بين مفهوم شهادة التوحيد ومفهوم الحاكمية؛ إذ إنّ أحدهما صِنْوُ الآخر، وأحدث نوعاً من التقابل بين مصطلح الحاكمية وشهادة التوحيد، وهذا التقابل الذي أحدثه قطب يستند إلى مصطلح “الألوهية” حيث يقول: “فلقد كانوا يعرفون أن الألوهية تعني الحاكمية العليا، وكانوا يعرفون أن توحيد الألوهية وإفراد الله سبحانه بها معناه نزع السلطان الذي يزاوله الكهان ومشيخة القبائل والأمراء والحكام ورده كله إلى الله، السلطان على الضمائر، والسلطان على الشعائر، والسلطان على واقعيات الحياة، والسلطان في القضاء، والسلطان في الأرواح والابدان”[19]. فلفظ “الإله” الذي هو أحد الأبنية الأساسية في شهادة التوحيد، يخرج عليه قطب أهم خاصية لصيقة به ولا تنفك بحال عنه وهي الحاكمية، ثم يجعل هذا الجزء مرادفاً للكل لتصبح شهادة التوحيد دالة على معنى واحد، وهو الحاكمية العليا، فقطب يبين أن قاعدة الألوهية هي الأساس للدين كله، ويعبر عن هذا المعنى بقوله: “إن طبيعة الدين هي التي قضت بهذا، فهو دين يقوم كله على قاعدة الألوهية الواحدة، كل تنظيماته وكل تشريعاته تنبثق من هذا الأصل الكبير”[20].

وقد عبر قطب في غير موضع أن الحاكمية أهم خصائص الألوهية، وهو بذلك يعتبر أن الدين قائم على مبدأ الحاكمية. ويقول في موضع آخر: “فالإسلام منهج للحياة البشرية، وهو منهج يقوم على إفراد الله وحده بالألوهية متمثلة في الحاكمية”[21]. وفي تفسيره لآيات الحكم في سورة المائدة، يقول: “يتناول هذا الدرس أخطر قضية من قضايا العقيدة الإسلامية، والمنهج الإسلامي، ونظام الحكم والحياة في الإسلام، … إنها قضية الحكم والشريعة والتقاضي ومن ورائها قضية الألوهية والتوحيد والإيمان”[22]. فسيد قطب يجعل قضية الحكم من أهم قضايا العقيدة والإيمان، بل ويعتبرها مسألة كفر أو إيمان، إسلام أو جاهلية، وهذه أحكام لها متعلقات عقدية، يقول سيد قطب: “إن المسألة، في هذا كله، مسألة إيمان أو كفر، أو إسلام أو جاهلية، وشرع أو هوى، وإنه لا وسط في هذا الأمر ولا هدنة ولا صلح، فالمؤمنون هم الذين يحكمون بما أنزل الله، لا يخرمون منه حرفاً ولا يبدلون منه شيئاً، والكافرون الظالمون الفاسقون هم الذين لا يحكمون بما أنزل الله”[23].

والملاحظ أنه لا خلاف ولا تمايز في فكرة الحاكمية بين المودودي وقطب في الحقيقة والجوهر، إذ يفسر سيد قطب الحاكمية، ويصطلح عليها بالحاكمية العليا، في ضوء معاني الألوهية، ويرى أن مفهوم الحاكمية معناه “نزع السلطان الذي يزاوله الكهان ومشيخة القبائل والأمراء والحكام، والسلطان على الضمائر، والسلطان على العشائر، والسلطان على واقعيات الحياة، والسلطان في المال، والسلطان في القضاء، والسلطان في الأرواح والأبدان..ورده إلى الله..”[24].

تلك نماذج من عبارات المودودي وقطب العامة والموهمة للبس والغموض، في قضية الحاكمية، ونظريتهما عنها. لقد جردا فيها الإنسان من كل حق في الأمر والتشريع والتقنين، بل والتنفيذ، فردا كان أم جماعة، بل وحتى الأمة.

لقد تحول مفهوم “الحاكمية الإلهية” بتلك الجهود والشروح التي بذلت من كتاب الحركات الإسلامية إلى قرين للتوحيد، بحيث صارت تسقط عليه كل عناصر التوحيد أو مقومات العقيدة من ولاء وبراء وسواها، وتربط بها بشكل وثيق، وبذلك ساد نوع من سوء الفهم واضطراب الرؤية في داخل المجتمعات الإسلامية، وإضافة أسباب صراع وتمزق أخرى إلى أسباب الصراع والتمزق القائمة سلفا[25].

لم يكن من الغريب في تقديرنا، أن يعيد منظور الحاكمية إنتاج الرؤية الفقهية التقليدية التي تقسم العالم إلى دار إسلام ودار حرب “إذ لا وطن للمسلم إلا الذي تقام فيه شريعة الله فتقوم الروابط بينه وبين سكانه على أساس الارتباط في الله، ولا جنسية للمسلم إلا عقيدته التي تجعله عضوا في الأمة المسلمة في دار الإسلام ولا قرابة للمسلم إلا تلك التي تنبثق من العقيدة في الله”. وفي مقابل هذا فإن كل أرض تحارب المسلم في عقيدته وتصده عن دينه وتعطل عمل الشريعة فهي دار حرب ولو كان فيها أهله وعشيرته وقومه وتجارته… وكل ارض تقوم فيها عقيدته وتعمل فيها شريعته فهي دار الإسلام ولو لم يكن فيها أهل ولا عشيرة ولا قوم ولا تجارة”.

و”أهل دار الحرب هم الحربيون، والحربي لا عصمة له في نفسه ولا في ماله بالنسبة لأهل دار الإسلام، لأن العصمة في الشريعة تكون بأحد أمرين، الإيمان والأمان، وليس للحربي واحد منهما”[26]. و”أن العلائق بين الدارين لم تكن علائق سلم، وإنما كانت في حالة حرب معلنة”[27]. “فالإسلام في جهاد دائم لا ينقطع أبدا لتحقيق كلمة الله في الأرض… وهو مكلف ألا يهادن قوة من قوى الطاغوت على وجه الأرض… والإسلام يواجه القوى الواقعة في وجهه بواحدة من ثلاث: الإسلام، أو الجزية، أو القتال”[28]. ويعتبر سيد قطب ذلك من طبيعة الإسلام، ومن ثم فلا يمكن للإسلام “أن يقف عند حدود جغرافية.. لا يحركه إلا خوف الاعتداء”[29].

كما ينكر سيد قطب القول بأن الإسلام “لا يقاتل إلا الذين يقاتلون أهل دار الإسلام في داخل حدود هذه الدار أو الذين يهددونها من الخارج”[30]، ويشنع على أصحاب هذا القول ويعتبرهم من المهزومين روحيا أمام الواقع البائس النكد الذي يواجههم، وأمام القوى المعادية التي لا طاقة لهم بها”[31]، وعلى حد تعبيره، “هان الأمر لو أنهم حين يهزمون روحيا أمام هذه القوى لا يحيلون هزيمتهم إلى الإسلام ذاته، ولا يحملونه على ضعف واقعهم الذي جاءهم من بعدهم عن الإسلام أصلا، ولكنهم يأبون إلا أن يحملوا ضعفهم وهزيمتهم على دين الله القوي المتين”[32].

إن حركة الجهاد الإسلامي في نظر سيد قطب لا تتوقف عند حماية دار الإسلام، فهي: “ليست الهدف النهائي وليست حمايتها هي الغاية الأخيرة، إنما حمايتها هي الوسيلة لقيام مملكة الله فيها، ثم لاتخاذها قاعدة انطلاق إلى الأرض كلها وإلى النوع الإنساني بجملته؛ فالنوع الإنساني هو موضوع هذا الدين والأرض هي مجاله الكبير”[33].

فحسب سيد قطب فحركة الجهاد الإسلامي لا تقتصر على صون حدود دار الإسلام، إنما وجوب توسيعها لتشمل كل الأرض بما يمكن الكل من اعتناق الإسلام على اعتبار أن الإسلام دين الله وأعداؤه أعداء الله الذين إن لم يصلح معهم جهاد البيان وجب الشروع في جهاد السيف.

وعلى هذا فهناك، حرب بين دار الإسلام ودار الحرب حرب معلنة أو مضمرة أو مؤجلة وهي لا تنتهي إلا حينما يدخل الجميع إلى الإسلام أو يخضعون له، فالسلام بين الدارين غير ممكن من ناحية شرعية لأنه مصالحة بين نقيضين: حق وباطل، هدى وضلالة، إيمان وكفر.. ووجود هدنة لا يعني أن تضع الحرب أوزارها إلى الأبد فهي مؤقتة لا تزيد على عشر سنوات. وللمسلمين حق نقضها من طرف واحد، ومواصلة الجهاد متى وجدوا ذلك ممكنا وضروريا.

إن أحد أهم مفاتيح فهم الظاهرة الجهادية الإسلامية المعاصرة في البلدان العربية والإسلامية، إنما يكمن حسب تقديرنا، في فهم هذه العلاقة العضوية التي أسس منظور الحاكمية في الإسلام، باعتبارها تحكيما للشرع الإلهي من جهة، والولاء والبراء باعتباره ركن من أركان العقيدة، وشرط من شروط الإيمان، وثنائية دار الحرب ودار الإسلام باعتبارها نقضا لفكرة المواطنة، بما في ذلك نفي فكرة وجود وطن يجمع المسلمين بغيرهم مشتركين في الدولة والأرض والسيادة من جهة ثالثة.

يذهب خطاب الحركات الأصولية الإسلامية المعاصرة بفكرة الولاء والبراء والحاكمية وثنائية دار الإسلام ودار الحرب، إلى مداها الأقصى في تكفير المسلمين والمجتمعات المعاصرة التي لا يتحاكم أفرادها إلى شرع الله.

وكان يكفي خطاب التطرف أن يعيد إنتاج هذه الأفكار الثلاثة ويذهب بها إلى مداها التكفيري الأقصى على هذا النحو، كي يصنع جماعات ذات أتباع متشبعين عقيديا وأيديولوجيا بروح معاداة بلدانهم ومنفصلين نفسيا ووجدانيا عن مجتمعاتهم الوطنية. كما أن تلك الأفكار كانت كافية لأن تصنع أتباعا مهيئين لأن يحولوا أوطانهم ومجتمعاتهم إلى ساحات يمارسون فيها شتى أنواع القتل والتدمير والتخريب.

وبالنظر إلى أزمات الواقع العربي والإسلامي وإخفاقاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بالإضافة إلى التحامل الغربي على الإسلام والمسلمين، وانحيازه المفضوح لصالح الكيان الصهيوني ضدا على حقوق الفلسطينيين… فقد تلقف الكثير من منظري الحركات الإسلامية السياسية المتشددة التصور الفقهي المذكور، فعملوا على استثماره في تسويغ وتبرير القيام بالأعمال الحربية ضد غير المسلمين وشرعنتها، واعتبار أن القتال لا ينحصر بحالة العدوان على أهل الإسلام أو دعوتهم، بل شرع القتال ابتداء لإخضاع الأنظمة الكافرة لسلطان الإسلام. فاكتسبت الحركات الإسلامية الراديكالية التي اعتمدت في تصوراتها وأعمالها على الأحكام المتعلقة بالتصور التراثي الفقهي لتقسيم المعمورة صفة المشروعية للكثير من علميات العنف التي يتم تنفيذها سواء على المستوى الداخلي (العربي والإسلامي) أم على المستوى الخارجي، إذ استند تنظيم الجهاد الإسلامي في  مصر عام 1976م، إلى مفهومي “دار الكفر” و”دار الإسلام” في مسألة انقلاب “دار الإسلام دار كفر”. “وبالانتقال إلى العالمية بدأت الأحكام المتعلقة بتقسيم المعمورة تتمدد باتجاه الخارج؛ أي باتجاه العلاقات الدولية بعد أن بقيت طيلة السبعينات وحتى الثمانينيات مقصورة عموما على الوضع الداخلي، وبدأ تطبيقها الأول مريعا في أحداث الحادي عشر من شتنبر2001م في برجي التجارة في نيويورك (أو ما تسميه القاعدة بـ”غزوة مانهاتن)، فقد تمت شرعنة العلميات الانتحارية على أساس التقسيم الفقهي إلى “دار الحرب” و”دار الإسلام” وباعتبار أن أمريكا “دار كفر”، ودار الكفر في التراث الفقهي مطابقة لدار الحرب، وليس هناك فرق بين المصطلحين إطلاقا، وأن دماء أهل الحرب هدر أو مهدورة، هذا ما يلمح إليه خطاب أسامة بن لادن، الأول، زعيم تنظيم القاعدة عقب الأحداث، بقوله :”إن هذا الحدث قد قسم العالم إلى فسطاطين، في إشارة إلى دار الحرب ودار الإسلام، كما في بيانات وخطابات أخرى[34].

ولقد كان من نتائج ذلك، الأعمال الإرهابية، وأعمال العنف… مما أسهم في تقوية المد العدائي ضد الإسلام، بتوفير أدلة مادية وظفها مشروع التخويف من الإسلام أوسع توظيف، واستخدمها دعاة الثقافات الأخرى، فيقول أحد المستغلين لهذا الوضع: “إن الله في الإسلام يطالبك بإرسال ابنك ليموت من أجله، أما في المسيحية فإن الرب يرسل ابنه ليقتل من أجلك”.

وقد حرضت شعارات التكفير ووعيده المتكرر كثيرا من الشعوب ضد الإسلام والمسلمين، بعدما سمعت تلك الشعوب أن الهدف المستقلبي هو بلادها، وأن فتح إيطاليا، واسترجاع الأندلس عن طريق الجهاد هو ضمن أجندة المسلمين، ونحن إن كنا نأمل أن يتحول العالم كله إلى الإسلام، فإننا نرجو أن يتم ذلك بالحوار، بتفعيل قوة المنطق ونصاعة الحجة والبرهان، لا باستعمال قوة السلاح الذي نعلم وضعنا من امتلاكه والتحكم فيه.

وقد ساعدت العمليات الإرهابية على رص صفوف غير المسلمين، وعلى تكتلهم وتذويب خلافاتهم، وهم يخططون لمواجهة الإرهاب.

وقد استفادت إسرائيل بكيفية أخص من الوضع، حين قدمت نفسها للعالم على أنها مستهدفة بالإرهاب، مع أنها مغتصبة للأرض، ولذلك أصبح العدوان ضد الشعب الفلسطيني لا يثير التعاطف والاهتمام المنتظر.

وكان من الآثار المباشرة لثقافة التكفير تنشيط المد العنصري، وتقوية الاتجاهات اليمينية في الغرب، وأصبحت الرغبة في التخلص من الوجود الإسلامي والسعي إلى التمايز الثقافي جزءا من وعود الطبقة السياسة، وانعكس كل هذا سلبا على الأقليات الإسلامية، كما تضررت منه الجاليات المقيمة في ديار الغرب، فأصبح التآكل في حريات الممارسة الدينية ظاهرة ماثلة.

إن الخلاصة من كل ما سبق عن ظروف ونشأة الفكر التكفيري وعن أسسه ومستنداته وتراجعاته، أن الأمر يتعلق بفكر نشأ عن قراءة غير سليمة للنصوص الشرعية، فأفرز تيارا يحتكم إلى قوة السلاح، فخرج عن سياق التعامل الذي عرفته الأمة الإسلامية التي وفرت الأمن لأفرادها، رغم ما قد يكون بينهم من اختلافات في تفاصيل الآراء العقدية والسياسية.

وسمة هذا الفكر أن يتقوى ويتمدد في كل الفراغات والفجوات التي يخلفها في ذهنية المجتمع حينما يتخلى جزئيا أو كليا عن الاضطلاع بمسؤولياته ووظائفه الدينية، على مستويات نشر المعرفة وتحصين الذات معرفيا واجتماعيا.

إن ادعاء منطق الحاكمية الإلهية بالمعنى الذي تبنته الحركات الدينية، قد شوه مفاهيم الدين وأوجد حالة الانفصام ما بين المسلم ودينه من جهة، حين لا يتقبل المسلم حالات التعصب والمغالاة والادعاء والفرقة وإسقاط حقوق الغير، كما أوجد حالة من الانفصام بين المسلم ومجتمعه من جهة أخرى حين يقبل بهذه المقولات الزائفة على علاتها ظنا منه أنها من صلب دينه[35].

والمطلوب، راهنا، أن يتنبه المجتمع بكل مؤسساته العلمية، وبجميع مصادر التوجيه فيه، إلى وجوب العودة إلى المواقع التي يتشكل فيها الوعي، وتصنع فيها الممانعة من أجل تفعيل رسالتها.

ولا يتأتى ذلك إلا باعتماد برامج التعليم بكل تخصصاته، وداخل جميع مؤسساته، لمواد العقيدة الإسلامية، والثقافة الإسلامية، والحضارة الإسلامية، والخروج بها عن أن تظل مجرد اهتمام تخصصي محدود، مادام خطاب العنف مفتوحا على كل شرائح المجتمع.

والمتعين، أيضا، أن تفسح وسائل الإعلام، بكل أصنافها وبما لها من قدرة على التواصل، المجال واسعا للتعريف بالثقافة الإسلامية الرصينة، في أفق إنجاز مشروع بناء الذهنية الإسلامية القادرة على النقد والتمحيص، وعلى أمل تقوية الرصيد المعرفي للمواطن الذي يجب التعويل على وعيه وإسهامه في هذا المجال.

ويظل للأسرة دورها في غرس معاني التدين الصحيح، كما أن للمسجد وما يلقى فيه من دروس العلم والخطب والمواعظ رسالته الكبيرة في تحقيق هذا الهدف[36].

وفي النهاية فإن السؤال الذي ألقيه على نفسي في كآبة شديدة إلى حد القلق، ولا مانع من أن يلقيه كل على نفسه، هو هذا: لقد تألم المسلمون كثيرا في الماضي من التوظيف السياسي للإسلام، فخدموا من خدموا، وعارضوا من عارضوا، وركبوا الدين مطايا يحدوها حادي التكفير، فتفرقت بهم السبل… فهل سنبقى على هذه الحال إلى الأبد؟ أم هل سنعتبر بالتاريخ، وقد أراده مسكويه تجارب وابن خلدون عبرا، فنقطع عما تألمنا منه، وشق صفوفنا، وفرق فرقنا إلى حد تكفير بعضنا البعض، واستحلال دمائنا، ثورة وردعا بأوجه يعسر حصرها؟[37].

الهوامش

  1. انظر: محمد بن سعيد بن سالم القحطاني، الولاء والبراء في الإسلام من مفاهيم عقيدة السلف، القاهرة: المكتبة التوفيقية، ط7، 2014م، ص106.
  2. المرجع نفسه، ص182.
  3. أبو القاسم حاج حمد، الحاكمية، بيروت: دار الساقي، ، ط1، 2010م، ص39.
  4. لحسن لحساسنة، مداخل منهجية في مفهوم الحاكمية، م. إسلامية المعرفة، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، فيرجيينا، السنة السابعة، العدد الثامن والعشرون، (ربيع 1423ﻫ/2002م)، ص67.
  5. أبو الأعلى المودودي، الحكومة الإسلامية،، ترجمة: أحمد إدريس، طبعة القاهرة 1977م، ص130.
  6. أبو الأعلى المودودي، الجهاد في سبيل الله، بيروت: مؤسسة الرسالة، طبعة 1979م، ص41.
  7. أبو الأعلى المودودي، نظرية الإسلام السياسية، ترجمة خليل حسن الإصلاحي، طبعة بيروت، ط، الأولى، 1969م، ص49.
  8. أبو الأعلى المودودي، الحكومة الإسلامية، م، س، ص65.
  9. سيد قطب، في ظلال القرآن، القاهرة: دار الشروق، الطبعة الشرعية الثلاثون، (1422ﻫ/2001م)، ج3، ص1433.
  10. المرجع نفسه، ص1435.
  11. المرجع نفسه، ص1433.
  12. المرجع نفسه، ص1434-1435.
  13. المرجع نفسه، ص156-157.
  14. سيد قطب، معالم في الطريق، بيروت: دار الشروق، ط16، (1413ﻫ/1993م)، ص10.
  15. المرجع نفسه.
  16. المرجع نفسه.
  17. المرجع نفسه، ص101
  18. لحسن لحساسنة، مداخل منهجية في مفهوم الحاكمية، م، س، ص72.
  19. سيد قطب، معالم في الطريق، م، س، 26.
  20. المرجع نفسه، ص36.
  21. المرجع نفسه، ص90.
  22. سيد قطب، في ظلال القرآن، م، س، ج2، ص 887.
  23. المرجع نفسه، ج، 2، ص888.
  24. سيد قطب، معالم في الطريق، م، س، ص 26.
  25. طه جابر العلواني، الخصوصية والعالمية في الفكر الإسلامي المعاصر، بيروت: دار الهادي، ط1، 2003م، 275.
  26. عبد الكريم زيدان، أحكام الذميين والمستأمنين، مكتبة القدس، مؤسسة الرسالة، ط2، (1402ﻫ/1982م)، ص18.
  27. محي الدين محمد قاسم، التقسيم الإسلامي للمعمورة، واشنطن: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط1، 1996م، ص116.
  28. المرجع نفسه، ص156-157.
  29. المرجع نفسه، ج3، ص1442.
  30. المرجع نفسه،  ص1581.
  31. المرجع نفسه، ص1581.
  32. سيد قطب، في ظلال القرآن، م، س، ج3، ص1581.
  33. سيد قطب، معالم في الطريق، م، س، ص85.
  34. عبد الرحمان الحاج، المنظور الفقهي والتقسيم القرآني للمعمورة، م. إسلامية المعرفة، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، السنة الثانية عشرة، العدد 45، (صيف 1427ﻫ/2006م)، ص67.
  35. أبو القاسم حاج حمد، الحاكمية، بيروت-لندن: دار الساقي، ط1، 2010م، ص142. ونشير إلى أن أبا القاسم حاج حمد قد سعى من خلال مؤلفه هذا إلى تحديد الدلالات المفهومية لمعاني الحاكمية بتناوله للحاكمية الإلهية وحاكمية الاستخلاف والحاكمية البشرية بالصفة المصطلحية لهذه الكلمات وبمعزل عن الاستخدام اللفظي العام. والذي كان سببا، بحسب رأيه، في إرباك الذهنية الإسلامية مما أدى إلى انحرافات عقلية ومسلكية حين ظن البعض أنهم يجسدون “حكم الله” أو أنهم “خلفاء” عن الله في الأرض، فاستباحوا حق كل من يليهم تكفيرا وتجهيلا. وأن الحاكمية المقصودة في القرآن هي الحاكمية البشرية القائمة على الرحمة والتخفيف.

يناشد الحاج حمد من خلال مؤلفه المذكور، قادة الحركات الدينية، سواء أكانوا في سدة السلطة، أم كانوا يتطلعون إليها، أن يتبصروا من جديد في منهجية القرآن ليكتشفوا أن هذا الدين مستوعب للحالات البشرية المختلفة، وعبر أنواع من الخطاب الإلهي المستجيب للبشرية في تعدديتها الدينية والثقافية وفي أحاديثها في الوقت ذاته. فالخطاب الإلهي للناس هو الخطاب المستجيب للتعددية وللتنوع الثقافي تماما كاستجابة القرآن لكل مناهج المعرفة وحقول الثقافات البشرية المتنوعة. فهو دين عالمي متنزل على بيئات إنسانية مختلفة، فيه الحد الأدنى من الخطاب وفيه الحد الأعلى. فالإسلام لم يتنزل ليفرق بين الناس ويمزق العلاقات الداخلية للمجتمعات. (ص142).

ليختم كتابه بالقول: إن أولى خطواتنا، بإذن الله، على طريق الهدى ودين الحق، أن نستجيب لأوضاع مجتمعاتنا بمنطق الخطاب الإلهي للناس، الذي يشمل تشريعات الحد الأدنى التي أوضحها الرسول الخاتم في خطبة الوادع، والتي لا تخضع في تحقيق سندها لاجتهادات الرواة، فهي خطبة كانت على الملأ وفي عرفات المبارك، وكانت تنتهي بـ”اللهم هل بلغت.. اللهم فاشهد”. ذلك هو الحد الأدنى في ما تستطيع ممارسته “الحاكمية البشرية”، ضمن استيعابها لمنهجية القرآن وقدراتها على حرية التصرف، وضمن تفاعلها مع المجتمعات الراهنة، على أمل الوصول بها تدريجا إلى التعلق بكلمات الله التامات، فالدين ليس فلسفة “دوغمائية” لا تستجيب لأوضاع الإنسان، فإن كان علينا أن نتخذ برنامجا في الظروف الراهنة، فإن الأمر لن يتعدى مضمون خطبة الوداع.

ولكن كيف يدرك هذا المثال دون أن يستدرك المنهج، ودون أن تفهم الكيفية التي خاطب الله بها البشر، متدرجا من الحالة العائلية إلى الظهور العالمي للدين؟ ودون أن ندرك تنوع الخطاب الإلهي المستجيب لحالات الناس جميعا؟ ودون أن ندرك موقع الصيرورة والمتغيرات التاريخية والاجتماعية ضمن منهجية المعرفة القرآنية؟ ودون أن نميز بين الحاكمية الإلهية وحاكمية الاستخلاف وحاكمية البشر؟ فنفرض أنفسنا أوصياء على الدين وعلى الناس بعصبية دينية تراثية. إن كل آيات التبشير الإلهي بظهور الإسلام على الدين كله، إنما تشير إلى الإسلام منهجا للهدى ودين الحق، وإلى هذه المنهجية يجب أن تتجه قلوبنا وعقولنا. (ص142-143).

وتبقى محاولة الحاج حمد من المحاولات الجادة  التي حاولت تخليص مفهوم “الحاكمية ” مما علق به من شوائب أثرت سلبا في الحياة الفكرية والدينية والسياسية للأمة الإسلامية عامة. كما كانت لها تأثيراتها على علاقة الأمة الإسلامية بغيرها من الأمم التي لا تدين بالإسلام مما فوت العديد من فرص تجاوز حالة التخلف التي نعيشها.

 إجمالا لقد استطاع الحاج حمد معالجة مفهوم الحاكمية بمنهج علمي رصين، وهذا لا يعني أنه حسم الخلاف حول الموضوع، ذلك أن مفهوم الحاكمية دقيق وحساس، خاصة عند بحث أبعاده السياسية وتطبيقاتها. الأمر الذي  يحتاج معه؛ (أي مفهوم الحاكمية) إلى مزيد من البحث والدراسة والمناقشة. وفي تقديري أن طرح الكثير من المصطلحات والمفاهيم للحوار والمناقشة والمفاكرة وتفكيك مكوناتها، والقيام بمراجعة لتاريخها وعوامل تشكلها، وتحريرها مما لحق بها من الانغلاق على شخص أو جماعة أو طائفة أو حزب أو زمان أو مكان… هو السبيل إلى التفاعل والتفاهم وبناء القاعدة الثقافية المشتركة.

  1. مصطفى بن حمزة، مصطفى بنحمزة، ثقافة الإرهاب: قراءة شرعية، ضمن أعمال ندوة: حكم الشرع في دعاوى الإرهاب، المجلس العلمي الأعلى، المغرب، ط1، (1428ﻫ/2007م)، ص56.
  2. انظر: محمد الطالبي، التكفير والعنف، م، قضايا إسلامية معاصرة، السنة الثانية عشرة، ع، 53-36، ربيع وشتاء (2008م/1429ﻫ)، ص174.
Science
الوسوم

د. محمد الناصري

باحث في الفكر الإسلامي وحوار الأديان والحضارات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق