مركز ابن البنا المراكشي للبحوث والدراسات في تاريخ العلوم في الحضارة الإسلاميةدراسات عامة

تطور المنهج الرياضي وأثره في اليقين العلمي

مقدمة:

تحدث المشتغلون بتاريخ العلوم والإبستمولوجيا عن تحول كبير في تاريخ الرياضيات، حدث بعد ما يسمونه بأزمة الأسس التي وقعت خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر للميلاد. فقد كانت  المعرفة الرياضية قبل ذلك توصف بالصناعة الصحيحة اليقينية في منطلقاتها، والدقيقة في نتائجها. وذلك منذ وضع أوقليدس (المتوفي حالي 265 ق. م. بالإسكندرية بمصر) كتابه الشهير “الأصول” Les éléments. لكن البحث الابستمولوجي في مسألة معيار اليقين في الرياضيات كشف أنه ليس معيارا واحدا بين الرياضيات الأقليدية والرياضيات المعاصرة، ذلك أن الرياضيات الأقليدية ظلت تعتقد جازمة ببداهة مبادئها، وترى فيها النموذج الوحيد للصدق المطلق واليقين القطعي، أما الرياضي المعاصر فلا تهمه المبادئ ذاتها من جهة طبيعتها البديهية، وإنما يهمه وظيفتها في بناء النسق الرياضي والتماسك المنطقي لهذا النسق في مجمله، أي أن عدم تناقض المقدمات مع النتائج هو معيار اليقين في الرياضيات. فهل معيار اليقين في الرياضيات يتمثل في بداهة  مبادئ النسق العلمي ووضوحها أم في اتساق نتائجه مع مقدماته؟. ذلك ما يطمح هذا المقال إلى النظر فيه، من خلال دراسة وصفية عامة، تنحصر في توضيح أهم تلك الأسس في المرحلة الأوقليدية، وطبيعة التحولات الجذرية التي طرأت عليها في المرحلة المعاصرة.

  • 1) المنهج الرياضي في المرحلة الكلاسيكية:

تتأسس طبيعة اليقين العلمي في نتائج النسق الرياضي ونظرياته على طبيعة منهج بناء النسق العلمي لموضوعاته ونظرياته. وقد عرفت الرياضيات بأنها العلم الذي يدرس المقادير المجردة القابلة للقياس. والمقدار أو الكم أو ينقسم إلى نوعين:

  • الكم المتصل (Quantité continue) الذي يشكل موضوع الفرع الأول من العلم الرياضي وهو الهندسة Géométrie)) ويختص بدراسة الأطوال و المحيطات ومختلف الأشكال الهندسية،  (كالمثلثات، والمربعات، والمستطيلات، والدوائر)
  • الكم المنفصل ( (Quantité discontinue الذي يشكل موضوع الفرع الثاني من العلم الرياضي وهو علم الحساب ((Arithmétique.

ويلاحظ بعض الدارسين أن للكم المتصل علاقة”بالمكان” باعتباره الوسط الذي يدرس فيه الرياضي موضوعاته وأشكاله الهندسية. وأن للكم المنفصل علاقة “بالزمان” باعتباره المجال المناسب للعد والحساب، حيث يعتبر الانتقال من وحدة حسابية إلى أخرى كالانتقال من وحدة زمنية إلى أخرى[1].

وقد اعتمدت الرياضيات الأوقليدية في دراسة الموضوعات الرياضية على مجموعة من المبادئ و المنطلقات التي لا يمكن للرياضي التراجع في البرهنة عليها إلى ما لا نهاية، فهي أسس البراهين التي تنقسم في الرياضيات الكلاسيكية ثلاثة أسس هي: التعريفات، والبديهيات، والمسلمات.

1 . 1 . التعريفات Définitions

يعتبر التعريف بالنسبة للرياضي وسيلة تمكنه من إنشاء موضوعاته الرياضية وابتكارها، أي بواسطة التعريف يتم تحديد المفاهيم والتصورات الأولية التي تشكل المادة الخام لدراسة العالم الرياضي، مثل: النقطة، و المستقيم، والزاوية، والعدد، والمثلث، والمربع، والدائرة…الخ، وغير ذلك من الأشكال والرموز والمفاهيم المختلفة[2]

1 . 2 . البديهيات Evidences

 يقصد الرياضيون الكلاسيكيون ب “البديهية” كل ما هو واضح بذاته و لا يحتاج إلى برهان على وضوحه و معقوليته، وتسمى كذلك “بالمفاهيم المشتركة” أو العلم الجامع[3]، لأنها تفرض نفسها على جميع العقول. ويمكن حصرها بمثال في بديهيتين اثنتين يؤكدهما إقليدس في كتابه الأصول. أولهما: أن الأشياء المتطابقة تكون دائما متساوية، و ثانيهما أن الكل أعظم من جزئه…الخ. ولقد اعتبرت هذه البديهيات أفكارا واضحة بذاتها، بحيث يكفي فهم الألفاظ والرموز التي تعبر عنها لنفهم معناها دون الحاجة إلى برهان أو دليل.

1 . 3 . المسلمات Postulats

تسمى أيضا بالأوليات والموضوعات والمصادرات، لأن العالم الرياضي هو الذي يضعها. فهي إذن قضايا لا نستطيع البرهنة على صحتها، وليست واضحة بذاتها، أي فيها تسليم بالعجز. ولذلك نلجأ إلى التسليم بصحتها. ومن المصادرات التي حددها إقليدس في كتابه السابق الذكر[4]: “يمكن رسم خط من نقطة إلى نقطة أخرى”، ثم كذلك”يمكن رسم الدائرة إذا علم مركزها و نصف قطرها” وهنالك المسلمة الخامسة التي كانت السبب في خلق مشكلة اليقين في الرياضيات، تقول هذه المسلمة “إذا قطع مستقيم خطين مستقيمين، بحيث كان مجموع الزوايا الداخلتين الموجودتين من جهة واحدة أقل من قائمتين، فإن هذين الخطين المستقيمين يلتقيان إذا امتدا من جهة هاتين الزاويتين”.

من هذه المنطلقات الأولى يتم البرهنة إما بالتحليل أو بالتركيب على كل المسائل الرياضية عددية كانت أم هندسية. مما جعل النسق الهندسي لإقليدس نموذجا لنظرية استنباطية كانت تصعب محاكاتها، فالألفاظ الخاصة بكل مبرهنة لم تكن تستعمل في الهندسة إلا بعد تعريفها والقضايا لم تكن لتقبل إلا إذا برهن على صحتها باستثناء عدد قليل من القضايا التي كانت تؤخذ على أنها أوليات، لكون البرهان لا يمكن أن يتراجع إلى ما لا نهاية[5] أما علم الحساب- أوالأرتماتيقا- فقد استكمل مكوناته ومفاهيمه وصار له قوة تأثير في العلوم الأخرى، ولأجل ذلك ظلت الرياضيات خلال قرون طويلة  نموذج الدقة الصارمة واليقين المطلق، الذي لم تؤثر فيه أية شكوك، فكان دوما يبحث لها عن حلول، وكل الإضافات مهما بدت جديدة تكون  جزءا من نفس البناء الرياضي الشامخ.

2) المنهج الرياضي المعاصر:

2 – 1 – أزمة الأسس والثورة العلمية المعاصرة

ظلت الرياضيات الكلاسيكية نموذج الدقة و اليقين إلى حدود القرن التاسع عشر، هذا القرن الذي أنذر بتطورات هامة في العلوم المتعلقة بها، والتي أدت إلى حدوث تغيرات عميقة وتحولات جذرية في تصورات الرياضيين لمفاهيمهم  ومناهجهم وبنائهم الرياضي الراسخ. وأول أزمة حدثت هي التي سجلتها “مسلمات التوازي” والتي أدى البحث فيها إلى ظهور هندسات متعددة كهندسة “لوباتشيفسكي”1713)-1856)وهندسة “ريمان”(1826-1866) و”الهندسات الفراغية” … حيث لم يعد الأمر بالنسبة لمجموع زوايا المثلث كما سلم “أقليدس”- يساوي (°180) في كل الأحوال حتى صارت هذه النظرية تمثل على حد تعبير الفيلسوف الفرنسي “باسكال”(1623-1662)حقيقة صلبة لا يمكن تغييرها، وتفرض نفسها على جميع العقول. لم يعد الأمر كذلك، بل أصبحت هذه الحقيقة نسبية حيث نجد أن مجموع زوايا المثلث قد يكون أصغر من (°180) أي( تقريبا °135) كما في نسق “لوباتشيفسكي”، وفي نسق “ريمان” نجدها أكبر من (°180)أي (تقريبا° 270).هذه الأزمة التي حدثت في الهندسة كانت جوابا بطريقة غير مباشرة لنبوءة “ديكارت” الذي ذهب به شكه المنهجي إلى الشك في الحقيقة التي كانت ثابتة: وهي أن مجموع زوايا المثلث يساوي (°180) حيث سبق أن قال:أنا مجبر كلما افترضت شكلا مستقيم الأضلاع مؤلفا من ثلاث زوايا،فقط،على أن أنسب له كل الخواص التي أستنتج بها أن زواياه الثلاث لاتزيدعلى زاويتين قائمتين،وإن كنت لم أنعم النظر في هذا خصيصا [6] وضمن هذه الأنساق الهندسية المتعددة، نجد تطورا آخر لحق بالرياضيات في جانب بديهياتها، حيث ظهرت نظرية المجموعات على يد العالم الألماني الشهير “جورج كانتور”(1815-1845) والتي أدت إلى مراجعة فكرة بداهة بعض الأسس الرياضية التي كانت قائمة في أذهان الرياضيين الكلاسيكيين. تنطلق هذه النظرية من البديهية الخامسة في النسق الأقليدي” الكل أعظم من جزئه” فتبين أنها ليست صادقة صدقا مطلقا كما كان يعتقد، حيث تفترض أنه يمكن للجزء أن يكون أكبر من الكل أو مساويا له، وخاصة في المجموعات اللامتناهية، حيث يمكن أن نجد لكل عنصر من مجموعة الأعداد الطبيعية N عنصرا ـ وعنصرا واحدا فقط ـ من مجموعة الأعداد الطبيعية الزوجية 2N، وأن نجد لكل عنصر من مجموعة الأعداد الطبيعية الزوجية 2N  عنصرا ـ وعنصرا واحدا فقط ـ من مجموعة الأعداد الطبيعية N، مع أن N>2N.

2 -2 – المنهج الأكسيوماتيكي

أدت هذه التطورات إلى ظهور منهج جديد في الرياضيات هو المنهج الفرضي الإستنتاجي[7] (Hypothético Déductif). ففي هذا المنهج لم يعد ينظر إلى المبادئ والأسس التي يقوم عليها البرهان الرياضي على أنها بديهية أو غير بديهية، بل أصبحت تعتبر فقط مجرد أوليات Axiomes تخضع لعدة شروط منها الوضوح، وعدم التناقض، وأن تكون مستقلة عن بعضها البعض. والأهم في هذا النسق هو النتائج التي ستؤول إليها الفرضيات التي يفترضها الرياضي مسبقا، من خلال البحث عن طابع النظام والاتساق الداخلي وخلو هذا النسق من التناقض، بحيث يكون صدق النتائج في المنهج الفرضي الاستنباطي صدقا صوريا. بمعنى آخر أنه يجب الوصول إلى النتائج دون تناقض مع الأوليات التي تم الانطلاق منها. مما أدى إلى إمكانية أن تتعدد الأنساق الرياضية وتختلف فيما بينها وتكون كلها صادقة صدقا نسبيا، أي مرتبطا بنوع الفرضيات التي ينبني عليها النسق العلمي برمته. لقد تحول اليقين العلمي الرياضي من الوحدة المطلقة إلى التعدد النسبي، دون أن تفقد الرياضيات دقتها العلمية، وعقلانيتها الرصينة المبدعة.

خاتـمة:

إن مسالة اليقين تقع في بؤرة المشاكل الإبستيمولوجية التي عرفها تاريخ العلم الرياضي، وذلك من خلال ارتباطها بالأسس التي يقوم عليها البناء الرياضي، فالرياضيات تاريخيا كما وصفناها شأنها في ذلك شأن المعرفية العلمية عامة- عرفت نموذجيين من اليقين:

ـ أولهما نموذج اليقين المطلق، القائم على عقلانية منغلقة على نسق علمي واحد، كان لإقليدس الدور الكبير في وضع أسسه، وذلك بتحديد موضوعه على أنه الكم بنوعيه: المنفصل، والمتصل، ثم تحديد منهجه على أنه بناء يرتكز على مفاهيم أولى تقسم إلى البديهيات والمسلمات والتعريفات تدعمهما البداهة والتجربة معا.

ـ ثانيهما نموذج اليقين النسبي، القائم على عقلانية مفتوحة تسمح بتعدد الأنساق العلمية، وكان للهندسة اللاأقليدية ونظرية المجموعات وغيرها الدور الكبير في وضع أسسه الإبستيمولوجية.  وبذلك يتجاوز الموضوع الرياضي في المقادير التي تقبل القياس إلى ما لا يقبله، ثم عدم الامتثال للتقسيم الثلاثي لأسس المنهج الكلاسيكي (بديهيات ومسلمات و تعريفات) والاستعاضة عن ذلك بمفهوم الأوليات التي يتم القبول بها على أساس واع لا على أساس الوضوح أو البداهة والتجربة.

سببت هذه التحولات أزمة في الأسس الرياضية، تمخض عنها انقسام إبستمولوجيا الرياضيات إلى ثلاث نزعات: منطقية، وحدسية، وأكسيوماتيكية. مثلما انقسمت النظرة إلى تاريخ العلم إلى موقف إبستيمولوجي يرتكز على مفهوم التراكم، وموقف آخر يقوم على القطيعة الإبستيمولوجية، وانتهى الأمر بالبعض إلى أن يصيح بلسان حال بول فايرباند: لا للنظام والمنهج، أو لسان مقال كلود بوشي Claude boucher: “وداعا أيها اليقين” !.

[1] الفندي، محمد ثابت، فلسفة الرياضة، دار النهضة العربية، بيروت،الطبعة الأولى، 1969، ص 25

[2] قاسم، محمد، محمد، مدخل إلى فلسفة العلوم، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، 1996، ص 355- 356.

[3] ابن سينا، أبوعلي، الشفاء:الفن الأول من جملة العلم الرياضي، أصول الهندسة، تحقيق: عبد الحميد صبره وعبد الحفيظ لطفي مظهر، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1976، ص 19.

[4] قاسم، محمد، محمد، المرجع نفسه، ص 356-357.

[5] بنعبد العالي، عبد السلام، ويفوت، سالم، درس الإبستيمولوجيا، دار توبقال للنشر، الطبعة الأولى، 1985، ص85

[6] ديكارت،تأملات ميتافيزيقية في الفلسفة الأولى،ترجمة،كمال الحاج،منشورات عويدات،بيروت،1988،ص102.

[7] الجابري، محمد عابد، تطور الفكر الرياضي و العقلانية المعاصرة، دار النشر المغربية، الجزء الأول، سنة، 1976، ص294.

Science
اظهر المزيد

الأستاذ زيدان عبد الغني

باحث مركز ابن البنا المراكشي

حاصل على إجازة في الفلسفة كلية الآداب الرباط

مهتم بالبحث في فلسفة العلوم وتاريخها

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق