مركز ابن القطان للدراسات والأبحاث في الحديث الشريف والسيرة العطرةدراسات وأبحاث

المعنعن والمؤنن «التعريف والحكم»

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم النبيئين والمرسلين محمد بن عبد الله الأمين، وعلى آلهِ وصحبهِ أجمعين.أما بعد:

فقد أولت كتب المصطلح «المعنعن» و«المؤنن» قدرا من الاهتمام، ودار جدل حولهما، وذلك إنما يرجع إلى كون اللفظين يحتملان الاتصال كما يحتملان الانقطاع، وقد اتخذ منهما المدلسون وسيلة يتوصلون بها إلى مرادهم، يضاف إلى هذا كثرة الإرسال في الأسانيد المعنعنة. ولأهمية هذا الموضوع فقد اخترت الحديث عنهما؛ وذلك من حيث التعريف بهما لغة واصطلاحا، وبيان حكمهما ، فأقول وبالله التوفيق:

تعريف المعنعن والمؤنن  لغة واصطلاحا:

تعريف المعنعن لغة واصطلاحا:

لغة: هو اسم مفعول من «عَنْعَن»بمعنى: قال «عَنْ ، عَنْ »([1]).

واصطلاحاً: قول الراوي: فلان عن فلان من غير بيان للتحديث، أو الإخبار، أو السماع ([2]).

قال الشيخ البيقوني في منظومته البيقونية: معنعن كعن سعيد عن كرم ([3])

ولفظة «عن» ليست صريحة في ثبوت السماع؛ فقد يقولها الراوي في حالة سماعه من شيخه، وقد يقولها كذلك في حالة عدم سماعه منه.

تعريف المؤنن لغة واصطلاحا:

وأما المؤنن لغة: اسم مفعول من أنن يؤنن فهو مؤنن. ([4])بمعنى: قال«أن ، أن».

واصطلاحا: هو ما روي بلفظ «أن» ؛ كحدثنا فلان، أن فلانا قال: كذا([5]).

حكم المعنعن والمؤنن عند العلماء :

أما حكم الإسناد المعنعن فقد اختلف العلماء فيه على مذاهب:

المذهب الأول: أنه من قبيل المنقطع حتى يتبين اتصاله، حكاه الإمام ابن الصلاح ولم يسم قائله ولفظ ما حكاه:«فلان عن فلان، عده بعض الناس من قبيل المرسل والمنقطع حتى يتبين اتصاله بغيره»([6])، وقد نقل هذا المذهب مبهما لقائله كذلك أبو محمد بن خلاد  الرامهرمزي في كتاب الفاصل له قال: «قال بعض المتأخرين من الفقهاء: كل من روى من أخبار النبي صلى الله عليه وسلم خبرا فلم يقل فيه: «سمعته»، ولا «حدثنا»، ولا «أنبأنا»، ولا «أخبرنا»، ولا لفظة توجب صحة الرواية، إما بسماع، أو غيره، مما يقوم مقامه فغير واجب أن يحكم بخبره، وإذا قال: «نا»، أو: «أنا فلان، عن فلان»، ولم يقل «نا فلان: أن فلانا حدثه»، ولا ما يقوم مقام هذا من الألفاظ، احتمل أن يكون بين فلان الذي حدثه وبين فلان الثاني رجل آخر لم يسمه، لأنه ليس بمنكر أن يقول قائل: «حدثنا عن النبي صلى الله عليه وسلم بكذا وكذا»…إلى أن قال: «لأن معنى قوله: عن إنما هو أن رد الحديث إليه، وهذا سائغ في اللغة مستعمل بين الناس، قال: وهذا هو العلة في المراسيل»([7])

المذهب الثاني: ما حكاه الإمام ابن الصلاح ‘قال: «وذكر أبو المظفر السمعاني في العنعنة أنه يشترط طول الصحبة بينهم»([8])

المذهب الثالث: أنه متصل محمول على السماع شريطة ثبوت السماع أو اللقاء في الجملة،  وهو رأي كثير من المحدثين ومنهم: الإمام البخاري وشيخه علي بن المديني وغيرهما، نقل ذلك عنهم القاضي أبو الفضل عياض وغيره([9]) فلا يحمل منه على الاتصال إلا ما كان بين متعاصرين يعلم أنهما قد التقيا من دهرهما مرة فصاعدا.قال ابن عبد البر: «وجدت أئمة الحديث أجمعوا على قبول المعنعن لا خلاف بينهم في ذلك إذا جمع شروطا ثلاثة: عدالتهم، ولقاء بعضهم لبعض مجالسة ومشاهدة وبراءتهم من التدليس»([10])

المذهب الرابع: أنه لا يشترط في الحكم بالاتصال في الإسناد المعنعن إلا المعاصرة فقط والسلامة من التدليس، إلا أن يعلم أنه لم يسمع، أو لم يلق المنقول عنه ولا شاهده، أو تكون سنه لا تقتضي ذلك وهذا المذهب هو الذي ارتضاه مسلم بن الحجاج رحمه الله في مقدمة صحيحه([11])

المذهب الخامس: وهو اصطلاح بعض المتأخرين قال ابن الصلاح: «وكثر في عصرنا وما قاربه بين المنتسبين إلى الحديث استعمال «عن» في الإجازة، فإذا قال أحدهم: قرأت على فلان عن فلان أو نحو ذلك، فظُنَّ به أنه رواه عنه بالإجازة ولا يخرجه ذلك من قبيل الاتصال على ما يخفى»([12])

والراجح الذي عليه العمل من هذه المذاهب  أن الإسناد المعنعن متصل محمول على السماع شريطة أمرين:

1-معاصرة الراوي لمن روى عنه مع ثبوت اللقاء.

2-البراءة من التدليس.

وقد اكتفى مسلم بالمعاصرة فحسب، ولم يشترط ثبوت اللقاء كالبخاري وقد حاول بعض العلماء تحرير محل النزاع بينهما ومنهم العلامة محمد الجديع في كتابه تحرير علوم الحديث قال: « إن الشرط المتفق عليه بين الجميع لتحقيق الاتصال: أن يكون الراوي المعنعن لم يثبت عليه في حديثه المعنعن تدليس، وأن أخذه الحديث عمن عنعن عنه مترجح .فشرط البخاري ومن وافقه: أن يكون قد عرف بينهما اللقاء ولو مرة، وشرط مسلم ومن وافقه: أن يكونا تعاصرا، فثبوت المعاصرة مع عدم التدليس مظنة للقاء الموجب للسماع فالاتصال

وما يشترط له البخاري ثبوت اللقاء مندفع عند مسلم بعد ثقة الراوي بعدم تدليسه، فهو لا يسقط واسطة بينه وبين شيخه، وألزم القائل بمذهب البخاري أن ما خشيه من مظنة عدم الاتصال في هذه الحالة، أنه وارد كذلك في حالة اشتراط ثبوت اللقاء ولو مرة، فإن مظنة عدم الاتصال واردة أيضاً، ويلزم عليه اشتراط ثبوت السماع في كل موضع عنعنة» .

إلى أن قال: وطريق البخاري أمكن وأرجح ، والمظنة التي أوردها مسلم مندفعة بشرط عدم التدليس أو ثبوت الإرسال في رواية معينة ، وهو أوفق لما يوجبه مقتضى الاتصال كشرط للحديث الصحيح »([13]).

وأما المؤنن فقد اختلف العلماء في حكمه هل هو مثل قوله: «عن فلان»، فيكون محمولا على الاتصال حتى يثبت خلافه، أو يكون قوله: «إن فلانا قال» دون قوله «عن فلان»  على قولين:

القول الأول: وهو قول الإمام أحمد بن حنبل، ويعقوب بن شيبة، وأبو بكر البرديجي، حيث فرقوا بين الصيغتين فجعلوا «عن» صيغة اتصال حتى يعلم سواه، وجعلوا «إن فلانا قال كذا» في حكم الانقطاع حتى يثبت خلافه([14]).

القول الثاني:  وهو ما ذهب إليه جمهور أهل العلم في كونهما سواء وأنه لا اعتبار للحروف والألفاظ، وممن حكى هذا القول عن الجمهور ابن عبد البر في التمهيد قال: «فجمهور أهل العلم على أن عن وأن سواء وأن الاعتبار ليس بالحروف وإنما هو باللقاء والمجالسة والسماع والمشاهدة فإذا كان سماع بعضهم من بعض صحيحا كان حديث بعضهم عن بعض أبدا بأي لفظ ورد محمولا على الاتصال حتى تتبين فيه علة الانقطاع» ([15])يعني: مع السلامة من التدليس.

وفي توجيه العلماء للقول الأول أن الأئمة الذين قالوا بهذا القول إنما اختلفوا بسبب اختلاف الصيغة وليس هو اختلاف مع ما ذهب إليه الجمهور، ذلك أن ما حكي عن الإمام أحمد من تفرقته بين «عن» و«أن» إنما هو من خلال ما قيل له في أن رجلا قال: «عروة أن عائشة قالت: يا رسول الله»، و«عن عروة عن عائشة» سواء قال: كيف هذا سواء؟ ليس هذا سواء، وإنما فرق بين اللفظين؛ لأن عروة في اللفظ الأول لم يسند ذلك إلى عائشة ولا أدرك القصة، وإلا فلو قال عروة أن عائشة قالت: قلت يارسول الله لكان ذلك متصلا؛ لأنه أسند ذلك إليها، وأما اللفظ الثاني فأسنده عروة إليها بالعنعنة فكان ذلك متصلا فما فعله أحمد، ويعقوب ابن شيبة، صواب ليس مخالفا لقول مالك ولا لقول غيره([16]).

وفي الختام أحمد الله  تعالى الذي وفقني لإتمام هذا المقال حول مبحث من أهم مباحث المصطلح وهو: « المعنعن والمؤنن »، راجية منه سبحانه وتعالى أن ينفع به، ويذخر لي أجره يوم لقائه.  وصل الله على نبينا المجتبى، وعلى آله وأصحابه أولي النهى.

 والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

********************

هوامش المقال:

([1])  المحيط في اللغة (1 /100) مادة: «عنن».

([2])  انظر في ذلك: التمهيد (1 /12)، المنهل الروي في مختصر علوم الحديث (ص: 48)، رسالة في علم أصول الحديث (ص: 46)، تيسير مصطلح الحديث (ص: 67)، وغيرها.

([3]) شرح  المنظومة البيقونية في علم المصطلح (ص: 72).

([4]) لسان العرب (13 /28).

([5]) انظر: تيسير مصطلح الحديث (ص: 68).

([6])  مقدمة ابن الصلاح (ص: 220).

([7])  المحدث الفاصل (ص: 450-451).

([8])  مقدمة ابن الصلاح (ص: 224).

([9])  مقدمة إكمال المعلم (1 /164).

([10])  التمهيد (1 /12).

([11]) مقدمة صحيح مسلم (1 /18 وما بعدها).

([12])  مقدمة ابن الصلاح (ص: 220).

([13])  تحرير علوم الحديث (1/ 177 وما بعدها).

([14]) انظر:التمهيد (1 /26)، مقدمة ابن الصلاح (ص: 221-222)، تدريب الراوي (1 /339).

([15])  التمهيد (1 /26).

([16]) انظر في ذلك: التقييد والإيضاح (ص: 69).

*******************

لائحة المراجع المعتمدة:

إكمال المعلم بفوائد مسلم. أبو الفضل عياض اليحصبي. تحقيق: يحيى إسماعيل. دار الوفاء  المنصورة. ط1/ 1419-1998.

تحرير علوم الحديث. عبد الله بن يوسف الجديع. مؤسسة الريان بيروت. ط1 /1424-2003.

تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي. عبد الرحمن السيوطي. تحقيق وتعليق: أبو معاذ طارق بن عوض. دار العاصمة. السعودية. ط1/ 1424-2003.

التقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح. عبد الرحيم بن الحسين العراقي. وبذيله المصباح على مقدمة ابن الصلاح. الشيخ محمد راغب الطباخ. دار الحديث. بيروت. ط2/ 1405-1984.

التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد. أبو عمر يوسف بن عبد البر القرطبي. تحقيق: مجموعة من الباحثين مطبوعات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغرب.

تيسير مصطلح الحديث. محمود الطحان. مركز الهدى للدراسات الإسكندرية. 1415.

رسالة في علم أصول الحديث. علي بن محمد بن علي الجرجاني. حققها وعلق عليها: عقيل بن محمد بن زيد المقطري. دار ابن حزم. ط1/ 1413- 1992.

شرح المنظومة البيقونية في علم مصطلح الحديث. محمد بن صالح العثيمين. خرج أحاديثه: فهد بن ناصر بن إبراهيم السليمان. دار الثريا الرياض. ط1 /1423-2002.

لسان العرب. محمد بن مكرم بن منظور. دار صادر – بيروت

المحدث الفاصل بين الراوي والواعي. الحسن بن عبد الرحمن الرامهرمزي. تحقيق: محمد عجاج الخطيب.دار الفكر بيروت. ط2/ 1404-1984.

المحيط في اللغة. إسماعيل ابن عباد. تحقيق: الشيخ محمد حسن آل ياسين. عالم الكتب  بيروت لبنان. ط1/ 1414- 1994.

مقدمة ابن الصلاح ومحاسن الاصطلاح. دة عائشة عبد الرحمن بنت الشاطئ. دار المعارف القاهرة. (د.ت).

المنهل الروي في مختصر علوم الحديث. بدر الدين بن جماعة. تحقيق: محيي الدين عبد الرحمن رمضان. دار الفكر لبنان.

الوسيط في علوم ومصطلح الحديث.محمد بن محمد أبو شهبة. عالم المعرفة.

*راجع المقال الباحث: يوسف أزهار

Science

دة. خديجة أبوري

  • أستاذة باحثة مؤهلة بمركز ابن القطان للدراسات والأبحاث في الحديث الشريف والسيرة العطرة بالعرائش، التابع للرابطة المحمدية للعلماء.
  • حاصلة على شهادة: الدكتوراه في الآداب شعبة الدراسات الإسلامية، وحدة المناهج العلمية في دراسة السيرة النبوية كلية الآداب والعلوم الإنسانية أكادير سنة (2012)  من خلال العنوان: مرويات السيرة النبوية في المعاجم الثلاثة لأبي القاسم الطبراني (360) – من مولد الحبيب – ﷺ حتى نهاية حادث الإسراء والمعراج – “جمع وتوثيق ودراسة”.
  • اشتغلت في مجال الوعظ والإرشاد لفائدة النساء بتنسيق مع المجلس العلمي المحلي بمدينة أكادير (سابقا).

من أعمالها العلمية:   

  • كتاب: خير البشر بخير البشر – ﷺ- لابن ظفر الصقلي (ت 567 هـ) بالاشتراك مع الباحثة لطيفة شوكري. طبع بالرابطة المحمدية للعلماء بالرباط سنة 2008 م.
  • مجموع مقالات في علم الحديث النبوي والسيرة العطرة؛ وهي منشورة بموقع المركز.
  • تحقيقات ومقالات في طور النشر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق