وحدة الإحياءدراسات عامة

الوعي التأويلي وآليات فهم الخطاب الشرعي

يطرح فهم الخطاب الشرعي قضايا وإشكالات معرفية ومنهجية متلازمة، تتصل بالذات المتلقية وهي تفسر أو تؤول، بحسب موقعها الفكري، ومرجعياتها المعرفية، وآفاق تحيينها للفهم.. ثم “بمفهوم” النص الذي ينبغي أن يكون مستقرا وثابتا في ذهن المتلقي؛ وبجهات النص اللغوية، والتوجيهية، والإعجازية، والإشارية… والتي بها تتضح وجهة القراءة؛ كما تتصل بالنص كإطار معرفي، فيه تتحدد للمشتغل بالقراءة التخوم الخطابية، وتتضح له حدود المعنى، وسبل تحقيق الاتصال به، والقرب من مجالات المعنى فيه، بما أن النص حقل خصب لاستثمار العقل، وفضاء واسع لتشغيل الطاقات.

غير أن مسار التعاطي مع الخطاب الشرعي، يرسم خريطة للفهوم المتعددة التي نبتت حول القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف قديما وحديثا؛ إنه تعدد أنشأته الطاقة المتجددة للمعرفة الشرعية، كما أنشأه تعدد المرجعيات؛ وهو الذي يدعو باستمرار إلى مساءلة الوعي التأويلي، وفحص آلياته، وتبين انسجامه مع المقصود في الخطاب الإلهي، أو عصيانه، ورفضه، وتعاليه.

والسؤال الذي تطرحه هذه المداخلة يخص حدود الوعي التأويلي، وأدوات اشتغاله على الخطاب الشرعي؛ وغايتنا في ذلك، تعرية هذا الوعي وكشف مزالقه.

ومعلوم أن الفهم معنى جوزته العرب للعقل، فكان بذلك ظاهرة عقلية؛ إنه نشاط حركي، يتحقق من خلال أفعال الإنسان الظاهرة أثناء ممارساته للفهم، والتي بها يستدل على سلوكه العقلي.

غير أن الفهم عرف انتقالات بسبب تطور المناهج ونظريات المعرفة، وتغير تداوله في المعارف والعلوم، في الفقه، وعلم الكلام، والفلسفة، والصوفية، واللسانيات، والماركسية، والفينومينولوجية..

فهم الخطاب الشرعي زمن الصحابة

عرف الاستمداد من الوحي مسارا تطوريا، باعتبار قصدية البحث عن المعنى؛ هكذا كانت الغاية زمن الصحابة، إنشاء مدار لوعي الخطاب الإلهي من موقع التسليم بمصدريته اللغوية المفارقة، وثبوثية تعاليه المعرفي، والتي تحقق منها حذاق اللغة العربية من المسلمين وغير المسلمين، زمن الرقي اللغوي، على عهد النبي، صلى الله عليه وسلم، والتسليم، من مثل عتبة بن ربيعة والنضر بن الحارث، والوليد بن المغيرة (..) فعن ابن عباس أن الوليد بن المغيرة اجتمع ونفر من قريش وكان ذا سن فيهم وقد حضر الموسم فقال: “إن وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فأجمعوا فيه رأيا واحدا، ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا، ويرد قول بعضكم بعضا. فقيل يا أبا عبد شمس؟ فقل وأقم لنا رأيا نقوم به. فقال بل أنتم فقولوا، وأنا أسمع. فقالوا نقول كاهن. فقال: ما هو بكاهن؛ رأيت الكهان، فما هو بزمزمة الكهان. فقالوا نقول مجنون. فقال ما هو بمجنون، ولقد رأينا الجنون وعرفناه فما هو بخنقه ولا تخالجه ولا وسوسته فقالوا نقول شاعر. فقال ما هو بشاعر، قد عرفنا الشعر برجزه وهزجه وقريضه ومقبوضه ومبسوطه؛ فما هو بالشعر([1])“.

ومعلوم أن التماسك اللغوي دليل على تماسك المعنى والقصد. لذا كان التلقي الأول للصحابة يستظل بظلة العرف الخطابي لتحديد مدار الفهم؛ وهو مدار متنوع الجهات، فمنها اللفظة في تداولها المعلوم، أي كما كان يمارسه العرف التداولي. ومنها الكلام في تركيبيته الصغرى: أي النص المعزول عن سياقه المقامي والتلفظي؛ وفي تركيبيته الكبرى: أي النص في علاقته بالنصوص التي تحظى بقابلية الانتماء إلى مدار معرفي ومقاصدي ودلالي واحد، لعدم وجود تنافر بينها، والتي يستدعي بعضها بعضا لبيان المعنى وتيسير الفهم، باعتبار التواشج المعرفي والمقاصدي الحاصل بينها جميعا: “والحديث والقرآن كله لفظة واحدة، فلا يحكم بآية دون أخرى، ولا بحديث دون آخر. بل يضم كل ذلك بعضه إلى بعض([2])“.

  1. النص في تحققه التداولي.
  2. النص في امتداداته السياقية والمقاصدية: يلزم في الباحث في علوم القرآن المجيد أن يكون عالما بالمقاصد اللغوية، يقول الشاطبي: “لابد لمن أراد الخوض في علم القرآن والسنة من معرفة عادات العرب في أقوالها ومجاري عاداتها حالة التنزيل من عند الله والبيان من عند رسوله عليه الصلاة والسلام؛ لأن الجهل بها موقع في الإشكالات التي يتعذر الخروج منها إلا بهذه المعرفة([3]).

الآكد أن الصحابة في سعيهم للفهم لم يكونوا مهتمين بمعنى النص، ميالين إلى إشباع الرغبة في الاستماع إلى رنات المقول، ولكنهم كانوا شغوفين بالإصغاء إلى المقصود من القول؛ يقول ابن قيم الجوزية: “فالناظر العارف في الشريعة إنما يقول: ماذا أراد؟، واللفظي يقول ماذا قال؟([4])“.

إن تبين مسالك المعنى الموصل إلى مداخل القصد، استدعى من الصحابة، الذين كانوا أهل لغة، ليس النظر في مكونات النص اللغوية إلا من حيث قدرتها على العبور بهم إلى ما يقربهم من مقصود الشارع، بحسب سياقات المعنى المحمول في أحشاء الألفاظ، والتراكيب والتعابير في المجال التداولي المعهود لدى العرب، وتبعا لقرائن الأحوال المتحكمة في سلامة التلقي.

ولا خلاف أن التفوق اللغوي لدى الصحابة لم يكن في كثير من الأحيان كافيا لفهم معنى مطلقا، أو تبيين بعض ما يحتمل المشترك… وهو ما يبرر استمدادهم المعنى من الرسول؟، صلى الله عليه وسلم، حينما تتوقف آلة الفهم عند ظاهر آية أو عمومها، فتشدهم كلمة مثل “الظلم” في: ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ (الأنعام: 83) إلى معهودهم اللغوي، ويبعدهم معناها العام عن معناها الخاص؛ ليردهم النبي إلى أصل الكلمة في السياق القرآني، مؤولا الظاهر العام لـ”الظلم” بما يوافق المعنى الحقيقي المقصود من الآية.

فهم الخطاب الشرعي في النشاط الفقهي

مورس التأويل في النشاط الفقهي، كفعل اجتهادي داخل النص وفي مجاله، بما أنه صرف المعنى الظاهر الراجح إلى المعنى المرجوح، لوجود دليل يقتضي ذلك؛ إنه بحث عن مساحة مشتركة بين النص والواقع، نتيجة احتكاكه بهما معا، انطلاقا من المبدأ المؤطر لنشاط الفهم، وهو مبدأ “الاكتمال” الذي يعد بحق خاصية النص العظمى التي تحرك فاعلية التلقي المستبصر، محفزة طاقات المتلقي التشغيلية، الحسية والعقلية، وكفايات تدبير الفهم: كالعلم بالحق والعلم بالواقع..

 وهاهنا الهوة الفاصلة بين آليات الفهم الاستغرابية، وآليات الفهم من داخل المنظومة المعرفية القرآنية، فهذه تصدر عن منهج التسليم بقوة المعرفة في القرآن واكتمالها، لينخرط العقل من ثمة، في وصل الشاهد من النصوص بما يغيب عنها من المقاصد الخطابية، دون مقاطعة الآليات العلمية التي أنشأت مدارها القرائي، حول مركزية المعرفة القرآنية والتي كانت تستمد قوتها من كمال معرفي ختمت به الرسالة القرآنية: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (المائدة: 4).

وهذا “الكمال” هو الإطار الذي أنشأ القرآن به الحدود القرائية (تفسيرا وتأويلا) وسيج به حقل التلقي، وبين مسالك الوعي بالحقيقة الشرعية، ووسع آفاق النظر البشري للاقتراب منها نفسيا وفكريا وسلوكيا… وهو نفسه المبدأ الذي فرق القرآن به الطرق الموصلة إلى الحقيقة، بين الوعي الإسلامي الحر، الذي يمارس وعيه من داخل الدائرة الهوياتية لعقل منسجم، والوعي المتشظي الذي يميز الفهم المنحرف في كل زمان ومكان.

الوعي التأويلي المنحرف وآليات فهمه للخطاب الشرعي

1. عند الفلاسفة المسلمين

ما كان الفهم عند الفلاسفة والمتصوفة المسلمين يعني استكشاف معنى النص وفق القوانين الداخلية الأصيلة في الخطاب الشرعي، بل كانت الرغبة في إثبات التوازي بين النص وباطنه، لإثبات بلوغ التفوق الفلسفي فانزلق العقل حينما وازى ابن رشد بين معرفتين؛ معرفة يقينية هي المعرفة الإلهية، ومعرفة عقلية بشرية هي فلسفة أرسطو، فآل به التقريب بينهما، إلى هدم خصوصية النص الشرعي، وهو يصل بين منفصلين في كتابه المشهور: “فصل المقال في تقرير ما بين الشريعة والحكمة من اتصال”.

2. عند المتصوفة الباطنية

عمل التصوف الباطني على هز أركان المعنى المقصود في الخطاب الشرعي بتضخيم الذات وتعظيم كفاياتها الاستكشافية، مما أفقد باطن النص ثباته المعرفي وهز يقينياته المقدسة مرغما إياه على أن يستجيب لتوقعات القارئ وانتظاراته كقارئ متميز، بدلا من إصغاءه كمتلق للمعنى فيه، من داخل المجال القراني وليس خارجه؛ وقد فصل ابن تيمية الحديث عن انحراف الفهم المصنم للمعرفة البشرية يقول: “… تجد كل قوم يدعون الاختصاص بالأسرار والحقائق ما لا يدعي المرسلون وأن ذلك عند خواصهم، وأن ذلك لا ينبغي أن يقابل إلا بالتسليم، ويحتجون لذلك بأحاديث موضوعة وتفسيرات باطلة..([5]).

 ذلك أنهم نسوا النص ونسوا العقل فرماهم في أحضان الحلول والاتحاد، وهو ما لم يفعله المحاسبي لأنه اعتمد “على النص المعقول”، وقرن بين الزهد والمعرفة، والمعرفة والعقل، والعقل والإيمان يقول: “كل زاهد زهده على قدر معرفته، ومعرفته على قدر عقله وعقله على قدر إيمانه([6])“.

وقد ميز المحاسبي في منهج الفهم، بين باطنية فاسدة وباطنية سليمة؛ “فمن أمارات الباطن السليم، تزيين الظاهر بالمجاهدة واتباع السنة([7])“، وهو اتجاه التفسير الإشاري، المشروط حتما بالرسوخ في العلم، وإن كان ابن تيمية يفرق في التأويل الصوفي الإشاري؛ بين التأويل السليم والتأويل الفاسد.

أما التأويل عند الباطنية الصوفية، فهو تأويل فلسفي نظري لا يعتدون فيه بالظاهر ولا يحكمونه، وغايتهم الظاهرة، تعطيل فاعلية الشريعة واستبدالها بأدلة يدعيها “الكشف” و”الاطلاع”، حتى أن “منهم من يصف ربه في قصائده بما نقل في الموضوعات من وكفر صريح: مثل مواكلته ومشاربته، ومماشاته، ومعانقته، ونزوله إلى الأرض، وقعوده في بعض رياض الأرض ونحو ذلك، ويجعل كل منهم ذلك من الأسرار المخزونة والعلوم المصونة التي تكون لخواص أولياء الله المتقين.

هكذا انشق زهاد الصوفية عن اللاعقلانية الباطنية، فكتب المحاسبي كتابه: “فهم القرآن”، معلنا فيه عن مقاطعتهم ومقاطعة المعتزلة، مقعدا لمنهج التلقي الذي لا يفصل فيه بين الإيمان بالله الذي يشكل عمودا لوعيه المنهجي وهو يجتهد ليفهم، ثم العلم والعقل وهما جناحا المركبة الموصلة إلى الإدراك الواعي للمعنى السليم.

 هكذا كان مقياس التفاضل، بين الناس كفاية القبول عن الله، وشرطه صحة العقل، وطهارة القلب، يقول المحاسبي في حليته: “فأفضلهم أعقلهم، وأعقلهم أفهمهم عن الله، وأفهمهم عن الله أحسنهم قبولا عن الله([8])“. وقد تحدث الحارث المحاسبي عن العاقل عن الله باعتبار أنه كائن واع، ومؤمن معا؛ فهو واع بأنه مخالف للأحمق والمجنون، وهو واع بنعمة الله عليه؛ ومن ثمة كان العقل عنده ليس غريزة نورانية ومقدمة لإمكان المعرفة، وبذلك انتصر المحاسبي للمنظور القرآني الذي يرى في العقل العملي “مسؤولية واختيار”.

3. عند المعتزلة

والواقع أن ممارسة التحلل من النص لفهمه قديم رافق التفكير العقلاني مع المعتزلة الذين اعتمدوا على العقل في الاستدلال على حجية فهمهم؛ غير أنهم استخدموه بمرجعية دخيلة على مفهومه في المرجعية الإسلامية، وبوعي مستغرب يشكل فيه الآخر المختلف الضدي والوصي الفكري، والمصدر الثابت لبناء الوعي المعرفي وتشكيله.

ومعلوم أن القراءة المعتزلية كانت أول محاولة مذهبية في أمور الدين وذلك على يد واصل بن عطاء (131ﻫ) وعمرو بن عبيد (144ﻫ). وقد ذاع صيت هذا المذهب حتى صار ترفا فكريا انتشر بين الملوك والأمراء وعرف المشتغلون به بالمتكلمين، وعرف موضوعهم بعلم الكلام أو علم التوحيد؛ كان التحليل المنطقي المعتزلي آليتهم العقلية لإدراك حدود الخير وحدود الشر، والجدل العقلي وسيلتهم العقلية لتقويم الفهم، ومن ذلك الموقع فسفهوا العقل الفقهي وسخروا منه.

والحق أن العقل في المعرفة القرآنية وفي مدارات التفكير المنبثقة منها، متعدد ومركبة معانيه، ومشتقاته، ومرادفاته، لتشمل أحوال استخدامه في أنشطة عملية، تتحقق بها وظيفية الإنسان الاستخلافية؛ إنه في المعرفة الشرعية ليس غاية في ذاته، ولا يمكن الاكتفاء به مرجعا معرفيا قائم الذات، وهو ما يثبت حاجته إلى الاتصال بمشغله، بل يحتاج إلى عاقل قادر على استخدامه والنظر به، للظفر بالدليل الهادي يقول ابن تيمية: “وأما الناظر في المسألة، فهذا يحتاج إلى شيئين: إلى أن يظفر بالدليل الهادي، وإلى أن يهتدي به وينتفع، فأمره الشرع بما يوجب أن ينزل على قلبه الأسباب الهادية، ويصرف عنه الأسباب المعوقة([9])“.

ولا تخفى قيمة الاستدلال العقلي في القران الكريم، ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (الحشر: 2) ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ (الأعراف: 185) إنه آلية من آليات التأويل لفهم وإدراك المعنى في الخطاب، بشرط مراعاة المجال التداولي الذي تحددت فيه جهات البحث عن المعنى، أو جهات ترك البحث فيها، وهي الجهات الأربع للتأويل:

ـ ما يجب تأويله.

ـ ما لا يجب تأويله.

ـ ما يميل إلى جانب عدم التأويل.

ـ ما يميل إلى جانب وجوب التأويل.

هكذا ورد العقل في القرآن بصيغة الفعل: يهتدون، يعقلون…؛ وهو في المنظور السني والجماعي متصل بالعلم والممارسة العملية معا وعليه فإن للعقل مجالان: المجال الإيماني… والمجال السلوكي… وبهذا المعنى: “لم يكن الوحي مناقضا للعقل في المحكم من الآيات، ولم يتعارض معه في المتشابه منها، بل انتزع العقل من متناقضاته وحرره من شكه، وهداه إلى اليقين([10]).

ثم إن ما كان مميزا للقراءات المؤسسة للفهم العقلاني في التراث التأويلي الإسلامي الأصيل ـ كتأويل المحاسبي هو ذلك الملمس الاعتقادي طبع ممارسة الفهم، حتى حين اختلفت توجهات القراءة، بل ظل هاجس إنشاء قواعد إيمانية نظرية أو عملية للفهم والمنطلق الاعتقادي الصريح الذي أعلنته عتبة لقراءتها حارسا لعقلها، مانعا له من إغفال أو تجاهل مجال خطابي مختلف يعلن اتصاله بحقيقة مفارقة.

لقد كان الفهم الاعتقادي موجها للجهد الذي كان يستفرغ لتحصيل المعرفة، حتى أن صحة الاعتقاد كان عمدة لتمام هذا الجهد المبذول لأجل ضمان صحة الفهم، وبينهما يلزم العلم باللغة وأصول الفقه كما في زمن النشأة التشريعية، زمن التعبد النبوي الذي كان يجري داخل المدار الكلي للأدلة الشرعية الرئيسة، أو في زمن الصحابة والتابعين حيث اتسعت مجالات الأدلة ونشط اعتبار قواعد الفهم، والقياس، والناس، والواقع… ولا ينبغي ذلك إلا لمسلم بالغ عاقل عادل… ليتيسر العلم بالقرآن وبالسنة المطهرة.

وقد لازمت هذه القوانين القرائية الفكر الأصولي، معتبرة إياها آليات الاجتهاد عامة، والاستنباط خاصة بغية نيل “الفضيلة في دينه ودنياه([11])“.

4. في الإسلاميات التطبيقية

أما “الإسلاميات التطبيقية، فقد أنشأت وعيها التأويلي من مركزية معرفية غربية متضامنة مع الفكر المعاصر كله…([12])” لتجديد الفكر الديني بشكل عام.

حيث آمنت بأنه لا وجود لحقيقة غير الحقيقة المحسوسة لإنسان متفرد والقابلة للمعرفة والدرس، وهذا إعلان صريح عن انتصارها لمفهوم السيادة البشرية التي توازي السيادة الإلهية.

هكذا تقاطع “الإسلاميات التطبيقية مبدأ “الاكتمال” الذي ختمت به الرسالة في حجة الوداع لأن غايتها: ممارسة علمية متعددة التخصصات… تريد أن تكون متضامنة مع نجاحات الفكر المعاصر ومخاطره([13])“.

والاستمداد الانفعالي من العقلانية الغربية أدى إلى الاعتداء على استقلالية النص وتفرده، ومفارقته لكل العلوم والمعارف والإبداعات البشرية، وهي الدهشة التي أحدثها في المتلقي الأول للنص التي لم تكن دهشة لغوية كما يدعي التأويل الأدبي للقرآن المجيد مع قائد المستحدثين: أدونيس، علما أن عداوة الذين كفروا بالرسالة المحمدية، لم تمنع هؤلاء من التوقيع على اختلافها المعرفي؛ وما كان لغرابة اللغة ورقيها أن يكون خطرا على المعتقد الذي يتشكل، كما هو معلوم ، إلى جانب اللغة، من المواقف والأفكار والرؤى..

فانبهار المتلقي الكافر كان انبهارا عقديا وليس لغويا. وإنما ادعت الإسلاميات التطبيقية أن المتلقي انبهر بالمعمار اللغوي للوحي وبـ”سحره” لتؤسس لتأويل لغوي متهافت يقضي بأن القرآن المجيد “نسج” بالفهم الغربي للنص/النسج etexture TEXTE، وهو لذلك يسمح بتدخل “أنا” القارئ لصياغة المعنى فيه، بل وإعادة توزيع خيوطه وترتيبها، بما يلائم مرجعيات الفهم، المتحكمة في اختيارات خيوط نسجه الجديد؛ فأولوا تأويلا عضينيا يجزئ النص ليقعدوا لإطلاقية حرية العقل، متعمدين تدمير اتساق النص، الذي يلازم المعنى فيه البناء النظمي الكلي، ويستدعي من ثمة، كفاية الربط ين الجزئي والكلي، بين البدايات والنهايات، بين الخفي والجلي…، علما أن الكليات لا تثبت إلا بالجزئيات، كما أن الجزئيات إنما تثبت بدلالة الكليات.

وقد أدى التحلق حول مذاهب لم تكن يوما تحظى بالمقبولية المعرفية في الفكر الإسلامي الأصيل؛ كالشيعة والخوارج، إلى التشويش على فهم الحقيقة الإسلامية، وتخريب الدلالات الخطابية للنص القرآني. خاصة عندما ينتصرون للخط التفكيري الشيعي ويعادون صراحة الاتجاه السني:

“لا شك في أن بعض المؤرخين كانوا قد انتقدوا في وقت مبكر النسخة السنية (للإسلام) لكن، ينبغي بأن نعترف بأن الغنى العقائدي للاتجاه الشيعي لم يكن قد وضع تحت دائرة الضوء إلا بواسطة جهود حديثة؛ ذلك أن عوامل عديدة كانت قد ساعدت ولمدة طويلة على إيثار أو تفضيل الإسلام السني([14])“.

هكذا استبدل كتاب الله بالذي هو أدنى، حينما تطاول أصحاب الإسلاميات التطبيقية على اليقينيات الإيمانية بسبب إدارة المعرفة الغربية للفهم العربي الإسلامي، مما أدى إلى كارثة الذوبان في العقل الغربي بتناقضاته. علما أن تاريخ نظريات المعرفة في الغرب هو تاريخ تناقض بعضها مع بعض. واليوم تعجز الخطابات الاستحداثية عن فك الحصار عن عقلها، لتمارس استقلالها المعرفي.

إن أعظم المزالق التي هوت بالفكر الاستحداثي العربي، هو إنكارها اختلاف الخطاب الشرعي، فراحت تمجد الطاقة البشرية الغربية على حساب النص، كأن القرآن الكريم قصيدة شعر أو رواية خيالية… وهو الذي شهد له أهل اللغة في ذاك الزمان، زمن تمجيد العربية بالاختلاف؛ فكيف بعقول تاخمت الصناعة المعرفية، ورتعت في حقولها تنكر الاختلاف.

إن أصحاب الإسلاميات التطبيقية والتأويل الاستحداثي أبوا إلا أن يبرهنوا للعقل الغربي عن سيادته في قراءة النص القرآني العربي الثابت على يد مستلبين لمعرفة غربية دائبة التحول والانزلاق.

غير أن دوكرو DUCROT. وأبمرتو يكو ECO ورولان بارت ROLAND BARTHES. وجرارا جنيت GENETTTE… وغيرهم برءاء من الفوضى القرائية التي غمست العقل الإسلامي المعاصر في التيه. إذ اهتم هؤلاء وآخرون بالنص البشري ولم ينشئوا معارفهم لإثبات أن القرآن مجرد نسج.

إن نظريات التلقي مع مدرسة كونستانس الألمانية CONSTANCE إنما اتفقت على اعتبار النص الأدبي فقط مفتتا effrité وليس القرآن، والقارئ في نظرها هو المسؤول عن تكميل معناه ورأب تصدعاته. وانبهر التطبيقيون بالفكرة فاستعجلوا تجريب تطبيقها على الوحي الإلهي.

ويذكر “باروني” BARONI([15]) أن “يكو” ECO يقابل بين النص الذي يعتبره آلة خاملة والقارئ الذي يتمتع بطاقة نشيطة بما أنه يستدعي مشاركته في ملئ فضاءات المسكوت عنه أو المقول الذي بقي بياضا([16]). إن النص ليس سوى نسج من البياضات تعمد المؤلف تركها فارغة ليملأها قارئ هو أقوى من الكاتب.

لكن اعتبار القرآن نسج من البياضات، يؤدي إلى دمج مقام التلفظ في مقام التلقي ليحمل المتلقي “وحده فوق أكتافه ثقل المعرفة في النص([17])“. وبذلك تقصف بيانية القرآن الحكيم بما أنه وعاء فارغ و”نسيج فضاءات بيضاء وفرجات ينبغي ملؤها([18])“.

 هذه إستراتيجية رئيسة للتفكير التأويلي الاستحداثي للقرآن الكريم، الذي يرى في القرآن “كلاما وليس نصا على طريقة رينان([19])” وهو ما يبيح للعقلانية المستحدثة “دراسة كلام الله باعتباره موضوعا لغويا([20])” يجب أن يشارك المتلقي في إنجازه؛ حيث يؤول أركون مثلا قول الله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (العلق: 1) أن “كل ما يقول (الله) يسهم في تأكيد تعاليه، ووحدة كونه الآمرة بالنسبة للمخاطب (أنت)، ولكنه (تعالى) يهدف إلى أن يرقى بـ(أنت) إلى رتبة (أنا)([21])“.

إنه مسخ للنص، ومسخ النص وتشويهه عتبة لصياغة قانون الجمال في النص المقروء في الفكر الحداثي الغربي؛ ولئن كان ذلك عتبة للاستمتاع بالنص الأدبي ـ من منظور رولان بارت R. BARTHES فإن لذة قراءة القرآن غير قراءة “دون كشوط” أو الإلياذة…:

…(يقترح بورخيس أن تقرأ “الأوذيسة” كما لو كانت لاحقة بـ”الإلياذة” أو أن يقرأ كتاب تقليد المسيح كما لو كان “سيلين” من كتبه. اقتراحات رائعة، مثيرة وهي إلى ذلك ممكنة التحقق على خير وجه. إنها لاقتراحات ومثيرة، وهي إلى ذلك ممكنة التحقق على خير وجه. إنها لاقتراحات خلاقة، أكثر من أي وقت مضى؛ إذ أن من صلب هذه القراءات ينتج نص جديد على الدوام (المثال على ذلك، فإن كتاب “دون كيشوت” لمؤلفه بيار مينار، مختلف اختلافا بينا عن كتاب سرفنتيس، رغم تطابق الاثنين فيما بينهما كلمة كلمة، وإن عرضا)([22]).

وما لا غرابة فيه، أن يتوصل الكاتب؛ إذ يكتب هذا النص الآخر (أو نصا مختلفا)، إلى نقد النص الأصلي أو إلى الكشف عن إمكانياته أو سبر أغوار قيمه المتوارية. إذ لا أقدر من الكاريكاتير على الكشف والإبانة، لكونه يبدي الموضوع ممسوخا (مع أنه ليس كذلك) ومن جهة أخرى أن رواية أعيد روايتها تصير أجمل إذ تغدو رواية “أخرى”([23]).

ويبقى غريبا وعجيبا أن ينقل مفهوم النص الغربي ويمارس به بعنف تأويلا لنص مختلف مصرا على إهمال مركزيته لتضامنه مع “الرؤيا التاريخانية والعرقية ـ المركزية”. وممجدا في الآن نفسه اشتغال الاستشراق على المعرفة الإسلامية على يد دوسيان، دوغوج، سنوك هرغرونج، نولدكه بروكلمان، ماسينيون مارسيه الخ([24])“. وقد استدلوا بالعرف مرددين قاعدة “تتغير الأحكام بتغير الزمان والمكان” لترسيخ ادعاءهم بأن الشريعة أصبحت اليوم منتهية الصلاحية.

والحق أن القراءة التأويلية للنص القرآني تختلف وتتميز من حيث إن الكتاب هو الذي يحمل المعرفة وكل قراءة تأويلية، هي بحث عن مكامن التنوير، وليست بحثا عن معاقد التعتيم.

إن تأويل القرآن موقع خطابي في المنظومة الخطابية ينبغي أن يخضع لضابط الكمال في القرآن، باعتبار أنه المنظومة المشكلة للعقل المؤول، والمتحكمة في بناء المعنى، وتحديد المنهاج التأويلي، وكلاهما مكون أصيل في النص، الذي يمتح خصوصيته من خصوصية لفظة ومصطلح “نص”؛ فهو أقوى من النسج..

 ولذلك اعتنى الجرجاني به كمعمار نُظُمي؛ والنظم أكثر عقلانية وبراعة من النسج؛ فكان العقل الناظم الإطار المنظومي لتحرك التلقي والتأويل، بما أنه يحتوي على غايته، وهو ما لا يخالف الاستخدام اللغوي للفظة “نص” الذي قد يدل على أقصى الشيء وغايته. إنها غاية لا يملكها المؤول ولكنها تسكن المتن القرآني المحكم أو “النص” كما يسميه الأصوليون. ولا يستقيم الفهم إلا برد متشابه القرآن إلى محكمه، ومعرفة جهات النص بمعرفة غايات المتن فيه.

لقد أدى إغفال المنهج القرآني للفهم، والانخراط في تطبيق العلوم لفهم القرآن قديما وحديثا، إلى التحول عن غاية المتن، إلى غاية المؤًول المشكلة مسبقا، وإن كان أصحاب الإسلاميات التطبيقية قديما وحديثا، يتهمون المتونيين بالانفصال عن النص([25]) ويعتبرون “أرتودوكسين جدد” و”مديري شؤون التقديس” و”عوام الفكر الإسلامي”.

والمتأني في تصفح كتاب تاريخية الفكر العربي الإسلامي “لأركون”، سوف يدهشه تعويجه للحقيقة الإيمانية في الفكر الإسلامي المتوني كما في النص القرآني، خاصة الإيمان بالله، ليجد صاحب الكتاب قد عاد في مقدمته لاستحضار “عون الله”، الذي أهانه: “وستتلو هذا الكتاب بعون الله كتب أخرى كانت قد نشرت بالفرنسية أو في طريق التأليف”([26]).

ولعله الوهم الناتج عن تفتيت القرآن الذي دفع المعاصرين إلى الاكتفاء بلا إله إلا الله قولا دون ممارستها سلوكيا كما مارسها أهل الجاهلية وهو أمر سهل تبريره؛ ذلك أن الخط الفكري للمنحرفين عقديا لا ينقطع أبدا، حتى أن التشابه بين هؤلاء وأقطاب الإسلاميات التطبيقية تشابه حقيقي، فالمرجئة مثلا، وهي مكون من مكونات الخط المعوج للتفكير حول القرآن الكريم، تخرج العمل من دائرة الإيمان مكتفية بما اعترف به اللسان.

إن للفهم زمن الارتجاج الحضاري للأمة الإسلامية، والذي ارتبط بالهزة التاريخية غداة هزيمة 1967م هندسة خاصة لا يمكن بأية حال مقارنته بتحول الفهم في الغرب بعد الثورة اللوثرية، ولا بالفهم زمن الترف المعرفي في الغرب منذ بداية الستينات من القرن العشرين.

لقد كان الانحراف الفكري نتيجة اليأس من فاعلية المسلمين وجدواهم في صناعة التميز، فكان توجههم من ثمة إلى مساءلة العقل العربي والعقل الإسلامي لمحاكمته، ومصادرة يقينيته وقدسيته، ومقاضاة فاعليته لإلغائها، وهكذا يستعيد محمد أركون ومحمد عابد الجابري قراءة العقل الإسلامي، متهمين إياه بـ”التعالي” و”العبودية”، دون أن يستعيدا القراءة في الذات المتلقية للمهيمنات المعرفية في الحداثة، ومن ثمة مراجعة يقينيات العقل الآخر ومسار مراجعتها لنفسها لتجنب الوقوع بعقلانيتهم الاستحداثية في شرك التعالي المعرفي المضاعف الذي لوح به أركون في كثير من كتاباته “هكذا نرى أن العقل يبدو متعاليا وخاضعا لتحديدات كلام الله المعنوية وإكراهاته في آن معا. في الواقع أنه كما لاحظ جيدا لويس ماسينيون في كتابهla passion de Halladj فإن كل اسم قرآني يقدم للشيء المسمى حقيقته الأزلية طبقا لعلم الله ووجوده الموضوعي (كونه) ضمن نظام الخلق وحكمه الشرعي ضمن الوجود التاريخي للبشر. هكذا تأسس كل الفكر الإسلامي وتطور على قاعدة الإيمان المتمثل بالأصل الإلهي للعقل، والدعم الإلهي، هذا الإيمان المتجسد في نص لغوي محدد تماما هو القرآن. ثم جاء الشافعي وأضاف إليه السنة. ضمن هذا المعنى وهذا المنظور يمكننا أن نتحدث عن عقل إسلامي”([27]).

والواقع أن الانفصال الإبستيمولوجي عن العقل الإسلامي المؤسًس والمؤسَس ومقاطعته، لم يق مشروع نقد العقل العربي الإسلامي من الاستلاب، حينما ارتهن ليقينيات الحداثة دون مراجعتها ونقدها؛ فالانطلاق من سياقات تاريخية غربية هدمت السلطة الكنسية، ومعها الهيمنة المعرفية لرجال الكنيسة القاهرة، لا تشبه بأية حال، السياقات التاريخية، والاجتماعية، والنفسية.. للمجتمع الإسلامي لكي يسوغ تطويع النص والتراث للحداثة.

 والمعنى المصلوب، في الثقافة الكنسية، لا يماثل أبدا، وضع المعنى زمن الانقطاع الاجتهادي، وفي كل أزمنة النكسة، كيفما كان نوعها، ولا تمكن المماثلة بين الكنيسة والمسجد من تسويق الفكر الحداثي الغربي بدعوى نشر الوضوح والتضييق على الغموض كما فعل أركون 179: “من هنا نفهم كيف ولماذا راحت هذه الظروف السيكولوجية والسوسيولوجية والثقافية تساعد على انتشار الغموض والإبهام، غموض مفيد دائما للممسكين بزمام السلطة، ما بين السيادة الدينية والسلطة السياسية. أو مابين المقدس والدنيوي أو الروحي والزمني.

راح “العلماء” (فقهاء الدين)، الذين رفعهم القرآن إلى مستوى عال من السيادة الثقافية والروحية القادرة على أن تتعرف الأمور وأن تعلن الحق وتحرسه، والذين سماهم التراث بورثة الأنبياء، يساهمون هم أيضا في نشر هذا الغموض وتعميمه. ذلك أنهم، من جهة أولى قد ركزوا كثيرا جدا على المفردات التي تدل على السيادة العليا من مثل (حق، عقل، شورى، اختيار، عدل، حلم، بيعة، اجتهاد، نص، وصية، حكم، أصول، إلخ…)([28]).

إن تصحيح الفهم يستدعي إذن التخلي، حسب الفكر التحديثي، عن استعادة النموذج المعرفي الذي تهيمن فيه “سيادة الله العليا([29])” للتمكن من الانفصال عن الإشكالات التي تعرض للقارئ وهو يتلقى النص. وقد كان ذلك المقدمة لممارسة قراءة تأويلية تنصب نفسها كمنظومة فهم جديدة تحل محل “المنظومة الفقهفكرية” بتعبير عبد الجواد ياسين، وتؤسس لقراءة تأويلية تستجيب لحاجة النص إلى من يحينه actualisation؛ أي إلى من يهبط به ليلبي حاجة البشر المقهورين في واقعهم وبحسب منطق عصرهم، ليكون المنشئ الأول والأخير للمعنى هو الإنسان. وإن الوعي الإنساني لا الله هو المسؤول عن تحرير العقل من قفص الماضوية؛ أي عن الوعي بالماضي (الوعي التاريخي) باعتبار أن القواعد المؤسسة للفهم تشد العقل إلى الوراء محدثة مزقا بين الإنسان وواقعه، وتبعده من ثمة عن الحق الذي يقبل الخضوع للفحص العقلي، ويثبت الواقع عقلانيته.

إن القراءة التأويلية التحديثية وهي تقاطع الفهم، الذي نبت في حقيقته غير طفيلي في حقل النص، بدعوى إنشاء قواعد عقلية لبناء عقل عصري. تهدم لتبني فتهوي في تناقض عجيب؛ إذ هي تدعو إلى إعادة تكوين العقل العربي تكوينا عقلانيا متفتحا لاستيعاب حركة التاريخ، ويزعجها في الآن ذاته، يقظته النقدية، ومسائلته لمن ساءله فيهب، من موقع متعال، يهاجم صراحة العقل الإسلامي ليرهبه وينبت فيه الاعتقاد بنقصه، وضيق إمكاناته، بدعوى أنه تحاصره، في نظره، المرجعية اللغوية العربية بثقلها “الأرثوذوكسي والميثولوجي([30])“.

وينصب نفسه، على تناقض تام وغريب عن منهجه المقدس في القراءة المستورد من الغرب، وإن كان التفاعل بين العقول مزية حضارية، على ألا تكون محرقة تذوب فيها الهويات (قولة غاندي) فيكمم أفواه المتلقين كي يتمكن من إنشاء مخيال عربي إسلامي يستسلم لـ”نتائج علم البيولوجيا وعلم النفس المعاصرين…” ولا يسلم بالغيب، ولا يفرق بين الله والبشر..

 يقول أركون: “من المؤكد أنه إذا كانت الأفكار والتصورات الثقافية تنطبع على نسيجنا العصبي عن طريق وساطة اللغة، فإنه ينبغي إعادة النظر بكل تقييماتنا وتصوراتنا المتعلقة بمنشأ الثقافة ووظيفتها، وعندئذ سوف تنزاح هذه الأنظمة الثقافية الكبرى المتمثلة في الأديان من دائرة التعالي والأنطلوجيا والتقديس والغيب باتجاه الركائز والدعامات المادية والعضوية التي لا يزال العلم الحديث يواصل استكشافها”([31])” ولا تعقله عقلانيته الاستحداثية من تحقير المتلقي معلنا الحرب أولا على ثوابته الاستغرابية حينما يقول: “أرجو ألا يصرخ بعضهم فورا بالويل والثبور ويتهمنا بممارسة العلموية الجديدة والوضعية الجديدة “néo_ scientisme. néo _ positivism”([32])“، بل نراه يعلن شرعية اختراق القرآن الكريم، فيؤوله بمنطق استغرابي، لغة وفكرا، غير آبه لمتلق يكتب عنه بلغة الآخر ولا يكتب له، مفصحا بذلك عن غيريته المفرطة خاصة عندما يدعي قصور العقل العربي المعاصر عن “فهم ما يقال” له باللغة الفرنسية ويرفض مخاطبته هذا العقل بلغة عربية مبينة لأنها في، نظره، “عربية غير موجودة حتى الآن لسبب بسيط هو أن العرب لم يفكروا بعد جيدا بعلوم الإنسان والمجتمع([33])“.

ثم إن أركون لا يملك الوقت ليلتقط المعارف التي تنبت في الغرب، ثم يستنبتها في الحقل المعرفي الإسلامي، بلغة عربية لا تشعر المتلقي، على الأقل، بأن الاستعمار يسكن العقول العارفة أكثر من العقول البسيطة أو الجاهلة، فينهار فيه بسب بذلك أمل استعادة السيادة المنفلتة منه، وهذا سبب آخر لإقبار العزة الإسلامية العربية، التي يدعي أركون وإخوته نضالهم من أجل تشييدها يقول: “عندما كنت أحاضر في مختلف البلدان الإسلامية وما أزال كانوا يعيبون علي أني أكتب مباشرة باللغة العربية، من المؤكد أني لو فعلت ذلك لاستطعت أن أتوصل إلى جمهور واسع متشوق جدا لاكتشاف أدوات البحث العلمي الملائمة لمعالجة المشاكل الملحة التي تعاني منها المجتمعات المعاصرة. ولكنني لا أملك الوقت الكافي لكي أتتبع في ذات الوقت منتجات علوم الإنسان والمجتمع في الغرب ثم استكشاف وتفحص الأدبيات العربية الكلاسيكية والحديثة وأخيرا عرض فكر جديد في مفردات وأساليب عربية غير موجودة حتى الآن([34]).

إن التسليم الاستغرابي باستعداد النص القرآني للانفتاح، يرافقه، في الواقع، تسليم بعجز العقل العربي على الانفتاح على إمكانات التحليل المتاحة لها من تحليل لغوي وسيميائي، وتاريخي وتحليل سوسيولوجي وأنثروبولوجي وفلسفي “ليكون قادرا على تحويل المعنى المفرد في النص إلى معنى جمع يستدعي قراءة متعددة([35])“. كما تدعو إلى ذلك تفكيكية رولان بارط barthes الذي يعتقد أن القراءة الجديدة (النقد الجديد) ليست شيئا إلا تفكيك للنص: “لأن النقد القديم لا يفكك في العمق ولا يطرح مشكلة التفكيك. ومن ثمة فكل نقد جديد…، هو تفكيك على النمط الماركساوي، وعلى النمط التحليلنفسي والموضوعاتي، والوجودي بأساليب عديدة، وحسب التزاماته الإيديولوجية المختلفة والهدف الرئيس هو محاولة الإمساك بمعنى حقيقي للنص من أجل اكتشاف بنيته وسره وجوهره([36])“.

إن تحديث الفهم من منظور الوعي التأويلي التحديثي للنص القرآني، مغامرة لنسف الحدود بين البشري والإلهي، وذلك ضمن مشروع رد الإلهيات إلى الإنسانيات، ومحو المسافة الفاصلة بين الله والإنسان، كما يصرح بذلك “حسن حنفي”، وهو أمر مارسه، في نظر عبد الجواد ياسين، العقل الفقهي الذي حل محل الدين عندما تحول التدين (النسبي الاجتهادي) إلى مطلق مقدس وتحولت الممارسة الفقهية الإسلامية نفسها إلى دين، وهو نفسه الإطار التبريري للتأويل التحديثي الأركوني: “الوعي الإسلامي كان قد عاش بكثافة واضحة الحالة التأويلية وساهم في إغنائها وإخصابها إلى حد كبير. إننا نتوقع ونأمل أن يتيح له هذا الشيء إمكانية مواجهة المشكلة المركزية التي تطرحها العلوم الإنسانية اليوم، هذه العلوم المنغلقة هي أيضا في الدائرة التأويلية([37])” ومن ثمة هيمن السؤال المؤسس لشرعية التأويل: كيف يقبض على “قانون النص”؟ بتعبير عبد الجواد ياسين وما هي المبادئ التي تكشف في النص عن قدرة ذاتية على التمدد في الزمن، من غير حاجة إلى مساعدة خارجية ويعني “العقل الفقهي الذي أنتج فقها ولكنه غدا “أكبر من حجم النص على أوجه التحقيق([38])“، وهاهنا مبرر آخر لتطوع العقل الإسلامي المعاصر لمقاطعة العقل الفقهي وتجاوزه، من خلال الوسائل الجديدة المقترحة لنقد المعرفة ـ يقول أركون: “أرجو كل الرجاء أن يحسن القارئ ظنه بالمؤلف وبالمترجم، فإنهما تعاونا تعاون الأخوين على البر والتقوى وكلمة الحق. وقد قصدا إحياء الاجتهاد في الفكر الإسلامي المعاصر الذي اندفع في حركات تاريخية جديدة لم يشهدها في عصور اجتهاده الأول. لكل مرحلة من المراحل التاريخية صعوباتها ومشاكلها وما يلائم ذلك من مناهج ومواقف فكرية. وكما أن الشافعي ألف رسالته المشهورة ليقترح وسائل جديدة للاجتهاد كإجابة على ما طرأ في العصر العباسي الأول من ظروف اجتماعية وسياسية وثقافية فكذلك يضطر الفكر الإسلامي اليوم إلى إعادة التفكير والكتابة في مسائل الاجتهاد وكل ما يتعلق بنقد المعرفة وأصولها”([39])“.

هكذا تعامل التأويل لدى الحداثيين مع قرآن كريم غير ذي عوج معتبرين إياه موضوعا للوعي متبنين قواعد التفكير الفنومنولوجي حينما يضعون “الله” و”القرآن” و”الرسول”، صلى الله عليه وسلم، بين أقواس باحثين عن ماهيتهم، متجاهلين وجودهم؛ كما وضعوا التاريخ بين أقواس لغض الطرف عن النظريات الموروثة.

لقد انحصرت القراءة التأويلية فيما يقع تحت إدراكها فحسب، معتبرة كل ما لا يقع تحت إدراكها غير موجود بالنسبة إليها، وإن كان موجودا في ذاته. فهذا محمد عابد الجابري يسقط في سلة مهملاته، وبعقلانيته المستوردة، الأبعاد الغيبية الشاهدة على المعجزة الربانية كالإسراء والمعراج وانشقاق القمر…/محمد عابد الجابري ـ مدخل إلى القران الكريم يقول: “وما روي بشأن الإسراء والمعراج وهي تراث لنا، وهي أمور ناقشها القدماء من العلماء والمفسرين، والآراء فيها مختلفة، وهي كلها تراث لنا، من حقنا بل من واجبنا أن نختار منها، ما لا يتعارض مع الفهم الذي ينسجم مع مبادئ العقل ومعطيات العلم في عصرنا”([40]).

ثم رد الجابري حادثة “انشقاق القمر” لعدم نزول آيات غير آية واحدة بسورة القمر: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ (القمر: 1) فأولها بالخسوف، كما رد المعراج لأنه عنده ليس سوى منام نفسه([41]).

وهذه ملامح القراءة المجنونة، بتعبير محمد سعيد البوطي V تعالى، في محاضرة: جنون القراءة المعاصرة من وإلى أين؟ بالمركز الثقافي والاجتماعي في باريس 19 أيار سنة 2001م في ندوة القرآن بين التفسيرات العلمية والشطحات الذاتية والتي تغيب عنها محمد أركون بموضوع مدرجا بالندوة “تفكيك المصحف” يقول البوطي: “ولكن ظاهرة الجنون تظهر فقط في إخضاع القرآن دون غيره لهذه القراءة العصرية التي تفصله عن تاريخه وتقطع صلة ما بينه وبين ما يعنيه به صاحبه المتكلم به ([42])“.

نتائج البحث

ـ إن الإسلاميات التطبيقية تستظل بظلة مفهومية ضاربة في القدم كالمفهوم اللاتيني inetrpreto والذي يتألف من inter هذا الفضاء الوسيط القائم بين شيئين أو شخصين أو لحظتين فيرسم حدود الانفصال بين الآخر والآخر والذي يمكن أن: “يصيح، مع ذلك، مجالا للترابط والاتصال عبر وساطة ما([43])“.

وقد حدد مارتن روز ROSE موقع المؤول من حيث إن مهمته ليست الاشتغال كوسيط بين اثنين بعيد أحدهما عن الآخر، بل كلاهما آخر؛ لأن هذا الآخر هو أنا (المؤول)، فهو يجد نفسه في الضفة الأخرى لهوة اللافهم؛ لذلك يشترط في المؤول أن يعي غيريته altérite. غير أن الإسلاميات التطبيقية ضخمت هذه الغيرية، لأنها سبيلها إلى إنشاء ما يميز الذات عن الآخر، ولأن الفعل التأويلي يدعم بقوة هذا التباعد والاختلاف، وهو ما يبرر الاتجاه نحو إعادة بناء النص تاريخيا، في عملية التأويل، لأجل فهم غيريته بالنسبة إلى ذات المتلقي وهو مبرر آخر لإضفاء الشرعية على هدم النص القرآني وتكميشه.

ـ اشتهاء القراءة الجديدة، بدافع من نرجسيتها المكتنزة، إلى التأثير في النص، كما أوصى بذلك أحد أعلام مدرسة كونصطانس الألمانية المنظرة للتلقي: “كادامير” الذي يرى في القراءة مجال لقياس إبداع القارئ؛ غير أن القرآن، يفضح تهافت المتلهفين على التأله باسم الحداثة.

ـ إن القرآن ليس “نتاجا” ليسمح القارئ لنفسه بإعادة، إنتاجه re -production بالزيادة فيه أو النقصان منه؛ لأنه النعمة التامة.

ـ لقد اعتمدت القراءة الاستغرابية المنهج الظاهراتي الذي يعتقد أن المعنى هو خلاصة الفهم الفردي الخالص، غير أن المعنى في القرآن المجيد غير المعنى في نص بشري؛ لأنه ثابت قصدي، وليست مهمة قارئ القرآن أن يخلق المعنى، كما أوحى حكماء مدرسة التلقي الألمانية “ياوس وأيزر” للتطبيقيين حينما نفوا القصدية عن القرآن الحكيم فقرر المؤولون الإسلاميون فورا أن النص القرآني مثل كل النصوص لا يحمل قصدا معينا.

ـ إن تقديس “أنا” القارئ أثناء التأويل أفسد المعنى، وأغرق المؤول في التيه التخيلي وهو يفحص ماهية النص القرآني قياسا على ماهية الوصايا التوراتية القديمة والجديدة متوهما تشابهها.

الهوامش

([1]) ابن كثير، البداية والنهاية، تحقيق: مصطفى عبد الواحد، بيروت: دار المعرفة/لبنان، (1395ﻫ/1976م)، 1/499-500.

([2]) ابن حزم، الإحكام في أصول الأحكام، 1/98.

([3]) الشاطبي، الموافقات، 2/391.

([4]) ابن القيم، إعلام الموقعين، تحقيق: مشهور بن حسن آل سلمان، 1/219.

([5]) ابن تيمية، الفتاوى، إصدار مجمع الملك فهد، (1416ﻫ/1995م)، 4/12.

([6]) المحاسبي، العقل وفهم القرآن، تحقيق: حسين القوّتلي، ط، (1391ﻫ/1971م)، دار الفكر، ص3410، الفتاوى، م، س، 13/241.

([7]) المرجع نفسه، ص66.

([8]) الحلية، 10/86.

([9]) الفتاوى، م، س، 4/38.

([10]) المحاسبي، العقل وفهم القرآن، ص120.

([11]) الشافعي، الرسالة، 1/19.

([12])محمد أركون، تاريخية الفكر العربي الإسلامي، ترجمة: هاشم صالح، مركز الإنماء القومي، ط1، 1986م، ص56.

([13]) المرجع نفسه، ص 57.

([14]) المرجع نفسه، ص 53.

[15] R / baroni littérature n- 127, SEPTEMBRE 2002, p.105.

([16]) أمبرتو يكو، القارئ في الحكاية: التعاضد التأويلي في النصوص الحكائية، ترجمة: أنطوان أبو زيد، الدار البيضاء: لمركز الثقافي العربي، ط1، 1996م، ص63.

([17]) المرجع نفسه، ص63.

([18]) المرجع نفسه.

([19]) تاريخية الفكر العربي الإسلامي، م، س، ص30.

([20])محمد أركون، الفكر العربي، ترجمة: عادل عوا، بيروت: منشورات عويدات، ط3، 1985م.

([21]) المرجع نفسه، ص35.

([22]) القارئ في الحكاية، ص74.

([23]) المرجع نفسه.

([24]) تاريخية الفكر العربي، م، س، ص54.

([25]) السلطة في الإسلام: العقل الفقهي بين النص والتاريخ، المركز الثقافي العربي، ط2، 2000م، ص60.

([26]) تاريخية الفكر العربي الإسلامي، م، س، ص10.

([27]) المرجع نفسه، ص65.

([28]) المرجع نفسه، ص179.

([29]) المرجع نفسه، ص188.

([30]) السلطة في الإسلام، م، س، ص29.

([31]) تاريخية الفكر العربي الإسلامي، م، س، ص9.

([32]) المرجع نفسه، م، س، ص27.

([33]) المرجع نفسه، ص45.

([34]) المرجع نفسه.

[35] barthes/barthes par lui-même, seui 1975l R, p.73.

[36] ROLAND BARTHES, le grain de la voix, seuil 1981, p. 90.

[37] Ibid, p. 137.

[38] Ibid, p. 60.

 [39] Ibid, p. 10.

([40])محمد عابد الجابري، مدخل الى القران الكريم، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، 2000م، ص82.

([41]) المرجع نفسه، ص190.

([42]) محاضرة محمد سعيد البوطي V: جنون القراءة المعاصرة من وإلى أين؟ بالمركز الثقافي والاجتماعي في باريس 19 أيار سنة 2001 في ندوة القرآن بين التفسيرات العلمية والشطحات الذاتية والتي تغيب عنها محمد أركون بموضوع كان مدرجا بالندوة: “تفكيك المصحف” www.dahcha.com.

[43] Une herméneutique de l ancien testament: MARTIN ROSE comprendre se comprendre; faire comprendre, ed. labor et fidés 2003, P.11.

 

Science
الوسوم

دة. رشيدة زغواني

كلية الآداب والعلوم الإنسانية/بني ملال

عضو المجلس الأكاديمي للرابطة المحمدية للعلماء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق