مركز ابن أبي الربيع السبتي للدراسات اللغوية والأدبيةدراسات عامة

تأملات منهجية في تدريس النحو العربي (4)

 

د.عدنان أجانَة
ويضاف إلى استصعاب النحو عامل ثان، ولنسمه بالتمديد، وذلك أن النحو تشعبت مسائله، وكثرت مصطلحاته، وتنوعت مؤلفاته، وتخصص فيه أئمة كبار، أفنوا فيه أعمارهم، وقصروا معرفتهم عليه، فوجهوا وعللوا، وصححوا وضعفوا، وفرعوا ونقحوا، فاتسعت بذلك دائرة الكلام في النحو، وامتدت أطرافه، وانداحت مباحثه، ويمكن تبين هذا الأمر بجلاء عند المقارنة بين ملخص في النحو في ورقات، كالأجرومية، وبين مطول فيه في مجلدات، كشرح التسهيل وشرح المفصل وهمع الهوامع، وهذا الفرق الشاسع بين الضربين، يوقف الناظر على مدى اتساع مباحث هذا العلم، وامتداد مسائله. 
وهذا التمديد قعد بالناس عن الإحاطة بهذا الفن، وصرفهم عن دراسته وتعلمه، وأحوجهم إلى هذا التطويل، أن صناعة النحو؛ قد حدث الخلاف بين أهلها، في الكوفة والبصرة. وكثرت الأدلة والحجاج بينهم، وتباينت الطرق في التعليم، وكثر الاختلاف في إعراب كثير من آي القرآن، باختلافهم في تلك القواعد،(1) واحتاج الأمر إلى تقرير الأصول، وتفريع الفصول، والإطناب في التدليل، وبذل الوسع في التعليل، فخرجوا بذلك عن أصل النحو مقصده، إلى ضروب من الفروع التي هي من تاريخ النحو وقضاياه الفرعية. ألفت كتب ومصنفات، كان هم أصحابها تدقيق المسائل النحوية، وتحقيق دلائلها، ففزعوا إلى ضرب من التجريد للقواعد النحوية، وجعلوا النحو مادة موضوعها الظواهر اللغوية في كلام العرب، وما تفرع عنها من المسائل والاختيارات والمصطلحات والتوجيهات. فتشعب بذلك النظر النحوي، وتعددت اتجاهاته، وتنوعت مدارسه، وامتد موضوعه، وصار استيعاب مسائله على الوفاء، واستحضار ما فيه من الخلافيات والتوجيهات، والاختيارات والتعليلات، أمرا بعيد المنال، صعب الإحاطة.(2)
وقد كان التوسع في النحو سائغا في مرحلة من مراحله، حين تنوعت مذاهبه، وتعددت مصطلحاته، واختلفت مدارسه، فكانت التآليف فيه تنحو منحى التفريع والتدليل، والاحتجاج والتعليل، ونافح كل مؤلف عن مذهبه، ومد القول وبسط في النقل والتوجيه، وهذا يحصل في كل معرفة، وهذا كما فعله المتأخرون في صناعة النحو وصناعة المنطق، لا بل وأصول الفقه، لأنهم أوسعوا دائرة الكلام فيها نقلاً واستدلالاً وأكثروا من التفاريع والمسائل بما أخرجها عن كونها آلة وصيرها مقصودة بذاتها. وربما يقع فيها لذلك أنظار ومسائل لا حاجة بها في العلوم المقصودة بالذات فتكون لأجل ذلك من نوع اللغو.(3)
ولا ريب أن هذا التضخم في مادة النحو وموضوعه، يعد عاملا أساسا من عوامل استصعاب النحو، مما جعل مقولة “صعوبة النحو” تلقى استحسانا واسعا بين الناس، ولنسم هذا العامل بعامل التمديد. 
وقد كانت هذه الصورة المتشعبة للنحو، هي الصورة التي انطبعت في ذهن الناس، وبنوا عليها نظرهم إلى هذا العلم، وقد ذكر الجرجاني أن قوما عنَّ لهم بسوء الاتفاق رأي صار حجازا بينهم وبين العلم بها، وسدا دون أن تصل إليها، وهو أن ساء اعتقادها في الشعر الذي هو معدنها وعليه المعول فيها، وفي علم الإعراب الذي هو لها كالناسب الذي ينميها إلى أصولها ويبين فاضلها من مفضولها . فجعلت تظهر الزهد في كل واحد من النوعين، وتطرح كلا من الصنفين، وترى التشاغل عنهما أولى من الاشتغال بهما، والإعراض عن تدبرهما أصوب من الإقبال على تعلمهما(4)
وقد ظنت هذه الطائفة النحو ضربا من التكلف، وبابا من التعسف، وشيئا لا يستند إلى أصل، ولا يعتمد فيه على عقل، وأن ما زاد منه على معرفة الرفع والنصب وما يتصل بذلك مما تجده في المبادىء فهو فضل لا يجدي نفعا ولا تحصل منه على فائدة(5).
وما أشبه الليلة بالبارحة، وما أكثر ما نسل من هؤلاء القوم، يرون أنفسهم عاجزين أمام النحو، وهو مانعهم من أن يصلوا إلى العربية، فهو قائلون فيه كل نقيصة، مفترون عليه كل سبة، وقد علم الناس أنهم أصحاب هوى، وأن النحو عقدتهم، وموضع قصورهم، فسبهم له، وتحاملهم عليه، سلاح العاجز الفدم، وليس ضربا من الرأي المعتبر. 
والرأي في هذا يصنف النحو إلى مستويين:  
الأول، المستوى العام، وهو الذي لا يسع جهله من مباحث النحو وقضاياه الأساسية، مثل الأوضاع التي تعرض للتراكيب من الرفع والنصب والجر والمحل وغير ذلك، وهذا المستوى مباحثه معدودة، ومظانه كتب المختصرات، 
المستوى الخاص، وهو الذي ينفرد به أهله المتخصصون به، وغيرهم غير مطالب به، لأن فيه يرتقي النظر من الأحكام إلى أدلتها، ومن المسائل إلى أصولها، ويعتمد أسلوب التعليل بدل التقرير، والاحتجاج بدل العرض والشرح، وهذا المستوى يرتقي إليه من له أهلية النظر فيه، وهو الذي يطلق عليه لفظ النحوي، ويمتاز به، وإذا وسم به شخص ما في كتب التراجم فيعنون به من بلغ أهلية النظر في هذا المستوى. 
وكل من رام الارتقاء من المستوى العام إلى المستوى الخاص وليس له أهلية النظر قعدت به أدواته عن بلوغ تلك المرتبة، وصار النحو مستغلقا عليه. 
ومن الإجحاف أن يجعل المستوى الأول مع الثاني في قرن واحد وحكم واحد، بل الإنصاف هو التفريق بين المستويين، والتمييز بين المرتبتين، ومن لمز النحو وأهله بالنقيصة، ولما يعرف الفرق بين المنزلتين، فالنقيصة به ألصق، والعيب به أعلق. 
ثم إن النحو العربي ينتظم مع غيره من المعارف الإسلامية، ضمن تراتبية محفوظة، ومنزلة معروفة، حيث يصنف مع مجموعة أخرى من علوم اللسان، ضمن علوم الآلة، و”العلوم التي هي آلة لغيرها مثل العربية والمنطق وأمثالهما، فلا ينبغي أن ينظر فيها إلا من حيث هي آلة لذلك الغير فقط. ولا يوسع فيها الكلام ولا تفرع المسائل، لأن ذلك يخرج بها عن المقصود، إذ المقصود منها ما هي آلة له لا غير. فكلما خرجت عن ذلك خرجت عن المقصود وصار الاشتغال بها لغواً، مع ما فيه من صعوبة الحصول على ملكتها بطولها وكثرة فروعها. وربما يكون ذلك عائقاً عن تحصيل العلوم المقصودة بالذات لطول وسائلها، مع أن شأنها أهم، والعمر يقصر عن تحصيل الجميع على هذه الصورة، فيكون الاشتغال بهذه العلوم الآلية تضييعاً للعمر وشغلاً بما لا يغني”
فتحصل من هذا أن النحو مُنِيَ بأمرين كان لهما أكبر الأثر في استصعابه؛ وهما: تمديد مباحثه، وتجريد مسائله. 
ــــــــــــــ
1) ينظر ما كتبه في هذا الصدد ابن خلدون في المقدمة.
2) ينظر المدارس النحوية لشوقي ضيف والمدارس النحوية لخديجة الحديثي
3) ينظر مقدمة ابن خلدون
4) دلائل الإعجاز ص 24
5) دلائل الإعجاز ص 25

                                             د.عدنان أجانَة

ويضاف إلى استصعاب النحو عامل ثان، ولنسمه بالتمديد، وذلك أن النحو تشعبت مسائله، وكثرت مصطلحاته، وتنوعت مؤلفاته، وتخصص فيه أئمة كبار، أفنوا فيه أعمارهم، وقصروا معرفتهم عليه، فوجهوا وعللوا، وصححوا وضعفوا، وفرعوا ونقحوا، فاتسعت بذلك دائرة الكلام في النحو، وامتدت أطرافه، وانداحت مباحثه، ويمكن تبين هذا الأمر بجلاء عند المقارنة بين ملخص في النحو في ورقات، كالأجرومية، وبين مطول فيه في مجلدات، كشرح التسهيل وشرح المفصل وهمع الهوامع، وهذا الفرق الشاسع بين الضربين، يوقف الناظر على مدى اتساع مباحث هذا العلم، وامتداد مسائله. 

وهذا التمديد قعد بالناس عن الإحاطة بهذا الفن، وصرفهم عن دراسته وتعلمه، وأحوجهم إلى هذا التطويل، أن صناعة النحو؛ قد حدث الخلاف بين أهلها، في الكوفة والبصرة. وكثرت الأدلة والحجاج بينهم، وتباينت الطرق في التعليم، وكثر الاختلاف في إعراب كثير من آي القرآن، باختلافهم في تلك القواعد،(1) واحتاج الأمر إلى تقرير الأصول، وتفريع الفصول، والإطناب في التدليل، وبذل الوسع في التعليل، فخرجوا بذلك عن أصل النحو مقصده، إلى ضروب من الفروع التي هي من تاريخ النحو وقضاياه الفرعية. ألفت كتب ومصنفات، كان هم أصحابها تدقيق المسائل النحوية، وتحقيق دلائلها، ففزعوا إلى ضرب من التجريد للقواعد النحوية، وجعلوا النحو مادة موضوعها الظواهر اللغوية في كلام العرب، وما تفرع عنها من المسائل والاختيارات والمصطلحات والتوجيهات. فتشعب بذلك النظر النحوي، وتعددت اتجاهاته، وتنوعت مدارسه، وامتد موضوعه، وصار استيعاب مسائله على الوفاء، واستحضار ما فيه من الخلافيات والتوجيهات، والاختيارات والتعليلات، أمرا بعيد المنال، صعب الإحاطة.(2)

وقد كان التوسع في النحو سائغا في مرحلة من مراحله، حين تنوعت مذاهبه، وتعددت مصطلحاته، واختلفت مدارسه، فكانت التآليف فيه تنحو منحى التفريع والتدليل، والاحتجاج والتعليل، ونافح كل مؤلف عن مذهبه، ومد القول وبسط في النقل والتوجيه، وهذا يحصل في كل معرفة، وهذا كما فعله المتأخرون في صناعة النحو وصناعة المنطق، لا بل وأصول الفقه، لأنهم أوسعوا دائرة الكلام فيها نقلاً واستدلالاً وأكثروا من التفاريع والمسائل بما أخرجها عن كونها آلة وصيرها مقصودة بذاتها. وربما يقع فيها لذلك أنظار ومسائل لا حاجة بها في العلوم المقصودة بالذات فتكون لأجل ذلك من نوع اللغو.(3)

ولا ريب أن هذا التضخم في مادة النحو وموضوعه، يعد عاملا أساسا من عوامل استصعاب النحو، مما جعل مقولة “صعوبة النحو” تلقى استحسانا واسعا بين الناس، ولنسم هذا العامل بعامل التمديد.

 وقد كانت هذه الصورة المتشعبة للنحو، هي الصورة التي انطبعت في ذهن الناس، وبنوا عليها نظرهم إلى هذا العلم، وقد ذكر الجرجاني أن قوما عنَّ لهم بسوء الاتفاق رأي صار حجازا بينهم وبين العلم بها، وسدا دون أن تصل إليها، وهو أن ساء اعتقادها في الشعر الذي هو معدنها وعليه المعول فيها، وفي علم الإعراب الذي هو لها كالناسب الذي ينميها إلى أصولها ويبين فاضلها من مفضولها . فجعلت تظهر الزهد في كل واحد من النوعين، وتطرح كلا من الصنفين، وترى التشاغل عنهما أولى من الاشتغال بهما، والإعراض عن تدبرهما أصوب من الإقبال على تعلمهما(4)

وقد ظنت هذه الطائفة النحو ضربا من التكلف، وبابا من التعسف، وشيئا لا يستند إلى أصل، ولا يعتمد فيه على عقل، وأن ما زاد منه على معرفة الرفع والنصب وما يتصل بذلك مما تجده في المبادىء فهو فضل لا يجدي نفعا ولا تحصل منه على فائدة(5).

وما أشبه الليلة بالبارحة، وما أكثر ما نسل من هؤلاء القوم، يرون أنفسهم عاجزين أمام النحو، وهو مانعهم من أن يصلوا إلى العربية، فهو قائلون فيه كل نقيصة، مفترون عليه كل سبة، وقد علم الناس أنهم أصحاب هوى، وأن النحو عقدتهم، وموضع قصورهم، فسبهم له، وتحاملهم عليه، سلاح العاجز الفدم، وليس ضربا من الرأي المعتبر.

 والرأي في هذا يصنف النحو إلى مستويين:

 الأول، المستوى العام، وهو الذي لا يسع جهله من مباحث النحو وقضاياه الأساسية، مثل الأوضاع التي تعرض للتراكيب من الرفع والنصب والجر والمحل وغير ذلك، وهذا المستوى مباحثه معدودة، ومظانه كتب المختصرات، 

المستوى الخاص، وهو الذي ينفرد به أهله المتخصصون به، وغيرهم غير مطالب به، لأن فيه يرتقي النظر من الأحكام إلى أدلتها، ومن المسائل إلى أصولها، ويعتمد أسلوب التعليل بدل التقرير، والاحتجاج بدل العرض والشرح، وهذا المستوى يرتقي إليه من له أهلية النظر فيه، وهو الذي يطلق عليه لفظ النحوي، ويمتاز به، وإذا وسم به شخص ما في كتب التراجم فيعنون به من بلغ أهلية النظر في هذا المستوى. 

وكل من رام الارتقاء من المستوى العام إلى المستوى الخاص وليس له أهلية النظر قعدت به أدواته عن بلوغ تلك المرتبة، وصار النحو مستغلقا عليه.

 ومن الإجحاف أن يجعل المستوى الأول مع الثاني في قرن واحد وحكم واحد، بل الإنصاف هو التفريق بين المستويين، والتمييز بين المرتبتين، ومن لمز النحو وأهله بالنقيصة، ولما يعرف الفرق بين المنزلتين، فالنقيصة به ألصق، والعيب به أعلق. 

ثم إن النحو العربي ينتظم مع غيره من المعارف الإسلامية، ضمن تراتبية محفوظة، ومنزلة معروفة، حيث يصنف مع مجموعة أخرى من علوم اللسان، ضمن علوم الآلة، و”العلوم التي هي آلة لغيرها مثل العربية والمنطق وأمثالهما، فلا ينبغي أن ينظر فيها إلا من حيث هي آلة لذلك الغير فقط. ولا يوسع فيها الكلام ولا تفرع المسائل، لأن ذلك يخرج بها عن المقصود، إذ المقصود منها ما هي آلة له لا غير. فكلما خرجت عن ذلك خرجت عن المقصود وصار الاشتغال بها لغواً، مع ما فيه من صعوبة الحصول على ملكتها بطولها وكثرة فروعها. وربما يكون ذلك عائقاً عن تحصيل العلوم المقصودة بالذات لطول وسائلها، مع أن شأنها أهم، والعمر يقصر عن تحصيل الجميع على هذه الصورة، فيكون الاشتغال بهذه العلوم الآلية تضييعاً للعمر وشغلاً بما لا يغني”

فتحصل من هذا أن النحو مُنِيَ بأمرين كان لهما أكبر الأثر في استصعابه؛ وهما: تمديد مباحثه، وتجريد مسائله. 

ــــــــــــ

1) ينظر ما كتبه في هذا الصدد ابن خلدون في المقدمة.

2) ينظر المدارس النحوية لشوقي ضيف والمدارس النحوية لخديجة الحديثي

3) ينظر مقدمة ابن خلدون

4) دلائل الإعجاز ص 24

5) دلائل الإعجاز ص 25

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق