وحدة الإحياءتراث

المقاصد قبل الشاطبي.. قراءة في التراث الفقهي

إن الآفاق الواسعة للتفكير المقاصدي تجعلنا منذ البداية نفصل بين الظاهرة المقاصدية وبين العلم المقاصدي.

إن الظاهرة المقاصدية بحكم طبيعتها مفتوحة، واتصالها بالمجالات البينية أمر طبيعي، خاصة وأن العقل الإنساني لا يتجزأ في تعامله مع “الفكرة” عند اصطيادها، ولكن توظيفها أو بصورة أدق “منهج التوظيف” هو الذي يختلف اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، وهذا ما أشرنا إليه في مقدمة الجزء الأول من الدليل الإرشادي بقولنا: “إن مقاصد الشريعة ليست جزءًا من الفقه، بل هي الفقه الأكبر؛ لأنها أرحب وأوسع من أن تُحصر في دائرة علم من علوم الشريعة، بل هي بمنزلة الروح من جسد هذه العلوم كلها، لها مكانتها من أصول الدين، ومكانها في الفقه وأصوله، وهي لباب علم التفسير، ومعيار حاسم في فهم الأحاديث، إضافة إلى ذلك فهي قطب جاذب لعلوم إنسانية وطبيعية، وفي مقدمتها علم التاريخ بسننه العمرانية، وعلم الطب بكل أقسامه وفروعه، فالمقاصد ليست في تدبير مصالح الأديان فحسب، بل هي أيضًا في تدبير مصالح الأنفس والأبدان، ومصالح العيش والعمران”.

والظاهرة المقاصدية بهذا الشمول، لا خَطَر منها على المقاصد حتى لو اعتبرناها علمًا، فمقاصد الشريعة، كما يقول الدكتور: “أحمد الريسوني”، جزء من الشريعة ومن نصوصها، والشريعة ليست مغلقة على علم بعينه بل هي المعقول والمنقول معًا، وبلغة “ابن القيم” فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد.

 إذن، من الطبيعي، وكما قال “أحمد الريسوني” بحق، أن الالتفات إلى مقاصد الشريعة كان مبكرًا، وكان ملازمًا للشريعة نفسها، ولذلك نجد فقه الصحابة، وفقه التابعين، وفقه الأئمة المؤسسين للمذاهب، هو الأكثر تشبعًا بمقاصد الشريعة، والأكثر التفاتًا إليها واعتمادًا عليها.

وأهم ما في الظاهرة المقاصدية قدرتها على تعميم مضمونها من ناحية، وعدم فصلها بين الكليات والجزئيات من ناحية أخرى، فلم تكن المقاصد مدرجة في قواعد أو مقننة في نماذج، وإنما هي روح تسري في الحياة الإسلامية كلها، وهي روح تُستَقَى من خلال أوامر ونواهي الدليل، وتدرك بوحي منها مدارج التطبيق والتنزيل، وعليه فلا حرج إن “اتخذ التفكير في الدرس المقاصدي منحى الاهتمام بتداخله الداخلي مع العلوم التي تنتمي إلى المجال التداولي العربي الإسلامي، وتداخله الخارجي مع العلوم التي لا تنتمي إلى هذا المجال”.

إن تنميط الاستثمار المقاصدي وضبطه في احتمالات “أن المقاصد إما أن تُستثمر في التعامل مع النصوص بإطلاق، أو في مجال الحكم بإطلاق، أو أن توظف، عند التعامل مع النصوص، في إتمام الاستقراء الناقص الذي تم عبره الكشف عن المقاصد، عند التعامل مع النصوص، وفي الترجيح والتنزيل على الواقع والتعدية لملئ الفراغ التشريعي”.

إن هذا التنميط هو محاولة في “تنظير العلم” تأتي لاحقة على الظاهرة المقاصدية التي يبدأ منها “تأسيس العلم”، وهي مرحلة مفارقة منهجًا وحدودًا عن الظاهرة في امتدادها وتداخلها.

إن المفهوم المقاصدي ليس فقهًا، وليس معنى معجميًا يمكن جعله مانعًا جامعًا، فالمقاصد روح الشريعة وغاياتها، وليست حروف المعاجم ودلالاتها، ومن هنا أصبح التداخل المعرفي طريقًا إلى ضبط المفهوم، وهو ليس مجرد اختيار عمدي، بل هو بَدَهي ومحتوم.

وأخشى ما أخشاه أن ارتباط المفاهيم الشرعية، بالشبكة المفهومية، وهي جزء من تطور الشبكة العنكبوتية، قد يُنسينا في خضم عالمِ تائهٍ مزدحم إلى حد التخمة بالمعلومات الحكم الشرعي باعتباره “تعليمات” وليس مجرد “معلومات”، إن بنية المفاهيم “المعجمية” هي جزء من “تعقل اللغة” يؤثر فيه الاجتهاد والاعتياد، أما العربية باعتبارها لغة التنزيل فهي ليست مجرد وعاء للنص القرآني ولكنها جزء من ماهية الخطاب القرآني المتعبد بتلاوته.

أولا: المقاصد في القرن الهجري الأول

أظنها لحظة توافق أن تصبح المقاصد حديث الساعة في الساحة العلمية المعاصرة، في الفكر والأصول والفقه، وهو توافق يدل على أمرين:

الأول؛ الصلة الوثيقة بين مقاصد الشريعة الإسلامية وديمومتها عبر الزمان والمكان، فلم يكن الحديث عنها عابرًا، ولا خاصًا بمذهب دون مذهب، بل هي قاسم مشترك بين كافة المذاهب الإسلامية، باقية ودارسة، وعند أعلام التشريع الإسلامي قديمًا وحديثًا.

الثاني؛ أهمية البحث المقاصدي في عالم اليوم، وهو عالم متغير بكل ما في الكلمة من معنى، بل هو تغير في الحياة المادية وفي العقول والنفوس، واللافت للنظر أن أهل العلم على اختلاف انتماءاتهم الفكرية والمذهبية ينظرون إلى المقاصد الشرعية باعتبارها الخط الأول في تجسير الفجوة بين النص والواقع، وبين الشريعة والحياة.

لقد صاحبت المقاصد عصر الوحي، ووجدت مقوماتها وعناصرها في آيات الكتاب وفي أحاديث الرسول، صلى الله عليه وسلم، وهما مصدرا الإسلام عقيدة وشريعة، وفيهما استيعاب للمقاصد الكلية والمقاصد الجزئية.

ـ المقاصد في القرآن الكريم

يقول تعالى: ﴿ما يريد الله ليجعل عليكم في الدين من حرج، ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون﴾ (المائدة: 7). ويقول تعالى: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ (البقرة: 184). ويقول تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ (الحج: 78) ويقول تعالى: ﴿ لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾ (البقرة: 286)

وهذه الآيات ونظائرها، وهي كثيرة، تتحدث عن المقاصد العامة في الشريعة بما يؤكد شرعيتها، ويدعم حجيتها.

وفي القرآن حديث عن المقاصد الجزئية في سياق تعليل العبادات والمعاملات: يقول تعالى: ﴿وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾ (العنكبوت: 45). ويقول تعالى: ﴿يا أيها الذين ءامنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾ (البقرة: 182). ويقول تعالى: ﴿خذ من اَموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصلِّ عليهم إن صلاتك سكن لهم﴾ (التوبة: 103).

ـ المقاصد في الحديث النبوي

أما في الحديث النبوي فمعالم البناء المقاصدي واضحة جلية:

يقول، صلى الله عليه وسلم، لمعاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري لما بعثهما إلى اليمن: “يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا[1].” ويقول صلى الله عليه وسلم: “فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين[2].” وقوله صلى الله عليه وسلم: “لا ضرر ولا ضرار[3].”

وهذه كلها في المقاصد العامة، أما في المقاصد الجزئية: يقول صلى الله عليه وسلم: “يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء[4].”

ـ المقاصد في فقه الخلفاء الراشدين

أما فقه الخلفاء الراشدين فهو ميدان خصب لرصد الفقه المقاصدي في بواكيره الأولى وهو يتحرك في عقول كبار الصحابة “أبي بكر الصديق”، و”عمر بن الخطاب”، و”عبد الله بن مسعود”، و”عثمان بن عفان”، و”علي بن أبي طالب”.

والنماذج كثيرة، والوقائع متعددة منها ما ذكره “الشاطبي” قال: “إن الخلفاء الراشدين قضوا بتضمين الصناع، قال علي رضي الله عنه: ولا يصلح الناس إلا ذاك، ووجه المصلحة فيه أن الناس لهم حاجة إلى الصناع، وهم يغيبون عن الأمتعة في غالب الأحوال، والأغلب عليهم التفريط وترك الحفظ فلو لم يثبت تضمينهم مع مسيس الحاجة إلى استعمالهم لأفضى ذلك لأحد أمرين؛ إما ترك الاستصناع بالكلية وذلك شاق على الخلق، وإما أن يعملوا ولا يضمنوا ذلك بدعواهم الهلاك والضياع، فتضيع الأموال، ويقل الاحتراز، وتتطرق الخيانة، فكانت المصلحة التضمين”.

وعن “سعيد بن المسيب” أن “عمر بن الخطاب” قتل نفرًا خمسة، أو سبعة برجل واحد قتلوه قتل غيلة، وقال عمر: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعًا. والعمدة في قتل الجماعة بالواحد، كما يقول ابن رشد في “بداية المجتهد”، النظر إلى المصلحة، فإنه مفهوم أن القتل إنما شرع لنفي القتل كما نبّه عليه الكتاب في قوله تعالى: ﴿ولكم في القصاص حياة يا أولي الاَلباب﴾ (البقرة: 179) وإن كان ذلك كذلك فلو لم تُقتل الجماعة بالواحد لتذرع الناس إلى القتل بأن يتعمدوا قتل الواحد بالجماعة”.

والقراءة المقاصدية لفقه الخلفاء الراشدين، تطلعنا على مقاصد شرعية تؤتى ثمراتها في الواقع الاجتماعي، وهم لا يهتمون بالوسائل، كما قيل، إلا من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

خلاصة القول أن صحابة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عرفوا مقاصد الشريعة بعناصرها الثلاث؛ التعليل والمصلحة ومآلات الأفعال «وكان أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كما قال شيخنا العلامة محمد مصطفى شلبي، ينظرون إلى الأمر وما يحيط به من ظروف، وما يحف به من مصالح ومفاسد، وإن خالف ما كان في عهد رسول الله، وليس هذا إعراضًا منهم عن شريعة الله ومخالفة لرسول الله، بل هو سر التشريع الذي فهموه، ولولا علمهم بجواز مثل هذا لما أقدموا عليه متشاورين، وبعد المشاورة مجمعين).

ثانيا: المقاصد في القرنين الثاني والثالث للهجرة

في فقه الصحابة تعليل مقاصدي وتنزيل مقاصدي؛ أي فيه تأسيس للمقاصد وفيه توظيف للمقاصد استوعب القرن الهجري الأول كله، وقراءة هذا العصر مقاصديًا تحتاج إلى استنطاق الأقضية والفتاوى، ومراجعة المواقف والمناظرات، دون إغفال لظرفية تاريخية لا ينفصل عنها حكم الدليل، مع فهم للواقع يستلزمه فقه التنزيل. وهنا تصبح الرسائل المفردة، والقضايا المحددة، والفتاوى الخاصة، والتي ضمتها المصنفات الأولى والمدونات المبكرة، مكونات لتمثل المنهج المقاصدي وهو يخرج من القوة إلى الفعل، ومن السكون إلى الحركة..

 ورغم غياب الوثائق التي يمكن الاحتكام إليها في القرن الثاني الهجري، فإن حضور العناوين ووقائع المناظرات الفكرية، وواقعات الجدل السياسي، وكَمّ الفتاوى والأجوبة، وبعض مصنفات التلاميذ الأول لأئمة المذاهب، تُعينُ، وقد أعانت بالفعل، على البحث المقاصدي عند الإمام “أبي حنيفة” وتلاميذه “أبي يوسف” و”محمد”، وعند الإمام “مالك” ومدرسته، ولا يزال الباب مفتوحًا على أعلام آخرين من حجم “الأوزاعي”، و”الليث بن سعد” وغيرهما..

 ولعل البحث في قواعد المقاصد عند هؤلاء، يكون مدخلاً لتوسيع الجانب المعرفي لدينا في النظرية والتطبيق، ولعل ذلك كله وراء النمو المقاصدي الظاهر للعيان في القرن الثالث الهجري والذي هو بداية قرون ازدهار المقاصد وتجردها من ظاهرة المقاصد المتعالية إلى البحث المقاصدي المقنن والمدوّن، ودون مراعاة للسيولة الزمنية؛ لأن بعض أعلام المقاصد في القرن الثالث الهجري امتدت حياتهم إلى بدايات القرن الرابع، فإن القرن الثالث يكفيه في الإنجاز المقاصدي الإشارة إلى عَلَمَينِ اثنين هما: “الحكيم الترمذي”، و”أبو زيد البلخي”.

أ. الحكيم الترمذي

عاش الحكيم الترمذي في القرن الثالث الهجري، والراجح عندي أنه وُلد عام 205ﻫ وتُوفي عام 295ﻫ، خلال هذه الفترة التي امتدت تسعة عقود، وعانى فيها الحكيم الترمذي حياة قلقة كان من أسبابها إثباته العلل العقلية لأحكام الشريعة مخالفًا بذلك، الفكرة السائدة آنذاك وهي أن العبادات غير معقولة المعنى.

واللافت للنظر أن الحكيم الترمذي ترك لنا أكثر من مؤلف في المقاصد الجزئية، ويكفي الإشارة إلى “إثبات عِلَل الشريعة”، و”عِلَل العبادات”، و”الصلاة ومقاصدها”، و”الحج وأسراره”. والمقاصد عند الحكيم الترمذي هي بحث في العلل والأسرار والحكم، وكلها تعني إشارات إلى المقاصد بعناصرها الرئيسة، وما هو بالنسبة لنا من دلالة الاقتضاء. والمقاصد عند «الحكيم الترمذي» أساس في فهم الشرائع، يقول في “إثبات علل الشريعة”: “إن الله تعالى شرع لكل رسول شريعة الأمر والنهي من الحكمة البالغة، فمن عَلم ذلك فقد عرف الشرائع”.

ولم يكتب الحكيم الترمذي في المقاصد الجزئية فحسب، بل في الكلية أيضًا لأنه أدرك المعاني في “الحفظ” من جانبي الوجود والعدم، فهو من أبرز علماء المقاصد، ومن السابقين للتصنيف في “علم مقاصد الشريعة”، فهو من القائلين بتعليل الشريعة وأنها معقولة المعنى، واشتمل كتابه “إثبات علل الشريعة”، وربما لأول مرة بهذا الترتيب، مقاصدًا للشريعة في العبادات والمعاملات، فقد ذَكَرَ عللاً للعبادة من صلاة وصيام وزكاة وحج، وأشار إلى بعض المقاصد السياسية وهو يتحدث عن إمامة السلطان في الصلاة، وذكر بعض علل المعاملات في الربا والبيوع والمواريث، وتحريم الخمر وغير ذلك، وقد يقال إن منهجه الصوفي قد جعله أميل إلى باطن المقاصد، ومدار الأمر عندي في الريادة المقاصدية، وهو في ذلك رائد ولا شك، أما في التعليل الجزئي فهو مثل غيره أخطأ وأصاب، ولا ننسى أن البحث في المقاصد هو بحث في أسرار التشريع، وحسب الحكيم الترمذي أنه اعتمد القرآن والسُّنَّة باعتبارهما أهم مسالك المقاصد، وكُتبُ الحكيم الترمذي، كما لاحظ بحق أحمد الريسوني، تنم عن اهتمام مكثف بمقاصد الشريعة، وحسبه أن لفظ المقاصد قد ورد عنده صريحًا سواء كان ذلك عن عمد، وهو ما أرجح، أو أنه جاء عرضًا، وهو من أبرز الدارسين لمقاصد الشريعة عند الحكيم الترمذي.

ومهما يكن من أمر، فإن الرجل قد استعمل المادة التي كان منها اشتقاق مصطلح “مقاصد”، وهي مادة (ق. ص. د) في مواطن عدة من مصنفاته، وكانت في هذه المواطن تعني المعنى المعهود من عبارة “مقاصد الشريعة”، فالرجل، إذن، قد عرف مقاصد الشريعة وتقسيماتها، كما عرف مسالكها النقلية والعقلية، ولا يؤثر في تقويمنا الإيجابي له، منهجه العرفاني الذوقي؛ لأن تصوف «الحكيم الترمذي» يعتمد على القرآن والسُّنَّة، ولأن الحكيم الترمذي أضفى “بذَوقه” بُعدًا روحيًا لا يمكن تجاهله في دراسات مقاصد الشريعة والتي لا تَنفصِلُ المقاصد فيها عن الأخلاق.

ب. أبو زيد أحمد بن سهل البلخي

يؤرخ البلخي للثقافة الموسوعية الرصينة في تاريخ العقل الإسلامي، فهو أحد أعلام القرن الثالث الهجري، حيث قضى في رحابه الجانب الأكبر من عمره المديد، فقد وُلد عام 235ﻫ وترك دنيا الناس على الأرجح عام 322ﻫ واستطاع أن يكون مرآة عصره، وهو عصر ازدهار ونهضة في أغلب مناحي المعرفة الإسلامية، كما استطاع أن يسبق عصره بأكثر من ألف عام لتصبح مؤلفاته ليست مجرد إرهاص لعلم الصحة النفسية، ولكنها إسهام حقيقي يصعب تجاوزه، وإن أمكن تطويره والإضافة إليه.

 لقد كان البلخي “سيد أهل المشرق في أنواع الحكمة” على حدّ تعبير “أبي حيان التوحيدي” وكان مؤسسًا لعلم “حفظ الصحة”؛ بالمعنى الواسع الذي يحقق مقاصد الشريعة الإسلامية في حفظ النفس، والبلخي بمؤلفه “مصالح الأبدان والأنفس” يسجل حضورًا لافتًا يتحدى القرون، وقد وصف محمد هيثم الخياط، هذا المصنف بقوله: “هذا كتاب عظيم، وأول شواهد عظمته أن القرون الطويلة التي تفصله أو تفصلنا عنه، لم تغترب به عنا، لا مادة ولا لغة”.

ويقول محمد المصري محقق الكتاب: “إن كتاب “مصالح الأبدان والأنفس” يُعدّ واحدًا من أهم مفردات المنجز الحضاري الإسلامي في مجال الطب عامة، وحفظ الصحة البدنية النفسية خاصة، وتَلمَحُ هذه الأهمية، خاصة وعامة، من وجوه لعل أظهرها بُكورته الزمنية؛ إذ أن مؤلفه معدود في رجال القرن الثالث الهجري، فالكتاب، إذن، من المصنفات الأول في ذاته. وإلى بكورته الزمنية فإنه يُعد أول كتاب طبي متخصص يُفرِد موضوعات حفظ الصحة أو ما يسمى اليوم “الطب الوقائي” ويخرجها من عباءة الطب بالمفهوم العام.

وإلى البكُورة الزمنية والتخصّص، هناك مزيتان أخريان تتمثل في أنه أول كتاب في تراثنا الطبي يربط بين صحة البدن والنفس من ناحية، ويخرج بحث الصحة النفسية كذلك من عباءة الدراسات الاجتماعية عامة، والفلسفية خاصة، ويدخلها في دائرة علم الطب”.

ويبدو المؤلف، الذي لم يشتغل بالطب، وكأنه سبر أغواره، وعاش تجاربه، وعالج معضلاته، ولا أدري هل دخل “البلخي” إلى عالم المقاصد الشرعية من باب العلم الطبي، وهو “الصحة البيئية” وشروط المسكن الصحي، وسلامة الماء والهواء، أم أنه دخل إليه من باب العلم الشرعي الذي يجعل “أفعال المكلَّفين” كلها تحكمها قاعدة اجتذاب المنافع واجتناب المضار في النفس والبدن على السواء؟ ويكفيه عندي أنه يرى ذلك من اختصاص العقل الإنساني، أو كما يقول «البلخي» نفسه: “إن الله خصَّ الإنسان بقوة التمييز، ليعرف النافع فيجلبه، والضار فيجتنبه، ليكون ذلك سببًا في صلاح معاشه ومعاده، وذريعة إلى إحراز خير عاجله وآجله”.

وحفظ الصحة هو عند البلخي جزء من حفظ النفس التي تشمل الإنسان والكائنات الأخرى، آلة ذلك التعهد والاستصلاح، و”إنما يتهيأ تعهد الأبدان لشيئين: أحدهما؛ حفظ الصحة عليها إذا كانت موجودة، والآخر إعادتها إليها إذا فقدت” أليست العبارة إرهاصًا لنظرية “الحفظ” عند الإمام “الشاطبي” من جانبيّ الوجود والعدم.

والكتاب في قسمين أحدهما في تدبير مصالح الأبدان، والثاني في تدبير مصالح الأنفس، وقوام عمله بحث في المقاصد من زاوية المصالح والمفاسد، وإقامة لنظرية الحفظ حرصًا على الوجود ومنعًا من العدم، والمقاصد فيه مادية معنوية في آنٍ معًا.

فالقسمُ الأول يتضمن أربعة عشر بابًا منها أبواب تركّز على صحة البدن، ومنها ما يتحدث عن مقاصد تدبير السكن، والمياه، والأهوية، ومنها ما يتحدث عن تدبير المطاعم، وتدبير المشارب، وتدبير المشمومات، وتدبير النوم، وتدبير الباه؛ أي الجِماع وتدبير الاستحمام، وتدبير الحركات الرياضية، وتدبير السماع، وتدبير إعادة الصحة والعلاج.

إن نظرية الحفظ هنا تتناول قوى الإنسان الجسمية بحاجته إلى غذاء وكساء ونوم ونظافة، وعلاج قواه النفسية وما تفرضه من ألوان الرياضة وممارسة أنواع من الفنون، وهذا كله من مقومات صحته العقلية.

والقسم الثاني من الكتاب يتناول مصالح الأنفس في ثمانية أبواب يتقدمها الإخبار عن مبلغ الحاجة إلى تدبير مصالح الأنفس، وغايته العلم بطبائع الإنسان “فإذا عرف الإنسان طبيعته ومنتهى قوتها ومبلغ استقلالها بالأمور، بَنَى على حَسَب ذلك تدبيره في مطالبه ومقاصدِه.

ويمكن أن يقال الكثير عن التفكير المقاصدي عند “أبي زيد البلخي”، وعن تأثيره في تلاميذه من علماء المقاصد وفي مقدمتهم “أبي الحسن العامري” وخاصة في كتابه “الإعلام بمناقب الإسلام”، إلا أن أغلب مؤلفات “البلخي” لم يبق منها إلا العناوين، وهي تتناول علومًا شتى، مما يؤكد مشاركة البلخي الهامة في منظومة العلوم الإسلامية كلامية وأصولية وفقهية وفلسفية ولغوية وسياسية وأخلاقية، وأدبية وتاريخية، والأقرب إلى الصواب أن دراساته كانت متميزة بالعمق والمنهجية؛ لأنهما سمة كتابه “مصالح الأنفس والأبدان”، ولا شك لدينا في أن كتابه المفقود “الإبانة عن علل الديانة”؛ هو في بيان وجوه الحكمة في الأوامر والنواهي الشرعية، وإذ نتطلع بفارغ الصبر إلى هذا الكتاب لنراه في عِداد تراثنا الموجود لا المفقود، فحسب البلخي إثراءه عالم المقاصد بمنهجية تعتمد التعليل وقواعد المصالح والمفاسد، والمنافع والمضار، في الفهم المقاصدي للعلوم الإسلامية والاجتماعية والطبيعية، مع الانتقال بها من التجريد الذي يتّصِف بالعمومية، إلى التطبيق الذي يحدد الضوابط ويَحكُم التفاصيل والجزئيات، وإلى تفعيلٍ للمقاصد في القرن الثالث الهجري سبق به أهل زماننا باستشراف، في التنظير والتنزيل، يتحدَّى القرون التالية.

ثالثا: المقاصد في القرن الرابع الهجري

ـ القفال الشاشي الكبير

حَفِظ لنا القرن الرابع ثروة مقاصدية مدونة تجعلنا أمام مؤَّلفٍ مقاصدي من أوله إلى آخره، يؤرخ لبداية التصنيف في المقاصد الجزئية أو حِكَم التشريع، وُلد مؤلفه “القفال الشاشي” في العقد الأخير من القرن الثالث، وتوفي سنة 365ﻫ، وهو عالم ما وراء النهر، وشيخ الشافعية في عصره، قال عنه “الحليمي”، وهو من أنبغ تلاميذه ومن المتأثرين بمنهجه المقاصدي، “شيخنا القفال” أعلم من لقيت من علماء عصره، ويعتبر “محاسن الشريعة” لـ”القفال الشاشي الكبير” أهم المؤلفات التي تركها القرن الرابع في فقه المقاصد، قال عنه “جمال الدين الإسنوي” في مقدمة كتابه «المهمات» وكتاب “محاسن الشريعة” للـ”قفال الشاشي” كتاب عظيم جليل المقدار مشتمل على معان غريبة، وحكم لطيفة، ومسائل مهمة، وهو قليل الوجود ومنه نسخة في ثلاثة مجلدات لطاف موقوفة بالمدرسة الفاضلية في القاهرة، والقفال الشاشي من خلال منهجيته في المقاصد والقواعد أثر فيمن بعده فكان تلميذه الحليمي في كتابه “شُعَب الإيمان” مصدرًا رئيسيًا للإمام العز بن عبد السلام في كتابه “قواعد الأحكام”، وقد أثنى العلماء على كتابه “محاسن الشريعة”، وأخذ عنه “القاضي حسين” الكثير من معانيه في كتابه “أسرار الفقه” على ما ذكره “الإسنوي”، وقال إنه قليل الوجود ظَفَرت بنسخة منه، وقد حاول القفال الشاشي في كتابه “محاسن الشريعة” بيان ما انطوت عليه الشريعة من معان مستحقة، وإليها قريبة وبها لاحقة.

وكتاب الشريعة «للقفال» له مهمتان: الأولى؛ الدفاع عن الإسلام ونَسَقِه العقلي في مواجهة الفرق الباطنية. والثانية؛ إبراز معاني الشريعة لعموم أهل الإسلام الذين يعتقدون صحة ما ترد به الشرائع وإن جهلوا وجهها بالعقل بالمعنى الخاص بهم، إلا أنهم يربطونه بالمعنى العام الذي هو المصلحة من المُتّعَبَدَّ الذي تقدست حكمته، وأيًا كان خفاء المعنى في حُكمِ الله فإنه معلول بالعلة العامة التي هي المصلحة.

وأولُ ما يلاحظُه القارئ لمنهج القفال الشاشي، هو اعتداله المذهبي، فهو شافعي المذهب، وكتابه بُني على أصول مذهبه في الجملة، وهذا لا يمنعه من القول: “إن عَرَضَ في خلال اقتصاص الأحكام بعض غيره؛ (أي غير المذهب الشافعي) ذكرناه ونبهنا على حُسنِه وجوازه في العقول”.

وثاني ما يلاحظه القارئ: “تَفرقة القفال الشاشي في التعليل بين العبادات والمعاملات، في العبادات يكفي بيان أن الله تعالى أنه تعَّبدهم باستصلاحهم بالشرائع، وهذا يكفي لمن آمن ولا حاجة وراء هذا إلى علل تطلب خاصة للعبادات في أنفسها إلا على سبيل التعنت والمعاندة” وعلى الرغم من تفرقة القفال الشاشي بين العادات والعبادات إلا أن هذا لم يمنعه من البحث عن المقاصد الجزئية في كليهما، وإن اتسعت وجوه الحكمة الواقعة في السياسة موقع العادات، لأن المقصد من كتاب “محاسن الشريعة” هو “تقريب الشرائع من العقول في قبولها وجوازها من السائس الحكيم” وثالث ما يلاحظه القارئ: “أن التعليل عنده مفتوح والحكمة التي يراها ليست على سبيل الحصر، فهو يربطها بالعقل والعادة. وعلى سبيل المثال يذيل ما كتبه في أسرار طهارة الوضوء والغسل بقوله «وليس في شيء من هذه الأقوال ما يخالف عقلاً أو عادةً، بل كل فيها جائز غير مستحيل من الحكم للمستفيد بما شاء من وجوهه”.

ويقول، بعد أن يعلل الإيلاء والطهارة وغيرها، “ومما تقبله العقول ويبدو حسنه ووقوعه موقع الصلاح إنصاف المظلوم من الظالم واستخراج حقه منه”.

ورابع ما يلاحظه القارئ: أن المقاصد الجزئية باعتبارها وجوهًا للحكم لا تتعلق بها الأحكام فتدور معها وجودًا وعدمًا كما يظن بعض المعاصرين، فما يُستنبَطُ هنا من الحكَمِ الجزئية لا يعني على حد تعبير القفال الشاشي أكثر من جوازه في العقول واحتمال فيها مع احتمال غيره، ولكن الشرع إذا ورد بشيء من ذلك التزمنا به، طاعة للشارع، لعلمنا أنه جل وعز علم الصلاح لنا في السياسة به، فليس يلزمنا تعليق الأحكام بالمعاني التي يلزمنا إجراؤها، كإجراء العلل في المعلومات في الأحكام القياسية، وإنما يلزمنا أن نرى للحِكَمِ مجالات في أقسام تجويز العقول.

ومجمل القول: أن “القفال الشاشي” اختط للمقاصد الجزئية طريقًا عقليًا لا يتعدى الشرع ولا يعتدي على النصوص، وليس في كتابه مما يُعد أثرًا اعتزاليًا وقد تميز كتابه، كما يقول أحمد الريسوني، بتعليل الأحكام الفقهية من أول الكتاب إلى آخره، لا يستثنى في ذلك عبادة ولا معاملة… وعلى كل حال هذا إمام، سواء اختلف معه الناس أم اتفقوا، فهو إمام من أئمة الفقه المعتبرين، وكتابه من أهم الكتب القديمة في ذكر مقاصد الشريعة وتعليل الأحكام الجزئية والتفصيلية، من طهارة وصلاة وصوم إلى البيوع إلى بقية الأبواب الفقهية التي ختمها بالجنايات وبالقضاء والشهادات.

وقد شهد القرن الرابع حركة مقاصدية خلَّفت تراثًا منه المفقود مثل كتاب “الإبانة عن علل الديانة” لـ”أبي الحسن العامري” وفيه تعليل أحكام المعاملات الشرعية، وقد حفظ الزمن لنا منهج “العامري” في المقاصد من خلال كتابه “الإعلام بمناقب الإسلام” رغم أنه لم يتناول في الفصل السادس من الكتاب إلا أسرار العبادات، ولم يبين العامري وجهة نظره في إلحاق مقاصد العبادات بكتابه “الإعلام” ومحوره الأساسي مقارنة الأديان، ولماذا جعل كتابه الثاني في علل المعاملات؟

ويرى الدكتور صلاح الدين الناهي في كتابه “النظرية العامة في علم الخلاف والقانون الموازن” أن كتاب “الإعلام بمناقب الإسلام” تَخَطى فيه العامري “حدود علم الخلاف ما بين المذاهب الإسلامية، إلى آفاق الموازنة العامة بين الشرع الإسلامي، وبين شرائع بعض الأمم من حيث الروح وبعض المبادئ العامة دون التفاصيل الجزئية، فذكر لنا أن الدين الإسلامي متوسط بين الشدة واللين خلافًا لبعض الأديان التي بالغت في الشدة أو اللين، ولذا حرّم الإسلام الرهبنة والانفراد في الصوامع، وحمل الأنفس على الوجاء والخصاء..

وفي صدد العبادة المالية ذكر أن الزكاة تشترك فيها سائر الأديان خلا النصرانية فإنها أسست على التأله المحض، وأن الإسلام يفوق الأديان كلها في تأكيد أمر الزكاة وجعلها فريضة واجبة في الأموال الثلاثة الحيوانية والنباتية والمعدنية، أما اليهود فإنهم يرون أخذ العُشر من النبات والحيوان فقط، والمجوس يرون الحث على المواساة بثلث المال للأزواج، على هذا النحو رسم “العامري” خطة جديدة للمقارنة بين الشرائع والأديان، ولكن كتابه هذا مختصر لم يتوسع في مباحثه، ولعل المستقبل أن يكشف لنا عن جهود إسلامية أخرى في هذا المضمار بذلها المفكرون القدماء.

ويشير “المسعودي” إلى كتاب له في أصول الفقه من فصوله؛ فصل في تفصيل حكم الشرائع، وإذا اعتبرنا المسعودي من أعلام الشيعة؛ فإن كتابه يعتبر من المؤلفات المبكرة في علم أصول الفقه عند الشيعة الإمامية، وفصله عن حكم الشرائع له أهمية خاصة في تطور الفهم المذهبي للمقاصد.

أما “ابن بابويه القمي” المتوفَّى عام 381ﻫ فله في هذا المجال كتابان: الأول؛ “علل الشرائع”؛ وفيه مقاصد كلية وجزئية تُغطّي أغلب الأبواب الفقهية وتستوعب غير الفقه من المسائل الأخلاقية والعلمية. والثاني؛ “معاني الأخبار”؛ والكتاب ليس خاصًا بالمقاصد في المعنى الدقيق، إلا أنه بَحَثَ فيه عن أسرار الكلمات ومعاني الأخبار وحكم الأحكام، بما يكشف عن اهتمام مقاصدي لافت يملأ القرن الرابع الهجري، ويكشف أيضًا عن تفكير مقاصدي في المذهب الإمامي يخالف المشهور عن فقهائه، خاصة وهم يرفضون القياس، ويتحرجون من التعليل.

وفي سياق هذا القرن يحتل الفقيه الإباضي “ابن بَركَة” أهمية خاصة لما في مؤلفاته من منحى مقاصدي لافت، ولتقسيماته المبتكرة للمقاصد، ويستطيع القارئ المتأني لأهم كتبه، “الجامع”، و”التعارف”، و”المبتدأ”، صياغة رؤية مقاصدية ترتفع بصاحبها إلى طبقة رواد المقاصد في القرن الرابع الهجري، وهذا أمر طبيعي؛ لأن الإباضية، كما يقول “مصطفى باجو” في كتاب “منهج الاجتهاد عند الإباضية”، قد عنوا كسائر أهل القياس القائلين بتعليل الأحكام، ببيان مقصد الشارع من التكليف في الجملة، وفي تفاصيل العبادات والمعاملات، وسعوا لضبط هذه المقاصد وترتيبها للموازنة بينها عند التعارض، وهذا من أهم مجالات الاجتهاد.. لكن اهتمام علماء الأصول من الإباضية قد اقتصر على التطرق الموجز لهذا الموضوع في سياق كُتبهم الأصولية.. دون أن يفردوه بالتصنيف حتى في العصور المتأخرة.

رابعا: المقاصد في القرن الخامس الهجري

يَصعُب على الباحث، في دراسة عجلى، استيفاء البحث عن المقاصد وتطورها في القرن الخامس الهجري، والتوقف أمام بعض أعلام هذا القرن، ينبغي أن يفهم في سياق التاريخ الفكري للمقاصد، الذي لا يقيدها في مذهب، ولا يغلقها على اتجاه.

ـ إمام الحرمين الجويني

رغم أهمية إمام الحرمين في التنظير المقاصدي، فإن النقلة النوعية التي شهدتها المقاصد الشرعية في القرن الخامس، لا يمكن نسبتها إلى الجويني وحده، خاصة وأن عصره شهد أوج الازدهار الفقهي، وحِدَّة الصراع المذهبي، وتوثب العقول المتحاورة في بيئة كَثُرَت فيها المناظرات واحتدم فيها الجدل في كل المجالات، وفي هذا العصر وُجد “الجويني” و”الماوردي” و”القاضي حسين” من الشافعية، وله كتاب مفقود في “أسرار الفقه” عرفنا به “جمال الدين الإسنوي” في القرن الثامن، وأشار إلى أهميته وغرائب مادته وندرة وجوده، وينبغي ألا ننسى القاضي “عبد الجبار”، و”الفرَّاء”، وقبلهما شيخ “الجويني” “الباقلاني” المالكي المذهب.

و”الجويني” هو صاحب التلخيص المتميز لإرشاد الباقلاني، والناقل لكثير من أفكاره في “غياث الأمم” وأُرجح ما أشار إليه “أحمد الريسوني” و”محمد عبده” إلى أثر “الباقلاني” المباشر على هذا الكتاب لأمرين: الأول؛ استيعاب «الجويني» لتراث «الباقلاني» ومن بينه «كشف الأسرار». الثاني؛ أن «غياث الأمم» كتاب استوى على سُوقه، ولابد له من مقدمات وممهدات في المنهج والأدوات والمضمون، وأقرب طريق إلى ذلك أن الجويني باعتباره مرحلة استيعاب وتتميم وانطلاق تجد أصولها في أعمال الباقلاني وخاصة كتابه “كشف الأسرار”.

إلا أن الجويني كان أكثر أهل زمانه اهتمامًا بتجلية المقاصد وتصنيفها وتفصيل قواعدها في نسقٍ يضم الأصول والفروع، ولم يعد كتاب “البرهان” في نظرنا الكتاب المقاصدي الأهم في تراث الجويني، فأهمية كتاب “غياث الأمم” تأتي من نماذجه المقاصدية التي تَجمع القاعدة وتطبيقاتها، وتعالج المقاصد في إطار مقاصدي سياسي له قيمته العليا الحاكمة، وبعد نشر المؤلف الكبير والعظيم للإمام الجويني “نهاية المطلب”، أصبح لواء ريادة التأسيس المقاصدي في القرن الخامس معقودًا للإمام الجويني دون مُنافسٍ، وقد أعدت أطروحات عن مقاصد الشريعة عند الإمام الجويني، مسبوقة بإشارات من “عبد العظيم الديب” في رسالته عن الجويني فقيهًا، وبدراسات لـ”أحمد الريسوني” وغيره.

والرأي عندي أن الإسهام المقاصدي عند الإمام الجويني ليس في تقسيماته لمراتب المقاصد والتي يشاركه في التأسيس لها “ابن بركة” الإباضي، بل وسبقه إليها “أبو الحسن العامري” وبصورة أدق، كما يرى الريسوني، في كتابه الإعلام بمناقب الإسلام، بل ربما يكون العامري استوفى موضوعه في كتابه المفقود “الإبانة عن علل الديانة”، إلا أن الإمام الجويني يبقى رائدًا في التنظير المقاصدي وضبط مصطلحاته، وفي التوظيف المقاصدي ووضع قواعده، وفي التنزيل المقاصدي ورسم خطوطه العريضة، إضافة إلى تحديد مجالاته، وبهذا يصح عندنا ما قاله، العلامة الريسوني، بأن “الفكر المقاصدي يبلغ أقصى مداه عند إمام الحرمين إمام الفكر المقاصدي فهو يحدد مقاصده في تآليفه، ويحدد مقاصده في مسائله ومباحثه، ويرسم أهدافه ومراميه، ثم يمضي في ضوء ذلك وعلى هداه”.

ولم يكن أمام اللاحقين إلا السير في هذا الطريق الممهد وهذا النهج المعبد، وبدا التفكير المقاصدي في القرن الخامس متوهجًا ينتظر من يحمله إلى قاعات الدرس، ومن يُفرد كلياته بالتصنيف، ومن يجعل حياته ساحة للتأليف المقاصدي العميق. بعد أن حسم الجويني أمره، وأحكم منهجه، وأعلن أن “من لم يتفطن لوقوع المقاصد في الأوامر والنواهي فليس على بصيرة في وضع الشريعة”.

خامسا: المقاصد في القرنين السادس والسابع للهجرة

في التأريخ للمقاصد وتطورها لا ينبغي الارتباط بعلم، أو التحلق حول كتاب، أو الاحتكام إلى مذهب، إن الوعي المقاصدي العميق يتأبى على الالتصاق الجزئي الذي قد يغرقنا في الدلالة الحرفية للنص، ويبتعد بنا كثيرًا عن معانيه، إن المنهج المقاصدي يُعلي من الكليات في مواجهة التفاصيل، ولكنه لا يستعلي على الجزئيات التي يلدها النص القطعي، المقاصد هنا تتقيد بالدليل، وتتمدد بقدر حاجة التنزيل. وقد شهد القرن الخامس والقرون التالية، ربما إلى القرن التاسع، موجات “تقعيد” ينبغي رصدها، واتجاهات “تقصيد” تنوعت مساراتها، وأصبح التأريخ للمقاصد ممكنًا وعسيرًا في آن معًا، ذلك لأن الواقع أفرز من التيارات ما جعل اجتهاد العقل الفقهي لازمًا، وحذر الفقيه مُبررًا، وفي هذا السياق نقرأ إسهامات “الغزالي”، و”العز بن عبد السلام”، و”القرافي”، و”الشاطبي”، وأيضًا “ابن خلدون”، و”ابن تيمية”، و”ابن قيم الجوزية”.

أ. حُجّة الإسلام الغزالي

إذا نظرنا إلى “الغزالي” في سياق إنتاجه المتنوع، ومجالاته المعرفية الواسعة، فإنه يبدو عَصيًا على التحليل، بل ربما رأيناه “مجمعًا للنقائض” فهو عقلي في نظراته الفقهية، نقلي في موقفه من الفلسفة وعلم الكلام، وهو مجدد وثائر في علم الأصول، مقلد وساكن في فلسفته السياسية، وقل ما شئت عن أزمته الروحية، ومعاركه الفكرية، وهنا تأتي المقاصد الشرعية عند الإمام الغزالي لتجمع ما تفرق، وتحدد زاوية الرؤية المنهجية التي يقرأ بها التراث الغزالي الضخم بعيدًا عن التناقض المزعوم والتقليد الموهوم.

 صحيح أن الغزالي يمتلك أسلحة هجومية يبدو مَشُوقًا إلى استخدامها، وجرأة في إعلان مواقفه النقدية الصارمة التي بُنيت على ثقافة واسعة، ومعرفة دقيقة، ويتحدث الغزالي عن ذلك في سنواته الأخيرة، من خلال قصة نفسٍ وعقل انطوت عليها رحلته في “المنقذ من الضلال” يقول حجة الإسلام: “ولم أزل في عنفوان شبابي منذ راهقت البلوغ قبل بلوغ العشرين، إلى الآن، وقد أناف السن على الخمسين، أقتحم هذا البحر العميق وأخوض غمراته، خوض الجسور، لا خوض الجبان الحذور، وأتوغل في كل مُظلمة، وأتهجم على كل مشكلة، وأتقحم كل ورطة، وأتفحص عن عقيدة كل فرقة، وأستكشف أسرار كل طائفة، لأميز بين محق ومُبطلٍ، ومُستن ومُبتدعٍ…

لا أغادر باطنيًا إلا وأحب الإطلاع على بَطَانته. ولا ظاهريًا إلا وأريد أعلم حاصل ظَهارَته. ولا فلسفيًا إلا وأقصد الوقوف على كنه فلسفته. ولا متكلمًا إلا وأجتهد في الاطلاع على غاية كلامه ومجادلته. ولا صوفيًا إلا وأحرص على العثور على صوفيته. ولا متعبدًا إلا وأترصد ما يرجع إلى حاصل عبادته. ولا زنديقًا معطلاً إلا وأتحسس وراءه، للتنبيه لأسباب جرأته في تعطيله وزندقته.

هذا هو «الغزالي»، وإن شئت فقل – كما قال العلامة «محمد مصطفى المراغي: “إنه يخطر بالبال رجل هو دائرة معارف عصره، رجل متعطش إلى معرفة كل شيء، نهم إلى جميع فروع المعرفة”.

وصلة الإمام “الغزالي” بالمقاصد لا يستوعبها إضافة تقسيم، أو ابتكار تعريف، بل إنه جهد المؤسّس لمنهج ينسب إليه، وطريق لا يعرف عند سواه، فمن زاوية التأسيس يعلن «الغزالي» أن أدلة الأحكام أربعة هي الكتاب، والسُّنَّة، والإجماع، ودليل العقل، وهذه قفزة نوعية ليس في مجال ترتيب الأدلة الشرعية فحسب، وإنما في تحرير النزاع حول مكانة العقل في البناء الأصولي من مفكر يقود المدرسة الأشعرية، أما من زاوية الطريقة فالمعنى عنده قبل الحرف، يقول الغزالي: “اعلم أن كل من طلب المعاني من الألفاظ ضاع وهلك، وكان كمن استدبر المغرب وهو يطلبه، ومن قرر المعاني أولاً في عقله، ثم أتبع المعاني الألفاظ، فقد اهتدى”، والعقل عنده لا يضاد النقل ولا يحاربه؛ لأن أشرف العلوم عنده ما ازدوج فيه العقل والسمع، واصطحب فيه الرأي والشرع، “فقد تناطق قاضي العقل، وهو الحاكم الذي لا يعزل، وشاهد الشرع، وهو الشاهد المزكى المعدّل.. والعقل أشرف الأشياء؛ لأنه مركب الديانة، وحاصل الأمانة”؛ فالعقل والشرع عند الغزالي يتعاضدان على إدراك الحق ولا يمكن أن يكذب أحدهما الآخر والمكتفي بأحدهما عن الآخر، “إما جاهل وإما مغرور، فالمكتفي بالشرع عن العقل جاهل، والمكتفي بالعقل عن الشرع مغرور”.

ومَدخلُنا إلى المقاصد عند “الغزالي” من ثلاثية تكون المفهوم المقاصدي، من وجهة نظرنا، وهي التعليل، والمصلحة، ومآلات الأفعال، وهذه العناصر الثلاثة تتحرك في تراث الغزالي الأصولي كله، وهو يتجاوز سبعة مؤلفات، لا تتعارض فيها المصطلحات الثلاثة، ولا تخطئها عين الراصد، وخبرة المدقق، يقول الغزالي في تعليل مجمل أحكام الشريعة: “عرفنا من أدلة الشرع أن الله تعالى ببعثه الرسل وتمهيد بساط الشرع، أراد صلاح أمر الخلق في دينهم ودنياهم”، والتعليل عند الإمام الغزالي لا يفرق، عند التحقيق، بين العبادات والمعاملات؛ لأنه يعتمد المقدمات العقلية..

 يقول الغزالي: “إذا ورد حكم احتمل أن يقال: إنه معلل بسبب خفي يستأثر بدركه الشارع… ولا يطلع عليه، والآخر أن يقال: إنه معلل بالمعنى المناسب فلا يتحقق العجز، فيغلب على الظن أنه اتبع المعنى الذي ظهر” هذا ما يقوله الغزالي في “شفاء العليل”، وهو على إيجازه دقيق، إلا أن الإمام الغزالي، حرصًا على التعليل المقاصدي، يعود إليه شارحًا في “إحياء علوم الدين” عندما يقسم واجبات الشرع إلى ثلاثة أقسام.

القسم الأول؛ ما كان تعبدًا محضًا، لا مدخل للحظوظ والأغراض فيه، وذلك كرمي الجمرات؛ إذ لا حَظَّ للجمرة في وصول الحصى إليها، فمقصود الشرع فيه الابتلاء بالعمل، ليظهر العبد عبوديته بفعل ما لا يعقل له معنى، لأن ما يعقل معناه فقد يساعده الطبع عليه، ويدعوه إليه، فلا يظهر به خلوص العبودية؛ إذ العبودية تظهر بأن تكون الحركة لحق أمر المعبود فقط لا لمعنى آخر، وأكثر أعمال الحج كذلك.

القسم الثاني؛ المقصود منه حَظ معقول، ولا يقصد منه التعبد، كقضاء دَين الآدميين، ورد المغصوب، فلا يعتبر فيه قصدونيته، ومتى وصل الحق إلى مستحقه بأخذ الحق، أو ببدلٍ عند رِضاه، تأدى الواجب، وسقط خطاب الشارع.

القسم الثالث؛ هو المركب الذي يقصد منه الأمران جميعًا، وهو حظ العباد، وامتحان المكلَّف بالاستعباد، والزكاة من هذا القبيل، فحظ الفقير مقصود في سَد الخلة، وهو جلي سابق إلى الأفهام، وحق التعبد في اتباع التفاصيل مقصود الشرع، وباعتباره صارت الزكاة قرينة للزكاة والحج في كونها من مبادئ الإسلام.

والغزالي، هنا، يعمم مقاصد الشارع حيث لا يخلو منها حُكم من الأحكام الشرعية، بل إن التعليل عنده يصح بالعلة القاصرة، وكان الإمام الغزالي على وعيٍ بمخاطر انتصاره للتعليل في بيئة أشعرية ينتمي إليها ويتقدم الصفوف فيها، فبادر إلى تفسير موقفه قائلاً: “ونحن وإن قلنا إن لله أن يفعل ما يشاء بعباده، وأنه لا يجب عليه رعاية الصلاح، فلا ننكر إشارة العقول إلى جهة المصالح والمفاسد، وتحذيرها المهالك، وترغيبها في جلب المنافع والمقاصد، ولا ننكر أن الرسل عليهم السلام بعثوا لمصالح الخلق في الدين والدنيا رحمة من الله على الخَلق وفضلا، لا حتمًا وواجبًا عليه”.

ولم يسلم الإمام “الغزالي” رغم هذا التفسير من اتهام “الرازي” و”السبكي” له بالقول بالعلة المؤثرة، وهو اتهام حرص الغزالي على نفيه وإثبات عكسه بقوله: “والله تعالى منزه عن التأثر بالأغراض، والتّغير بالدواعي والصوارف، ولكنها شرعت لمصالح الخلق، نعقل ذلك من الشرع لا العقل، كي لا يظن بنا استمدادنا في هذه التصرفات من معتقدات أهل الضلال، وطبقات الاعتزال”.

والرأي عندي: أن التعليل بالمصالح لا يوجب شيئًا على الله؛ فكما قال الإمام الغزالي بحق: “العلل الشرعية أمارات، والمناسب المخيل لا يوجب الحكم بذاته، ولكنه يصير موجبًا بإيجاب الشرع ونصبه إياه سببًا له، وتأثير الأسباب في اقتضاء الأحكام عُرِف شرعًا”.

والتعليل بالعلة القاصرة لا يقصد به جريان القياس على أساسها، بل هي طريق إلى استنباط الحكمة، وهو ما التفت إليه صاحب “مُسلّم الثبوت” من الأحناف بقوله: “الخلاف؛ (أي بين الجمهور والأحناف) حول العلة القاصرة، لفظي، لأن التعليل هو القياس باصطلاح الحنفية، والعلة القاصرة إبداء حِكمةٍ، وليست قياسًا، فلم تكن تعليلاً”.

إن مساهمة الإمام “الغزالي” في التأسيس المقاصدي كبيرة، بدءًا من تعريف أصبح تقليدًا في العلم يصعب تجاوزه، ومادة حوار سال من أجلها مِداد كثير، وتدور نظرية المقاصد عند الغزالي حول معنى الحفظ وهو معنى مقاصدي أصيل يحسن استيعابه وتدارسه والبناء عليه، يقول الغزالي: “نعني بالمصلحة المحافظة على مقصود الشرع، ومقصود الشرع من الخلق خمسة وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم وما لهم.. فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة”.

والمصلحة هنا ليست هي المناسب المرسل الذي يختلف الأصوليون في كونه دليلاً، بل هي مقصد الشارع الذي يجد حجيته العقلية في “القطع”، وحجيته النقلية في مجمل “نصوص الشرع”، ولعل هذا التحليل يدفعنا إلى الفصل بين المقاصد التي يعليها الدليل، والمقاصد التي يستدعيها التكميل، فالمقاصد التي يوجبها الشرع ويقتضيها العقل تتعلق بالضروري الذي إذا اختل حفظه ضاعت مصالح الدين والدنيا، والضرورات خمس هي الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال، وقد يُناقَش الإمام الغزالي في هذا الحصر بين الحذف والإضافة، ولكن نظرية الحفظ المقاصدي ترتبط عضويًا برتبة الضروري باعتبار قوتها وأيضًا باعتبار هيمنتها، فهي نظام وأحكام، نظام يستحيل المنازعة في كلياته وموجباته، وأحكام تستجيب تفاصيلها “للتقصيد” الجزئي الذي هو بطبيعته ظني، أبواب مراجعته مفتوحة، ولكن مرجعيته في النسق الكلي ثابتة وقطعية. وهو ما عبّر عنه الإمام “الغزالي” بقوله: “تحريم تفويت هذه الأصول الخمسة، والزجر عنها يستحيل أن لا تشتمل عليه ملّة من الملل وشريعة من الشرائع أريد بها إصلاح الخلق”.

والرأيُ عندي: أن مقاصد الشريعة تستقل بها الضرورات، وليس لها “تراتبية” في مستوى التقصيد والتجريد، بل هي “تراتبية” في التنزيل والتحديد عندما يعترضها الواقع بمكوناته المتحركة، والتي يمتزج فيها المعلوم والمجهول، وتصبح آليات الترجيح عينها على الوقائع التي ينظر إلى مآلاتها عند معرفة مقاصد الشارع، فقد يفطر الصائم في رمضان لإنقاذ غريق، ويعلن المكره ألفاظ الكفر حفظًا للنفس من الهلاك، وتتراجع قيمة النفس أمام عدو مهاجم، أو حاكم جائر لا يردعه عن غيه إلا مقاوم، وتتقدم المقاصد وتتأخر في الترتيب وفق “ظرفية” ما هو كائن لا ما ينبغي أن يكون. ويُعرفُ ذلك باستقراء يعتمده الإمام “الغزالي” ويستدعيه مسلكًا لإثبات المقاصد؛ لأن فيه “التفاتًا إلى مصلحة علم بالضرورة كونها مقصود الشرع، لا بدليل واحدٍ وأصل مُعينٍ، بل بأدلة خارجة عن الحصر”.

وهكذا يصبح حفظ الكليات الخمس أو المصالح الضرورية هي جوهر نظرية المقاصد في تراث الإمام “الغزالي” الكلامي والأصولي والفقهي، وهو حفظ لا يقبل المعارضة والرد لأنه “قد علم، كما يقول «الغزالي»، على القطع أن حفظ النفس والعقل والبضع والمال مقصود في الشرع» وهو حفظ ضروري لصيانة الكلية الأولى وهي «الدين» الذي يستوعب الإسلام والمسلمين» وقد عرفنا ذلك، بصياغة الغزالي، لا بنص واحد، بل بتفاريق أحكام واقتران دلالات لم يبق معها شك في أن حفظ خطة الإسلام ورقاب المسلمين، أهم مقاصد الشرع من حفظ شخص معين في ساعة أو نهار”. والشخص هنا إنسانية ممتدة يتسع مفهومها للنفس والعقل والنسل والمال، فأصل شجرة المقاصد الشرعية حفظ الدين وثمرتها وجوب كل ما يتعلق بالنفس والعقل والنسل والمال كونًا وإيجادًا، وتحريم ما يضاد ذلك إفسادًا.

ب. سلطان العلماء «العز بن عبد السلام»

سلطان العلماء عاش ما بين عام 578ﻫ حيث وُلد، ولقي ربه عام 660ﻫ، وهي رحلة مديدة في سني العمر، وهي أعمق وأطول في تاريخ الفكر، انتهت إليه رياسة الشافعية، وقصد بالفتوى من الآفاق، وأسس مدرسة فقهية لا تعرف التعصب، فكان كبار تلاميذه، وهو شيخ الشافعية، من المذهب المالكي، ومنهم “شهاب الدين القرافي”، و”ابن دقيق العيد”، وسلطان العلماء إمام في المقاصد بلا منازع، بل لعله أول من أفرد المقاصد الكلية بالتصنيف والدراسة، فكتابه “قواعد الأحكام في مصالح الأنام” كتاب في المقاصد من أوله إلى آخره، وقد ذكر “جمال الدين الإسنوي” في كتابه “المهمات” أنه هو الكتاب الدال على علو مقدار الرجل، إلا أن الإسنوي يذيل عبارته قائلاً: “وكثير منه مأخوذ من كتاب “شُعب الإيمان” للـ”حليمي”، وهي دَعوى لا يجد القارئ لكتاب الحليمي وقد نُشر منذ سنوات، دليلاً عليها اللهم باعتبار الحليمي، من رواد “التقعيد” في تاريخ الفقه.

والرأي عندي: أن الرؤية المقاصدية تبدو أوضح من غيرها في كل تراث الإمام “العز” في تفسيره، وفتاويه، وفي كتبه الأصولية والفقهية، فهو يستنبطُ بالمقاصد، ويعلل بالمقاصد، ويقضي بالمقاصد، ويأتي في المقدمة منها، كتابه “قواعد الأحكام في مصالح الأنام” وكتابه “شجرة المعارف والأحوال” وكتابه الضائع “في المصالح والمفاسد”، ويبدو أن هذا الكتاب الأخير قد استوعبت فصوله مقاصد الشرع على التفصيل، من خلال رؤية نقدية وهو ما أشار إليه سلطان العلماء بقوله: “هذا ما حضر من مقاصد الشرع على الإجمال، وأما تفصيل مقاصده في كل باب، سأذكره، إن شاء الله تعالى، في كتاب آخر، لأبيّن فيه أقرب العلماء إلى مراعاة الشرع”، وكتاب “المصالح والمفاسد” كان معروفًا لدى فقهاء القرن التاسع، فقد قام الإمام “ابن مرزوق الحفيد” (توفي 842ﻫ) بتدريسه لطلابه كما أشار صاحب «نيل الابتهاج».

قواعد الأحكام ونظرية المقاصد

لا نعدو الحقيقة إذا قلنا إن مصالح الأنام في عنوان كتاب “العز” ليست إلا مرادفًا لمصطلح المقاصد، وسلطان العلماء حريص على بيان ما يستهدفه من الكتاب، يقول في مقدمة كتابه “الغرض بوضع هذا الكتاب بيان مصالح الطاعات والمعاملات، وسائر التصرفات ليسعى العباد في تحصيلها، وبيان مقاصد المخالفات ليسعى العباد في درئها، وبيان مصالح العبادات؛ (أي مقاصدها) ليكون العباد على خبر منها، وبيان ما يقدم من بعض المصالح على بعض، وما يُؤخر من بعض المفاسد على بعض”، والمقاصد هي الخيط الرفيع الذي يربط مادة الكتاب، رغم تشعبها وكثرة تفاصيلها وجزئياتها، ويرى عبد الرحيم أحمد الزقة، في رسالته «العز بن عبد السلام والمصالح المرسلة من خلال كتابه “قواعد الأحكام في مصالح الأنام”، “أن نقطة التماسك الأساسية في منهج هذا الكتاب، تتجلى في الوضوح النظري للأساس الأصولي الذي قام عليه، وهو نظرية “المصالح المرسلة” التي اعتبرت بمثابة محور تدور من حوله هذه الأمثلة التي تتراكم في كل اتجاه، ولكنها لا تفقد قيمتها أو هدفها، لهذه المركزية التي يعود إليها التشعب في الأمثلة”.

والرأي عندي أن المقاصد هي الفكرة المركزية، والمصلحة المرسلة تجد مكانها في التنزيل المقاصدي، وليس في التأسيس النظري، وما لم يلتفت إليه الباحث هنا أن المصالح بمعنى المقاصد وليس بمعنى المصالح المرسلة، والمقاصد هي الفكرة المركزية في النظرية التي حفظت الكتاب من التشعب في النظرية والتطبيق، وهو ما أشار إليه سلطان العلماء وهو يضع اللمسات النهائية لنظريته في الفصول الأخيرة للكتاب بقوله: “ومن يتتبع مقاصد الشرع في جلب المصالح ودرء المفاسد، حَصَل له من مجموع ذلك اعتقاد أو عرفان بأن هذه المصلحة لا يجوز إهمالها، وأن هذه المفسدة لا يجوز قربانها، وإن لم يكن فيها إجماع ولا نص ولا قياس خاص، فإن فهم نفس الشرع يوجب ذلك…” ولو تتبعنا مقاصد ما في الكتاب والسُّنَّة، لعلمنا أن الله أمر بكل خير دقه وجله، وزجر عن كل شر دقه وجله، فإن الخير يعبّر به عن جلب المصالح ودرء المفاسد، والشر يعبّر به عن جلب المفاسد ودرء المصالح».

إن منهجية المقاصد عند سلطان العلماء تأثرت بأمرين:

الأول؛ أن “العز” فقيه أشعري، وأشعريته هذه حَكَمَت بعض تعابيره ومصطلحاته، فضلاً عن أنه يتجه مباشرة للرد على مخالفيه، وهم دائمًا المعتزلة”. ويبدو سلطان العلماء، وهو من فقهاء القرن السابع، أكثر تمسكًا بالأصول الأشعرية، وعلى الرغم من موهبته في الجدل إلا أنه قلما يناقش مدرسته مناقشة نقدية.

الثاني؛ نزعته الاجتماعية التي تجعل كتابه يعج بالتفاصيل، ولكنها تفاصيل تلتئم تحت قواعد عامة وخاصة امتلأت بها صفحات الكتاب، وهنا يصبح أثر “الجويني” واضحًا على سلطان العلماء، وليس هذا بغريب، فقد كان “العز” على دراية كاملة، واستيعاب تام لفقه إمام الحرمين، ولخص كتابه الفريد “نهاية المطلب” مع مراجعة نقدية لبعض آراء الجويني واجتهاداته.

إن المنهج المقاصدي عند سلطان العلماء يرتبط بمجموعة من القواعد، هي همزة الوصل بين النظرية والتطبيق، وهي قواعد تتحرك على مجالات المقاصد، وعلى ترتيبها، وتعمل على تفعيلها في واقع اجتماعي كان يموج بتيارات فكرية، وقلق سياسي، وصراعات عسكرية تهدد كيان الأمة الإسلامية، وعلى الرغم من أن سلطان العلماء يرى العقل والشرع طريقين لإثبات كليات المقاصد، إلا أن الحكم الكامنة والمقاصد الجزئية يظل العمل بها مصدره “غلبة ظن الصدق” وليس اليقين، يقول “العز” في الباب التاسع عشر من كتابه “شجرة المعارف والأحوال” و”لو اعتبر الشرع اليقين في العبادات والمعاملات وسائر التصرفات لفاتت مصالح كثيرة خوفًا من وقوع مفاسد يسيرة، بل في بعض المصالح ما لو بني على اليقين لهلك العباد، وفسدت البلاد. والكتاب يمثل كنزًا في القواعد المقاصدية من قبيل:

ـ كل تصرف تقاعد عن تحصيل مقصوده فهو باطل؛

ـ درء المفاسد مقدم على جلب المصالح؛

ـ المصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة؛

ـ الضرر الأشد يُزال بالضرر الأخف؛

ـ يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام؛

ـ الضرورات تبيح المحظورات؛

ـ تحصيل المصالح ودرء المفاسد أولى من تعطيلها؛

ـ حفظ البعض أولى من تضييع الكل[5].

مكانة سلطان العلماء 

والرأي عندي أن سلطان العلماء يمثل نقلة نوعية في دراسة المقاصد في القرنين السادس والسابع الهجريين، خاصة إذا قارنا عمله بما حرره “محمد بن عبد الرحمن البخاري” (توفي 546ﻫ) في كتابه “محاسن الإسلام” وفيه بحث عن أسرار التشريع ومقاصده الجزئية في العقائد والعبادات والمعاملات، وهو محاولة قال عنها صاحبها أردت “أن أتفحص من محاسن الإسلام والشرائع، فأبرز ما في كل أمر مشروع من سر حسن مطبوع، على وجه يرضاه من دان بالإسلام إذا أنصف من عقله، ولم يظهر العناد من فعله وقوله».

وقد أثرت كتابات “العز” على لاحقين له، فـ”شهاب الدين القرافي” المالكي، وهو من تلاميذ العز النجباء، نراه في مؤلفاته كلها متلبسًا بمنهج شيخه في التقصيد والتقعيد، فأصبحت ثلاثيته المعروفة “الذخيرة” في الفقه، و”النفائس” في الأصول، و”الفروق” في القواعد، أصبحت هذه المؤلفات الثلاثة وغيرها من تراثه المتعدد منجمًا لقواعد مقاصدية يمتح من معين سلطان العلماء، ويترسم خطى منهجه مع سعة أفق وإحكام بنية، وتوليد أفكار، وإبداع مجالات تطبيق وتدبير، وفي هذا السياق أيضًا الذي يشير إلى التأثير المباشر لسلطان العلماء يكاد “محمد بن إبراهيم البقوري” يستنسخ في مقدمة كتابه “ترتيب الفروق” ما دبجته براعة “العز”، فقواعد المصالح والمقاصد عند “البقوري” وهي أربعة عشر قاعدة هي تضمين أمين لما أبدعه “ابن عبد السلام” في قواعد الأحكام”.

الهوامش


[1]. رواه البخاري.

[2]. المصدر نفسه.

[3]. رواه مالك في الموطأ.

[4]. رواه البخاري.

[5]. أم نائل بركاني، الاجتهاد المقاصدي عند العز بن عبد السلام، ماليزيا: دار التجديد، ط1، 2004، ص130.

Science

د. محمد كمال الدين إمام

كلية الحقوق/جامعة الإسكندرية

جمهورية مصر العربية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق