مركز الدراسات والأبحاث وإحياء التراثشذور

بين الكِبْر والعُجْب

 
يقول العلامة، الفقيه الأصولي المالكي المشهور؛ أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي المصري (ت684هـ) في كتابه «أنوار البروق في أنواء الفروق» مبينا الفرق بين قاعدة الكبر، وقاعدة العُجْب:

قد تقدّمت حقيقة الكبر، وأنّه في القلب ويعضّد ذلك قوله تعالى: (إن في صدورهم إلا كبرٌ ما هم ببالغيه) [غافر: 56] فجعل محلّه القلب والصّدور، وأمّا العجب فهو رؤية العبادة، واستعظامها من العبد، فهو معصيةٌ تكون بعد العبادة، ومتعلّقةً بها هذا التّعلّق الخاصّ كما يتعجّب العابد بعبادته، والعالم بعلمه، وكلّ مطيعٍ بطاعته؛ هذا حرامٌ غير مفسدٍ للطّاعة، لأنّه يقع بعدها بخلاف الرّياء، فإنّه يقع معها فيفسدُها، وسِرُّ تحريم العُجب أنّه سوءُ أدبٍ على اللّه تعالى،  فإنّ العبد لا ينبغي له أن يستعظم ما يتقرّب به إلى سيّده، بل يستصغره بالنّسبة إلى عظمة سيّده، لا سيّما عظمة اللّه تعالى، ولذلك قال اللّه تعالى: (وما قدروا اللّه حقّ قدره) [الأنعام: 91] أي: ما عظّموه حقّ تعظيمه، فمن أعجب بنفسه وعبادته فقد هلك مع ربّه، وهو مطّلعٌ عليه، وعرّض نفسه لمقْتِ اللّه تعالى وسخطه، ونبّه على ضدّ ذلك، قوله تعالى: (والّذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلةٌ أنّهم إلى ربّهم راجعون) [المؤمنون: 60] معناه: يفعلون من الطّاعات ما يفعلون وهم خائفون من لقاء اللّه تعالى بتلك الطّاعة احتقارًا لها، وهذا يدلّ على طلب هذه الصّفة والنّهي عن ضدّها، فالكِبْر راجعٌ للخَلْق والعِباد، والعُجب راجعٌ للعبادة.

المصدر: أنوار البروق في أنواء الفروق (4/ص336-337)، تأليف: أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي المصري (ت684هـ)، مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الثانية (1429هـ/2008م).

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق