مركز علم وعمران للدراسات والأبحاث وإحياء التراث الصحراويتراث

تاريخ نشأة دولة المرابطين بالمغرب

قامت الدولة المرابطية في القرن 5 هـ11/ م،  بزعامة عبد الله بن ياسين، وهو فقيه مغربي، من علماء المذهب المالكي  و مجاهد من زعماء الإصلاح الإسلامي، وقد اتجه الشيخ عبد الله بن ياسين صوب الصحراء الكبرى، وبعد فشله في دعوة قبيلة جدالة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، طرد منها واتجه نحو الصحراء الجنوبية في أعماق القارة الإفريقية، وحط الرحال في شمال السنغال على مصب نهر من الأنهار ، وهنالك بدأ تأسيس   الدولة  المرابطية، وبداخل خيمتة وبمثابة محضرة،  بدأ  الشيخ عبد الله بن ياسين يعلم أتباعه الإسلام، ومبادئ الدين، والكتابة والقراءة، فداع صيته بين الناس، وكثر الوارد عليه هو وأصحابه، فتزايد عددهم، فسماهم الشيخ عبد الله بن ياسين المرابطين لأنهم لازموا رابطته…وكانت تلك مرحلة مهمة في تاريخ الغرب الإسلامي.

قضى عبد الله بن ياسين  طفولته في مسقط رأسه، وبعد ذلك تردد على مدن العلم في المغرب، ثم رحل إلى الأندلس، وتلقى العلم بها، وكان في ذلك الوقت يحكم الأندلس حكام الطوائف، وكانت البلاد الأندلسية ممزقة مشتتة يطمع فيها الصليبيون الغربيون من إسبانيا وفرنسا[1]. رحل أوائل القرن الخامس الهجري إلى بلاد الأندلس في طلب العلم والاستزادة من المعرفة، وأقام بقرطبة سبع سنوات أو تزيد يكرع من مناهل العرفان، ويجني من ثمار العلم في نهم وتلهف شديدين، وكأنه كان يخشى أن يفيض ذلك البحر الفياض أو تذبل تلك الحدائق الفيحاء من علوم وفنون[2]. وكانت جنوب موريتانيا صحراء قاحلة يعيش فيها طوائف وقبائل من البربر تسمى قبائل صنهاجة، وأكبر فرعين فيها  جدالة ولمتونة. فالقبيلة التي كانت تسكن في منطقة جنوب موريتانيا هي جدالة، وكان على رأس هذه القبيلة رجل اسمه يحيى بن إبراهيم الجدالي، كانت فطرته حسنة…

فكان هذا الرجل صاحب الفطرة الطيبة يعلم أن كل هذا من المنكر، لكن ليست في يده طاقة للتغيير؛ لأن الشعب كله يعيش في ضلال وبعد عن الدين، وليس عنده من العلم ما يغير به أحوال الناس، ولا يعرف ما هي الأصول الصحيحة، إنما يعلم أن كل ما يحدث من حوله هو خطأ، لكن كيف يغير؟ فهداه ربه إلى أن يحج وعند رجوعه من الحج يمر على أكبر مدن الإسلام في المنطقة وهي مدينة القيروان، التي هي موجودة الآن في تونس، وعلماء القيروان مشهورون بالعلم، فذهب بالفعل إلى الحج، ثم عاد إلى القيروان، وهناك قابل أبا عمران الفاسي شيخ المالكية في مدينة القيروان، والمذهب المالكي هو المنتشر في كل بلاد الشمال الإفريقي، وهو المذهب السائد في بلاد الأندلس؛ فحكى له المنكرات التي تحدث في قومه، والجهل المطبق عليهم، فأرسل معه رجلاً يعلم الناس دينهم، وهو الشيخ عبد الله بن ياسين، فذهب معه حتى وصلا إلى جنوب موريتانيا، فوجدها أرضاً شديدة الجدب، وفقيرة وشديدة الحر، ونظر في الناس فرأى هذه المنكرات تفعل أمام كل الناس، ولا ينكر عليهم منكر، فبدأ في أناة شديدة يعلم الناس، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فثارت عليه جميع الفصائل، وثار عليه أصحاب المصالح، وثار عليه الشعب؛ لأن الناس تريد أن تعيش في شهواتها، وأصحاب المصالح مستفيدون من هذا الذي يحدث في قبائل جدالة في هذه المنطقة، فبدأ الناس يجادلونه ويصدونه عما يأمر به، ولم يستطع يحيى بن إبراهيم الجدالي زعيم القبيلة أن يحميه؛ لأن الشعب ليس متربياً، لذا فهو رافض، ولو أصر يحيى بن إبراهيم الجدالي على هذا الأمر لخلعه الشعب، ولخلعته القبيلة، وبدأ يحاول مرة ثانية وثالثة، فبدأ الناس يهددونه بالضرب إن استمر في أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، ثم هددوه بالطرد من البلاد أو القتل، لكنه كان يدعو ولا يبالي بفعلهم حتى قاموا فعلاً بطرده من البلاد، فخرج الشيخ عبد الله بن ياسين رحمه الله من البلد ودموعه تنحدر على خده، وهو يقول والحسرة في قلبه: يا ليت قومي يعلمون، يريد أن يغير ولكنه لا يستطيع، فيحدث نفسه: أأرجع مرة أخرى إلى القيروان، إلى طلاب العلم؟ ولمن أترك هؤلاء الناس؟ فحز في نفسه أن يولد الناس في هذه البلاد فلا يجدون من يعلمهم، ففكر أن يدخل إليهم مرة أخرى، لكنه سيموت، وما الفائدة في موته، إذا كان الموت لن يفيد، فتعمق أكثر في الصحراء، في جنوب موريتانيا، حتى وصل إلى شمال السنغال، وهي بلاد إسلامية كبيرة جداً، [3].

نزل في شمال السنغال على مصب نهر من الأنهار، في غابة من غابات إفريقيا هناك فوضع خيمته على مصب النهر، وبعث برسالة إلى أهل جدالة في جنوب موريتانيا أن من أراد أن يتعلم العلم فليأتني في هذا المكان، وكان في جدالة مجموعة من الشباب تتحرق قلوبها للدين، لكن أصحاب المصالح وأصحاب القوى في هذه البلاد يمنعونهم من الارتباط بالدين، فلما علموا أن الشيخ في شمال السنغال، تاقت قلوبهم إلى لقياه، فاتجهوا من جنوب موريتانيا إلى شمال السنغال، وجلسوا مع الشيخ عبد الله بن ياسين في خيمته، وكانوا اثنين أو ثلاثة أو أربعة فأخذ يعلمهم أن الإسلام دين شامل ومتكامل ينظم كل أمور الحياة، فبدأ يعلمهم العقيدة الصحيحة، وكيفية العبادة والجهاد في سبيل الله، وركوب الخيل، وحمل السيف، وكيف يعتمدون على أنفسهم، فيذهبون إلى الغابات فيصطادون الصيد ويأتون به إلى الخيمة يطبخونه ويأكلونه ولا يسألون أكلهم أو طعامهم من الفرق المحيطة بشمال السنغال؛ فذاق هؤلاء الشباب حلاوة الدين، وشعروا أنه من واجبهم أن يأتوا بأحبابهم وأصحابهم وأقاربهم إلى هذا الذي ذاقوا حلاوته، فذهبوا إلى جدالة، فعاد كل واحد منهم برجل، فبدلاً من خمسة أصبحوا عشرة،...[4].

كما تطلق عليهم بعض المصادر الملثمين، لأنهم قوم يتلثمون ولا يكشفون وجوههم، فلذلك سموهم الملثمين، وذلك سنة لهم يتوارثونها خلفًا عن سلف، وسبب ذلك على ما قيل: أن (حمير) كانت تتلثم لشدة الحرِ والبرد، يفعله الخواص منهم، فكثر ذلك حتى صار يفعله عامتهم. وقيل: كان سببه أن قوما من أعدائهم كانوا يقصدون غفلتهم إذا غابوا عن بيوتهم، فيطرقون الحي، فيأخذون المال والحريم، فأشار عليهم بعض مشايخهم أن يبعثوا النساء في زيِ الرجال إلى ناحية، ويقعدوا هم في البيوت ملثمين في زيِ النساء، فإذا أتاهم العدو ظنوهم النساء فيخرجون عليهم، ففعلوا ذلك، وثاروا عليهم بالسيوف فقتلوهم، فلزموا اللثام تبركا بما حصل لهم من الظفر بالعدو[5]..

وقد حاربت جيوش ابن ياسين قبائل كدالة المتمردة تحت قيادة احد تلاميذه المخلصين يحيى ابن عمر اللمتوني وكانت المعركة حامية الوطيس استمات فيها المرابطون حتى انتزعوا النصر من أيدي أعدائهم على كثرة عددهم ووفرة عدتهم ولعل أبناء القبائل الذين حاربوا إلى جانب الطغاة كانت قلوبهم مع ابن ياسين فهو ليس بعيدا عنهم وقد عرفوه في مواقعه الصارمة أمام الجبابرة يدافع عن المستضعفين ويحارب الظلم والطغيان ويندد بالتعسف والاستبداد على أن أكثر جنود المرابطين مع إخوتهم وعشائرهم يضعف عليهم محاربتهم والوقوف في وجههم فكانوا يختارون الاستسلام وينحازون إلى صفوف إخوانهم وهم بذلك راضون وإلا فكيف نعلل هذا الانتصار المدهش الذي حققه المرابطون في فترة قصيرة من الزمن ولم تنهزم لهم راية في تاريخ حياتهم ومما يؤيد هذا إن قبائل لمتونة اذعنت للطاعة منذ البداية ولم تبد اية مقاومة وربما كان لتعيين قائد الجيش منهم اثره ثم استسلم باقي القبائل الاخرى فتوحد الصحراويون بعد أن فرقت بينهم الحروب والنزعات واسلموا اسلاما جديدا واجتازوا لذلك امتحانا عسيرا واختبارا دقيقا كان يشرف عليه القائد إلا على بنفسه[6]..

وكان من أولى أهداف ابن ياسين فتح جبهة جديدة للإسلام في ممالك السودان فحارب دولة غانة واسترد منها مدينة اودغشت التي انتزعها الزنوج من أطراف الصحراء وأرجعها لي حظيرة الملثمين وأوغل في ممالك الزنوج وسجل انتصارات باهرة اضطر معها صاحب التكرور إلى عقد حلف مع المرابطين والوقوف إلى جانبهم وهكذا دخل الإسلام الى السودان لأول مرة وكان ذلك من اغلي أماني لابن ياسين ومطامحه الواسعة[7].

وخرج عن جزولة إلى ملتونة، فقام بأمرهم، قبل أيام تاشفين بن عمر، وقبل أيام يحيى بن عمر، وهو الذي سماه بأمير المسلمين، وأول من تسمى منهم بذلك. فقام بأمره، وجاهد معهم وقلدوه أمرهم. وأنفذ حدوده في أميرهم، فمن دونه. ثم توفي يحيى، فسلك تلك السبيل مع أخيه أبي بكر بن عمر، ولقد ذكر أنه ضرب بالسوط أبا بكر بن عمر وهو إذ ذاك أمير المسلمين، لحق تعين عليه عنده. والكل له مطيع، وسيرته في أموره هناك وتقريراته معروفة، محفوظة، يتأثر عليها مشيخة المرابطين، ويحفظون من فتاويه وأجوبته، ما لا يعدلون عنه، وكان أخذ جميعهم بصلاة الجماعة، وعاقب من تخلف عنها عشرة أسواط، لكل ركعة، تفوته، إذ كانوا عنده ممن لا تصح له صلاة إلا مأموما، لجهلهم بالقراءة والصلاة، واستقامت للمرابطين بلاد الصحراء بجملتها وما وراءها من بلاد المصامدة، والقبلة، والسوس، بعد حروب كثيرة، ثم خرج بالناس لجهاد برغواطة الكفرة، فغزاهم مع أبي بكر بن عمر، في جمع عظيم من المرابطين[8].

وأخضع بهم قبائل صنهاجة كلها، ثم خرج من الصحراء سنة 445 هـ ودعاه فقهاء من سجلماسة وسوس، بينهم شيخه ” وكاك ” فافتتح بلاد درعة وسجلماسة، واستولى على ” تارودانت ” قاعدة سوس، وفتح بلاد المصامدة حربا، وامتد سلطانه من نواحي السنغال إلى سجلماسة، ومن درعة الى أغمات الى حاحة والشياظمة وتقدم الى قبائل ” برغواطة ” وكانت لها دولة على الشاطئ الأطلسي بين الدار البيضاء والسويرة، فاستولى على بلادها …بعد وقائع أصيب فيها بجراح كانت سبب وفاته، ودفن في موضع يسمى ” كريفلة ” في قبيلة ” زعير ” غير بعيدة عن الرباط، وأقيمت على قبره قبة معروفة الى اليوم[9].

هكذا  تنتهي قصة المؤسس الكبير والاسم الخالد الشيخ عبد الله بن ياسين باستشهاده في حرب برغواطة  سنة 451هـ = 1059م، فكان  – رحمه الله – من زعماء الإصلاح الذين خلدوا صفحات مشرفة في تاريخ الإسلام. وضعفت القيادة العليا للمرابطين منذ تولى على بن يوسف حكم البلاد، واستبد كثير من الأمراء بالأمر، ثم جاء الخلاف الخطير بين إبراهيم بن تاشفين وعمه إسحاق بن على على السلطة، فى الوقت الذى كان يزحف فيه الموحدون نحو العاصمة مراكش، يضاف إلى ذلك تخاذل الجند، فضلا عن الحروب المستمرة التى خاضوها بالأندلس، فاستنزفت قواهم واقتصاد بلادهم، وظهورشخصية  ابن تومرت الذى نجح فى جذب أعداد كبيرة إليه. فكان ذلك كله من أسباب سقوط  دولة المرابطين وقيام دولة الموحدين[10]..

[1] – مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة – شخصية العدد: الفقيه الداعية عبد الله بن ياسين- العدد 43

[2] –  دعوة الحق – عبد الله بن ياسين مجدد الإسلام بإفريقيا – العدد 119.

[3] –  كتاب الأندلس من الفتح إلى السقوط (9/4).

[4] –  كتاب الأندلس من الفتح إلى السقوط (9/4).

[5] – وفيات الأعيان لابن خلكان (7/129).

[6] –  دعوة الحق – عبد الله بن ياسين مجدد الإسلام بإفريقيا – العدد 119.

[7] –  دعوة الحق – عبد الله بن ياسين مجدد الإسلام بإفريقيا – العدد 119.

[8] – ترتيب المدارك وتقريب المسالك (8/81)  الطبعة الأولى مطبعة فضالة المحمدية.

[9] – الأعلام للزركلي(4/143)   دار العلم للملايين  الطبعة الخامسة عشر .

[10] – موسوعة سفير للتاريخ الإسلامي (6/68)

الأستاذة رشيدة برياط

باحثة بمركز علم وعمران

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق