وحدة الإحياءدراسات محكمة

المرأة المسلمة في الغرب.. مهام وواجبات

إن الحديث عن الأسرة المسلمة في الغرب حديث متشعب ذو شجون، وليس بمقدور محاضرة أو بحث قصير أن يلامسا جوانب هذا الموضوع كلها. ولذلك سأتجنب مثلا الحديث عن مشاكل الأسرة المسلمة في الغرب لأن المخاطب قد يكون أعلم بها من المخاطِب، ثم لأن ذكر المشكلات قد لا يزيد السامع إلا غما ما لم يقترن ذكرها باقتراح سبل العلاج، ولذلك سيتم التركيز في هذا العرض على واجبات الأسرة المسلمة في الغرب انسجاما مع منهج الإسلام في التغيير القائم على الانطلاق من النفس بإصلاح ما فيها من أفكار وقيم وما يصدر منها من سلوكات، فالصعوبات والمشاكل والمصائب في التصور الإسلامي هي نتيجة ضعف وتقصير من نزلت به: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 12). ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ (الشورى: 28). كما أن في التركيز على واجبات الأسرة المسلمة توجيها لها إلى ضرورة الانتباه إلى قدراتها وإمكاناتها الذاتية لتوظيفها في حل مشاكلها وأداء رسالتها التربوية والدعوية بدل الاكتفاء بإلقاء اللوم على الحكومات الغربية واتهامها بالعنصرية وتدبير المؤامرات أو على الحكومات المحلية واتهامها بالتقصير في رعاية جاليتها المسلمة والتفريط في مصالحها الدنيوية والدينية[1].

فما هي إذن الواجبات الأساسية للأسرة المسلمة في الغرب؟

يمكن تقسيم هذه الواجبات إلى خمسة عناصر:

1. واجب الأسرة المسلمة في الغرب تجاه نفسها

أ. إن الأب والأم وهما قوام الأسرة المسؤولان عن نفسهما بتعهدها بالتربية والتهذيب وإخضاعها لشرع الله تعالى والسير بها في طريقه عز وجل حتى يثبتا على الدين ويكتسبا من اليقين والصبر ما يعينهما على تحدي الصعاب وتحمل المسؤوليات، وفي هذا المعنى يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به”[2] وهذا الجهد متوج لا محالة بالتوفيق إذا خلصت النيات وأحسن اختيار الوسائل ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (العنكبوت: 69).

ب. وفي علاقة الزوجين ببعضهما يطالبان بحسن العشرة وتوفير أسباب الاستقرار والراحة لبعضهما البعض ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الروم: 20). والمؤسف في هذا المجال أن ظاهرة كثرة المشاكل الزوجية أصبحت لافتة للانتباه عند الأسر المسلمة في الغرب حيث ارتفعت نسبة الطلاق فيها بشكل ملحوظ[3]. ولا يخفى ما لهذا الواقع من عواقب وخيمة على مستقبل الأسرة المسلمة هناك بشكل عام.

ج. والأبوان يتحملان أيضا تربية أولادهما تربية متكاملة يحرصان فيها على أن يسود الإسلام البيت حتى تصبح كل التصرفات والمواقف والقرارات المتخذة فيه منسجمة مع الشرع غير متعارضة معه، وفي الحديث: “كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته… والرجل راع على أهل بيته، والمرأة راعية على بيت زوجها وولده، فكلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته”[4].

وأساس هذه التربية تقديم القدوة الحسنة للأولاد وإشعارهم بحبهم واحترامهم والحرص على مصلحتهم، فقد يتجاوز هؤلاء عن كثير من مظاهر القصور في الوالدين من حيث المستوى المادي أو التعليمي أو ما عدا ذلك مما لا حيلة للوالدين في دفعه، لكنهم لا يغفرون لهما معاملة تتسم بالقسوة أو الاستغلال أو الاستهزاء أو الأنانية وانعدام التضحية…

ويشكل الدين واللغة الأم والوطن الأصلي أبرز ما ينبغي التركيز عليه في تربية أولاد الجالية المسلمة بالغرب دون إغفال الحرص على نجاحهم في الدراسة وفي الاندماج الايجابي في مجتمع المهجر، وإن كان هذان العنصران الأخيران نتيجة تلقائية للنجاح في ربط الأسرة بدينها وبلغتها الأم وبوطنها الأصلي.

1. ففيما يتعلق بربط الأولاد يجدر التنبيه إلى أهمية وضرورة مراعاة الأولويات في الشرع. فالعقيدة الصحيحة في الله سبحانه وتعالى وفي سائر أركان الإيمان، وإخلاص العمل لله، عز وجل، أساس التربية الدينية وعليهما مدار الإسلام كله ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ…﴾ (البقرة: 177). ثم يأتي دور العبادات المفروضة وخاصة الصلاة، والأخلاق الأساسية كالصدق والتواضع والحب في الله، والإيثار…

  وكلما كان للوالدين قدر من الوعي بمقاصد الدين وأهدافه كلما سهل عليهما ربط الأولاد بدينهم دون أن يحسوا بأي غموض أو تناقض في مبادئه ولا بضجر أو مشقة في الالتزام به. ولهذا كان لزاما على الأبوين السعي إلى التفقه في الدين بقدر ما يسمح به مستواهم الثقافي وظروف معيشتهم ولا يقتصر أثر هذا التفقه الايجابي على تربية الأولاد فقط بل هو خادم قبل ذلك للحياة الزوجية يوجهها وجهة الصلاح والاستقرار فضلا عن إشعاعه على الجوار والمعارف.

ولما كانت معظم الأسر المسلمة في الغرب لا تتمتع بفقه أو وعي ديني يذكر فإنه لا غنى للأبوين عن عقد صلات بين أفراد الأسرة وبين العناصر المتفقهة المثقفة من المسلمين كالعلماء والدعاة وخطباء المساجد والعناصر النشيطة في المراكز والمؤسسات الإسلامية والطلبة الجامعيين… وعلى هؤلاء أن يجتهدوا في فهم وتقدير الظروف الخاصة لذلك المجتمع: فلا يطالب المسلم عموما، والناشئة بوجه خاص، في المجتمعات غير الإسلامية بما يطالب به المرء في بلاد الإسلام، إذ في الشرع فسحة لكثير من الأعذار والضرورات والأوضاع الناشئة عن العيش في المهجر في أمور العبادات والمعاملات وغيرها. كما يتعين على هؤلاء المتعلمين والمثقفين أن يحسنوا استغلال موقعهم في توجيه الأسر المسلمة إلى منطق الأولويات تمتينا للبناء التربوي للشخصية المسلمة في الغرب وتوفيرا للأوقات واقتصادا للأوقات والطاقات. ففي مجال العلم والفكر هناك أولوية العلم على العمل، وأولوية الفهم على مجرد الحفظ، وأولوية المقاصد على المظاهر… وفي مجال الدعوة والفتوى تعطى الأولوية للتخفيف والتيسير على التشديد والتعسير.. وفي مجال العمل تبرز أولوية العمل الدائم على العمل المنقطع وأولوية العمل المتعدي النفع إلى الآخرين على العمل القاصر نفعه على صاحبه، وأولوية عمل القلب على عمل الجوارح.. وفي مجال المأمورات نجد أولوية الأصول على الفروع وأولوية الفرائض على النوافل وأولوية فرض العين على فرض الكفاية وأولوية حقوق العباد على حق الله المجرد – وهكذا[5].

وتشكل الأعياد والمناسبات الدينية فرصا جيدة لتعزيز انتماء الأسرة لدينها وتذكيرها بأساس هويتها مما يحتم الاهتمام بهذه المناسبات شكلا ومضمونا أي بالتعريف بأهدافها وأحكامها وإظهار البهجة بحلولها والتوسعة فيها على الأسرة عموما والأطفال بصفة خاصة مع الحذر من مزاحمتها، أي المناسبات، بالأعياد والمناسبات اللصيقة بدين المجتمعات الغربية وهويتها الثقافية.

وحينما تتوطد الصلات بين الأولاد ودينهم بما أشير إليه من وسائل، فإن كثيرا من المظاهر السلبية في الأسرة المسلمة بالغرب ستؤول تلقائيا إلى الاندثار التدريجي.

2. وبالنسبة للغة الأم من المؤكد أن واقع العيش في المهجر يهمشها إلى حد كبير. وقد أكد استطلاع للرأي أجرته إحدى المجلات الفرنسية منذ أربع سنوات تقريبا أن 55 بالمائة من أبناء المهاجرين المستجوبين في فرنسا يعتبرون الفرنسية لغتهم الأم، وأنه قبل خمس عشرة سنة كان أبناء المهاجرين المسلمين بفرنسا يستعملون اللغة العربية أكثر مما يستعملونها الآن[6].

وإذا كانت قدرات الأبوين على مواجهة هذه الظاهرة محدودة نظرا لتداخل عوامل متعددة في وجودها واستمرارها، فلا أقل من تجنب الحديث بغير لغة الأم في المنزل وتنبيه أفراد الأسرة إلى خطورة إهمال اللغة الأم، وخاصة حينما يتعلق الأمر باللغة العربية، على دينهم وهويتهم الثقافية وتواصلهم مع بلدهم الأصلي اجتماعيا وثقافيا وإداريا…

وتستطيع هذه الجهود أن تؤتي أكلها إذا ساندتها مؤسسات تربوية وثقافية كرياض الأطفال والمدارس والمراكز والجمعيات، فضلا عن المساجد وذلك بالتحفيز والتشجيع من جهة، وبتدريس اللغة الأم بأحدث أساليب وأكثر الطرق تشويقا. وتعتبر الجاليات العربية محظوظة في هذا المجال نظرا لفرص التعاون المتاحة لها مع بعضها البعض. كما تستطيع الإذاعات التي تديرها الجاليات المسلمة والقنوات التلفزية التي تملكها البلدان الإسلامية أن تساهم بحظ وافر في دعم الجهود المذكورة.

3. أما عن ربط الأسرة بالوطن الأصلي، فينبغي للأبوين أن يركزا على الجانب الديني في معالجة الموضوع حتى يضمنا لهذا الربط دعامة متينة ويخلقا للعلاقة بين الأبناء ووطنهم جسرا صلبا لا تقوى على تهديمه لا مشاكل الوطن المختلفة ولا سلبيات أهله ولا صورته الإعلامية في الغرب… فهذا البلد له علينا حق صلة الأرحام ومسؤولية النصح له والتعاون معه على الإصلاح والخير وهو محتاج إلينا ونحن محتاجون إليه. على أن السعي إلى جعل العطلة السنوية في الوطن الأم شيقة ممتعة توفر للأسرة حقها من الترفيه المشروع وتثري معرفتها بواقع البلد الاجتماعي والثقافي والاقتصادي والسياسي… كل ذلك كفيل بخلق الحس الوطني المنشود في الأسرة. ونحن في المغرب مثلا نملك من المقومات المناخية والطبيعية وحدها ما يكفي لخلق الارتباط النفسي لأبناء المهاجرين ببلدهم، لكن تصرفات بعض الآباء، خصوصا، لا تدعم هذا الامتياز كالانشغال طوال العطلة عن الأبناء وحشرهم في مهمات لا يرتاحون لها أو على الأقل لا يقنعون بها، والتقتير عليهم في مقابل صرف المدخرات في البناء والعقارات وما شابه ذلك…

ويمكن اللجوء أيضا إلى الزيارات المنظمة للبلد الأصلي في المناسبات وعطل مختلفة، على أن يكون برنامج هذه الزيارات قائما على رؤية واضحة لاحتياجات الزائرين وموكولا إلى جهة مستوعبة للهدف شاعرة بالمسؤولية مع خبرة وكفاءة في الموضوع:

2. واجبات الأسر اتجاه بعضها البعض

إن تلاحم الأسر المسلمة في الغرب وتوثيق العلاقات الإيجابية فيما بينها خير ضمان لحمايتها من التأثر السلبي بمجتمعات الغرب، بل إن نهوض الأسرة المسلمة برسالتها هناك رهين بذلك التلاحم الذي يفسح المجال لميلاد وعي مشترك وأشكال مختلفة من التعاون والتنسيق. ولن يتحقق للأسر المسلمة في الغرب هذا التلاحم إلا بمراعاة الواجبات التالية:

أ. إحياء مفهوم ومعالم صلة الرحم

أكد الإسلام صلة الرحم مستثمرا حقيقة اجتماعية بارزة هي قوة العلائق وبواعث التعاطف والتراحم بسبب القرابة الجامعة ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ (الأنفال: 76). وحذر ديننا من العقوبات القدرية العاجلة والعقوبة الأخروية الآجلة للتفريط في صلة الأرحام، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “ما من ذنب أجدر أن يعجل الله تعالى لصاحبه العقوبة في الدنيا ما يؤخره له في الآخرة من قطيعة الرحم والخيانة والكذب، وإن أعجل الطاعة ثوابا لصلة الرحم، حتى إن أهل البيت ليكونوا فجرة فتنمو أموالهم ويكثر عددهم إذا تواصلوا”[7].

ومقتضيات صلة الأرحام في الشرع كثيرة حتى إن علماء الإسلام جعلوا منها نفقة الموسر على المعسر وإن اختلفوا في ذلك بين مضيق وموسع في مستحقي النفقة وحدودها. والذي يهمنا في هذا المقام هو استثمار هذه السنة الاجتماعية والحقيقة الشرعية في توطيد الأواصر بين الأسر المسلمة في الغرب، فما أكثر ما توجد أواصر رحم للأسرة المسلمة في المهجر في المدينة الواحدة أو البلد الواحد أو في بلدين متجاورين خاصة إذا أخذنا بالمفهوم الأرجح والأوسع لذوي الأرحام وهو مطلق الأقارب.

وقد لوحظ أن كثيرا من الأسر المسلمة في الغرب تفرط في صلة الأرحام إما تكاسلا وتثاقلا أو بسبب نزاعات تافهة قد تتدخل فيها أحيانا نزعات من العصبية القبلية. كما يؤخذ على بعض الأسر أنها قد تحافظ على قدر من الصلة بين الكبار ولكنها قلما تفكر في ربط العلاقات بين الصغار فيؤول الأمر بعد ذلك إلى انقطاع الأواصر بينهم في المستقبل، فلا بد إذن من التعاون على خلق شبكة من العلاقات بين الأبناء في محيط الأسر التي يجمع بينها نسب ما، ونكون بذلك قد استثمرنا تربويا واجتماعيا علاقات الرحم والقرابة على المدى البعيد.

ويمكن أن نعتبر الأعياد والمناسبات الدينية والولائم الأسرية من الفرص التلقائية المفضلة لتقوية صلة الرحم، إذا اعتنت الأسر بإحياء هذه المناسبات بشكل جماعي قدر الإمكان كالإفطار الجماعي في بعض أيام رمضان والتزاور وتبادل الهدايا في الأعياد والتنسيق للذهاب إلى الحج والعمرة في رفقة واحدة، وتزداد حظوظ نجاح هذه المحاولات كلما صاحبها قدر من بيان الحكم والغايات والتوجيه والوعظ بما يناسب مقتضى الحال. وفي حالة تعذر الاجتماع في اليوم المحدد للمناسبة لظروف البعد أو اختلاف توقيت العمل… يمكن تقديم أو تأخير الاجتماع إلى أقرب موعد مناسب.

ب. تشجيع الزواج بين المسلمين

يشكل الزواج منعطفا حاسما في حياة عدد كبير من الناس فضلا عن كونه خميرة أسرة جديدة تقوي الأمة الإسلامية التي سيباهي الرسول صلى الله عليه وسلم الأمم بها يوم القيامة، ونظرا لأهمية الزواج في الاستقرار الفردي والاجتماعي، فقد سعى الإسلام إلى تذليل مختلف العقبات التي تعرقل الزواج كغلاء المهور وتحكيم المعايير غير الشرعية في اختيار الزوجين… وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتبر رفض أسرة المخطوبة للرجل الصالح بسبب الفقر أو غيره مقدمة للفتنة والفساد العريض في المجتمع “إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فانكحوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض”[8]، فإن زواج المسلمين من كتابيات اليوم وزواج المسلمات من الكتابيين هو أعظم فتنة وفسادا”[9].

وهذا الخطر بات قريبا من أبناء وبنات الأسر المسلمة في الخارج بسبب اضطراب القيم وقلة الوعي بالإسلام[10]. ولذلك يتحتم العمل على تشجيع الزواج بين المسلمين ومساعدة الراغبين في الزاوج بتبسيط إجراءاته، والتقليل من تكاليفه، وعدم التفريط في الذين يودون الاستقرار في الغرب إذا تقدموا للزواج واتضح بعد التثبت من تدينهم وحسن سيرتهم أنهم صادقون في رغبتهم. إذ أن هؤلاء يلجأون إلى الزواج بالكتابيات، بل بالملحدات أحيانا، إذا ضاقت في وجههم السبل، ومثل هذا يقال عن الغربيين حديثي العهد بالإسلام، وهكذا يجني مجتمع المهجر ضياعا شبه محقق لراشد مسلم ولأولاده بعد ذلك. فإن لم يحصل الضياع الكامل فيكفي أن هذا الزواج المختلط سيقلل من نفع المسلم وأولاده لمجتمعهم ولأمتهم.

وما دمنا في سياق الحديث عن الزواج، يحسن التذكير بحاجة الأسرة المسلمة إلى إسهام المرأة المتزوجة في الدعوة والتربية خارج محيطها الأسري. فالملاحظ أن حمل هموم الإسلام والمسلمين في المهجر يكاد يكون مقصورا على غير المتزوجات، وفي هذا إعاقة لجهود الإصلاح في محيط الأسرة المسلمة ونسائها بوجه خاص. فمعلوم أن المرأة أقدر على البيان في مجتمع النساء اللواتي يتأثرن ببعضهن في الأقوال والأفعال أكثر مما يتأثرن بالرجل، بالإضافة إلى عامل إدراك المرأة بشكل أفضل لخصوصيات المجتمع النسوي ومشكلاته وقدرتها على التمييز بين الأولويات وحريتها في الاتصال الفردي ببنات جنسها[11].

ومن هنا وجب توعية النساء وتذكيرهن بواجبهن الدعوي ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ… (التوبة: 72). مع تأهيلهن وتدربهن على ذلك نظريا وعمليا، واستثمار حركتهن للترويج للمطبوعات والنشرات والأشرطة السمعية والبصرية التي تعالج مواضيع الأسرة والتربية والدعوة وتقدم نماذج من القدوات النسوية كأمهات المؤمنين والصحابيات رضوان الله عليهن. كما ينبغي تحسيس الأزواج بواجب تدليل العقبات أمام الداعيات والتضحية ببعض حقوقهم حينما تقتضي ذلك مصلحة شرعية واضحة. ولا شك أنهم يستفيدون من حركة زوجاتهم أجرا عظيما فضلا عن نضج تجربة الداعية نفسها وأثر ذلك على حسن إدارتها لبيتها ولشؤون أسرتها.

ج. العناية بالجوار الإسلامي

للجوار في الإسلام حرمة وحقوق تقديرا للآثار المختلفة التي تترتب عن تجاور شخصين أو أسرتين. فقد يصبح الجوار مصدر إزعاج ونكد وإضرار معنوي ومادي وقد يكون على العكس من ذلك مدعاة للتعاون على البر والتقوى ومجلبة للخير فضلا عن تيسير لتبادل المنافع الدنيوية، وفي المجتمعات الغربية يصبح الجوار المسلم أكثر أهمية لأنه، من جهة، يشكل بديلا للاختلاط السلبي للأسر المسلمة عموما وأبنائها على الخصوص بالأسر الغربية، ولأن علاقات الجوار الإسلامية – من جهة ثانية – هي التي تمهد السبيل لكثير من أشكال التعاون التي لا يستغني عنها مسلمو المهجر إذا هم أرادوا لأنفسهم تجمعا متماسكا ذا عزة وكرامة. ففي تلبية الاحتياجات التربوية والتعليمية، وفي تيسير الأنشطة التربوية، وفي تنظيم الشعائر والاحتفالات، وفي الحالات التي تحتاج إلى تكافل اجتماعي… يتوقف النجاح والفعالية على حد مقبول من التعارف والثقة بين أهل الحي الواحد أو الأحياء المجاورة.

ويستطيع أئمة المساجد وخطباؤها أن يستثمروا فرص الصلوات الجماعية والجمعة وغيرها من المناسبات لتحقيق التعاون وتوثيق الصلات بين أهل الحي الواحد وإصلاح ذات البين بين المتخاصمين منهم وكذا دعوتهم إلى مناقشة بعض الهموم المشتركة وتشجيع بعضهم على استضافة دروس دينية وولائم يحضرها جيرانه… وما قيل عن استثمار الإحياء الجماعي للمواسم الدينية والولائم في تقوية صلات الرحم يصدق نسبيا على دعم الجوار الإسلامي.

لكن هذه الجهود ستظل قاصرة عن بلوغ هذه الغاية إذا لم يلتفت التوجيه الديني إلى محاربة ظاهرة العصبية القبلية التي تقيم أحيانا حواجز سميكة من النفور والارتياب والاحتقار بين أبناء أمة الإسلام، بل حتى بين أبناء الوطن الواحد والمدينة الواحدة والمنطقة الواحدة.

وتحتاج الأسر المسلمة أيضا إلى تبين الحدود الدقيقة بين تعاون الجيران على البر والتقوى وبين الفضول والتدخل في الأمور الشخصية والخاصة مما لا يكشف عادة إلا بين الأقارب والأصدقاء المقربين. فالتعاون لا يفرض على الناس فرضا، والنصيحة للجيران لا تعني فرض الوصاية عليهم أو على أبنائهم وبناتهم وتتبع عوراتهم والوشاية ببعض الأسرة إلى البعض الآخر، وتغيير المنكرات ينبغي أن يكون بالحكمة ومراعاة مآلات الأمور والتدرج في بناء الثقة المتبادلة، وإلا فإن ما اكتسب من تعارف وتزاور وائتلاف قد يتحول إلى تناكر وتدابر واختلاف.

د. التكافل الاجتماعي الإسلامي

إن تعقد الحياة في الغرب، وإيقاعها السريع، ومنطق الفردية الطاغي عليها، ووجود الأسر المسلمة متباعدة مكانا أو لغة وثقافة عن بعضها يجعلها بعيدة عن جو التكافل التلقائي الذي نلمسه بدرجات متفاوتة في نطاق القرابة وبين الجيران في العالم الإسلامي، ولذلك فإن الأسر المسلمة في الغرب محتاجة ماديا ومعنويا إلى هذا التكافل في ظروف مختلفة كالوفاة والمرض والسجن والتوقف عن العمل وتسلط الديون والإفلاس والفقر واليتم والترمل، وقد تكون الأسرة في بعض ما ذكر بحاجة إلى مساعدة مادية، ولكنها لا غنى لها عن الدعم المعنوي والنصح والدعاء… وهذا مجال عظيم النفع للمسلمين في المهجر فلا يخفى الأثر العميق الذي تحدثه في النفوس مبادرات التكافل الاجتماعي حيث يحس المسلمون عمليا بنعمة انتمائهم إلى دين الإسلام وأمة المسلمين، فضلا عما يترتب عن ذلك من توثيق عرى الأخوة والمحبة في الله وتوحيد الصفوف في مواجهة التحديات المشتركة، دون أن ننسى الصورة المشرقة التي يستقبلها الغربيون حينما يعاينون هذا التكافل الأخوي وأثرها على تقدير للمسلمين ودينهم.

وبوسع المساجد والمؤسسات الإسلامية أن تقوم بدور فعال في الحث على التكافل وترشيد مظاهره بين الأسر المسلمة في الغرب مع الانتباه إلى ضرورة الشفافية والوضوح، حينما يتعلق الأمر بجمع الموال والمساعدات حتى لا تنقلب أعمال البر الجليلة إلى فرصة يستغلها بعض ضعاف النفوس للإثراء الشخصي من جهة، وحتى تسد أبواب الشكوك والظنون والاتهامات من جهة أخرى. وفي الحالتين معا تضيع الثقة وتفتر العزائم وتشح النفوس.

وكلما نجحت مبادرات التكافل الاجتماعي وأصبحت منظمة سيسهل خلق المؤسسات الجماعية كل المشاكل الأسرية كالتعاونيات السكنية والتجارية والأنشطة الإنتاجية النسوية وغيرها.

3. واجبات الأسرة المسلمة نحو المجتمع الغربي

إن الباحث في التاريخ الإسلامي بأمانة وموضوعية سيلاحظ أن انتشار الإسلام، حتى في البلاد التي فتحها المسلمون بالقوة، لم يكن بالإكراه، بل كان الناس يعيشون برهة تحت حكم المسلمين في هذه البلاد أو يتعاملون مع التجار المسلمين في غيرها وسرعان ما يعتنقون الإسلام لما يلمسونه في معاملة أتباعه من عدل ورحمة وإنسانية. وفي عصرنا هذا لا يزال كثير من الناس في بقاع مختلفة من العالم يعلنون إسلامهم بعد تجارب مؤثرة في علاقتهم بالمسلمين أو إقامتهم في بلد إسلامي ردحا من الزمن رغم كل الشوائب العالقة بفهم المسلمين لدينهم فضلا عن تصرفاتهم وأخلاقهم وأوضاعهم العامة. ومعنى هذا أن الجاليات المسلمة المغتربة يمكنها أن تصير مركزا للإشعاع الإسلامي في مجتمعات الغرب ومنبرا لتبليغ رسالة الإسلام وكسب تعاطف الغربيين واحترامهم.

 وهذا الإشعاع يتطلب الاهتمام بجملة أمور منها:

أ. إحياء الجوار الإسلامي مع غير المسلمين

من المقرر في شريعتنا أن الجار غير المسلم يشترك مع الجار المسلم في حق الجوار وإن امتاز عليه الخير بحقوق الأخوة في الدين، وحقوق الجوار في ديننا لو التزمت بها الأسر المسلمة نحو غيرها في الغرب لكانت كافية لإحداث قدر لا يستهان به من التأثير الإيجابي على العلاقات بين الطرفين، بالإضافة إلى تحسين ملحوظ لصورة الإسلام وللمسلمين في المهجر، فالإنسان الغربي تعود على منطق الحقوق والواجبات بمفهومها العلماني الضيق حتى أن علاقته مع أقربائه أحيانا مطبوعة بتبادل المنافع، ولذلك فإن مبادرات بسيطة من تحية واهتمام وإبداء للرغبة في المساعدة أو إهداء طعام في مناسبة دينية إسلامية أو ما سوى ذلك من مظاهر حسن الجوار التي لا يتبعها طمع ولا مَنّ ولا أذى ولا تطفل على الخصوصيات… مثل هذه المبادرات قد تفتح البصائر والقلوب للإيمان خاصة أنها تمارس في مجتمع محتاج إلى دفء في العلاقات الإنسانية ولكن أنى له ذلك ومنظومته الثقافية والتربوية تتطور في الاتجاه المعاكس!

ب. الدعوة بالقدوة الحسنة

إذا استثنينا بعض المثقفين والعلماء الغربيين الذين يستطيعون دراسة الأديان والثقافات بموضوعية وإنصاف، فإن الرأي العام لا يحكم إلا بما يشاهده ويسمعه[12]، وهذا يفسر إلى حد ما الموقف السلبي لمعظم الغربيين من الإسلام والمسلمين. فتصرفات قطاع عريض من أفراد وعائلات الجالية المسلمة في المهجر يجر عليها استهجان المحليين وردود الفعل هذه تستغل أبشع استغلال من بعض الاتجاهات السياسية التي تجعل المهاجرين كبش فداء لعجز الحكومات عن إرضاء طموحات المواطن الغربي، ويزيد الطين بلة اللوبي الإعلامي اليهودي الذي يتفنن في طمس حسنات المسلمين وتضخيم مساوئهم وأخطائهم، ولهذا كان من أوجب الواجبات على الأسر المسلمة أن تحرص على تقديم صورة مشرفة للوجود الإسلامي في الغرب في جميع المجالات وخاصة منها مجالات الاحتكاك اليومي المباشر بالغربيين.

والملاحظ أن عددا متزايدا من أبناء الأسر المسلمة في المهجر بدأوا يلجون بالتدريج مناصب ووظائف ينظر الناس إليها عادة بتقدير واحترام، وبعضهم نجح في الأعمال الحرة والتجارة وغيرها مما يفتح له الأبواب على مصراعيها ليكون في محل التأثير وتقديم الصورة المرجوة. لكن المؤسف أن هؤلاء قلما ينظرون إلى أنفسهم من منظار الهوية والتميز بشرف الانتماء إلى الرسالة الخاتمة، فهم متأثرون بالعقليات والأعراف والعوائد السائدة في مجال أعمالهم ووظائفهم، وفي علاقاتهم بمرؤوسهم أو مساعديهم أو زبنائهم لا يخططون لأبعد من الفاعلية الإدارية أو الربح المادي، وقصارى مايربحه هؤلاء إذن انسجامهم مع فريق العمل في أداء مهمته أو اكتساب سمعة تجارية طيبة…

ونقطة الانطلاق فيما يتعلق بإحياء الجوار الإسلامي والدعوة بالقدوة الحسنة والتحسيس بالمسؤولية واستغلال منابر التوجيه في برامج قارة لبيان كيفية التعامل مع الغربيين حسب المستويات التعليمية والأعمار. فمن أفراد الأسر المسلمة من يحتاجون إلى استيعاب أبسط الآداب الاجتماعية كصيغة التحية والمخاطبة، واحترام الدور في صفوف رواد الإدارات والمتاجر والمطاعم وما يتعلق بذلك من أولية المرضى والعجزة والشيوخ في بعض الحالات، وكذا الحرص على نظافة الجسم والثياب والمحلات المرتادة وعلى حسن المظهر… ومنهم آخرون، كالشاب خاصة، يحتاجون إلى توجيهات ترغبهم في احترام القانون، وتعلو بمهمتهم إلى طلب العلم والتفوق في الدراسة والشغل، وتجنبهم نزعات التمرد والعنف وسرعة الغضب وتعاطي المخدرات والموبقات…

ولا مناص لإنجاح هذا التوجه من التصدي لبعض الأفكار السلبية التي رسخت في أذهان طائفة من المسلمين كاعتبار الغرب “دار حرب”[13] واستباحة معاملة الغربيين بالغش والخداع، والفهم الخاطئ لعدم التشبه باليهود والنصارى واختزال الإنسان الغربي في صورة المادي الإباحي العنصري مع أن فيه الايجابيات الكثير…

ولا ينبغي أن ننسى مع كل ذلك أن صورة المسلمة لن تصبح مشرقة عند الغربيين إن لم تكن مشرقة في ذاتها، لأن الأسرة المسلمة إذا كانت منخورة بالأدواء الخلقية، لا ينتظر منها إشعاع إيجابي وحتى لو صدر منها تجاه المجتمع الغربي ما يحمد لها بسبب حياء أو حمية ومفاخرة أو ليقظة ضمير عابرة، فإن أثر ذلك سرعان ما يتبخر، والشمس لا تحجب بغربال.

ج. الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة

لا تزال الآيات القرآنية والأحاديث النبوية في فضل الدعوة إلى الله وهداية الضالين إلى الإسلام تلهب عزائم الدعاة والعلماء ليجتهدوا في إنقاذ الناس من براثن الكفر وإدخالهم في رحمة الإسلام. وإذا كان السلف الصالح قد تكبدوا مشاق القتال بعيدا عن الأوطان أو السفر إلى أقاصي الأرض ليفتحوا لهذا الدين آفاقا جديدة يرتادها، فإن الأسر المسلمة في الغرب محاطة بملايين البشر ممن يفترض فيهم أن تصلهم دعوة الإسلام ورسالته وهؤلاء أنفسهم إذا فهموا هذا الدين حق الفهم سيصبحون قاعدة نشيطة في نشره والتمكين له بين ذويهم والواقع شاهد على ذلك.

ولكي تكون هذه الدعوة فاعلة موثرة ينبغي أن يصاحبها انفتاح على النشاط الثقافي والاجتماعي والتربوي العام هناك لاستيعاب عقلية الغربيين ومعرفة الأولويات في مخاطبتهم من جهة، وهذا من الحكمة الواردة في قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ (النحل: 125). ومن جهة أخرى يتيح هذا الانفتاح للأسر المسلمة أن تكسب رصيدا جيدا من الخبرة بالطرق والوسائل الحيوية والمتجددة في اتصال بالناس ومخاطبتهم. ولا يخفى أن الدعوة الإسلامية اليوم ينقصها الكثير في مجال ابتكار أساليب ووسائل من هذا النوع.

ومن الضروري في هذا المجال أن يحصل التعاون وتبادل الاستشارة والخبرات بين النشيطين في الدعوة من أبناء الأسر المسلمة في الغرب وبين المراكز والمؤسسات الإسلامية، لأن هذه الأخيرة ليس بمقدورها أن تتابع الجهود الفردية، ولكنها تستطيع أن توجهها وتساعدها بالمتاح من الوسائل كالنشرات التعريفية والكتب المترجمة والمجلات والأشرطة السمعية والبصرية. وبالمقابل تستفيد تلك المؤسسات من مجموع خبرات الأفراد والأسر في إنضاج تصور واضح لمنهج الدعوة الموجهة للغربيين وخصوصياتها واحتياجاتها في كل بلد، وفي بلورة الخطط المناسبة لذلك.

وغني عن البيان أن قيام الأسر المسلمة بواجباتها نحو المجتمع الغربي يتطلب تضحيات جليلة وجهودا دؤوبة وصبرا جميلا وتحليا بأخلاق الحوار الراقية ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آَمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (العنكبوت: 46). ووصول الجالية المسلمة إلى هذا المستوى رهين بنجاح الجهود التربوية والدعوية التي تبذل في محيط الأسر المسلمة.

4. واجبات الأسر المسلمة تجاه المؤسسات الإسلامية

تمثل المؤسسات الإسلامية في الغرب من مساجد ومراكز وجمعيات ومدارس وغيرها وسائل تجميع للمسلمين وتعارف بينهم وتوجيه لأسرهم، وقد تمثلهم أحيانا في المطالبة بحقوقهم في المهجر أو في الوطن الأصلي، وفي التعبير عن وجهات نظرهم في قضايا دينية واجتماعية وتربوية مطروحة للنقاش في الغرب، كما أن هذه المؤسسات هي إحدى الواجهات التي يطل الغرب منها على المسلمين.

ولذلك، فإن قيام المؤسسات الإسلامية بمسؤولياتها على الوجه المطلوب سيعود بالنفع العميم على الأسرة المسلمة وعلى صورة الإسلام في الغرب. ولكن هذه المؤسسات على العموم، وخاصة تلك التي أسست واستمرت بجهود تطوعية محضة، تحتاج لأداء واجباتها على ما يلي:

أ. الدعم والمساندة

ويدخل في ذلك الدعم المادي الذي لا تستمر بدونه المشاريع ولا تتطور ولا تتوسع، وكم من مبادرات وتضحيات جبارة للنهوض بقطاع من القطاعات النافعة للمسلمين في الغرب انتهت إلى الفشل، لا لقلة المقتنعين والمتحمسين ولا لأسباب إدارية أو علمية وإنما السبب الرئيسي قلة الموارد المالية: فشراء الأراضي مثلا، والبناء، والتجهيز، والصيانة، وأجرة العاملين المتفرغين، وتكاليف تنقلات العلماء والدعاة والمحاضرين وضيافتهم، وغير ذلك من أمثلة التكاليف والنفقات تعجز عن أدائه وتوفيره موارد بضعة أشخاص متطوعين حتى لو كانوا مدعومين من حين لأخر بمساعدات بعض الدول والهيئات.

ومما تفتقر إليه هذه المؤسسات العدد الكافي من العنصر البشري الفعال وبعض الخبرات النظرية والعملية والتقنية، وهي لا تستطيع، كما سبق القول، تخصيص أجور لكافة الخدمات التي تحتاجها، ومعنى هذا أنه لا ملجأ للمؤسسات في قيام المؤسسات الإسلامية برسالتها في الغرب، فخبرات الجالية المسلمة ومؤهلات أفرادها وأسرتها بحكم التنوع والتكامل تستطيع أن تعطي لعمل المؤسسات المذكورة دفعة قوية تنقلها من العوز إلى الاكتفاء ومن الرتابة إلى الحيوية ومن الجمود إلى التجديد.

ودور التوجيه الديني في هذا المجال أن يقنع الأسر المسلمة بأنها هي المستفيدة من دعم هذه المؤسسات في الدنيا والآخرة: في الدنيا لأن نجاح المؤسسات الإسلامية وتوسع نشاطها وأدوارها حماية للجالية المسلمة من الضياع وتحسين لصورتها وسمعتها، وفي الآخرة لعظم الأجر المدخر للمساهم في الدعوة إلى الله بأي شكل من الأشكال. كما ينبغي الترغيب في الإنفاق في هذه السبل وفي إحياء الوقف الإسلامي باعتباره رصيدا ماديا ثابتا للمشاريع الإسلامية. وفي بعض البلدان الغربية نجحت تجربة الوقف في تمويل نشاط مؤسسات إسلامية ذات إشعاع عالمي.

وهناك ملاحظة تتعلق باستثمار طاقات المراهقين والشباب في مساعدة المؤسسات الإسلامية، وهي أن العديد من هؤلاء قد يقضون معظم أوقاتهم في اللهو ومشاهدة التلفزة وسماع أحدث الأغاني لأن حياتهم خالية من الأنشطة الغنية بالخبرات، التي تشعر بالنشاط والحيوية ولذة النجاح في إنجاز أعمال محددة مفيدة للآخرين وتنال تقديرهم وإعجابهم. ولذلك يعد انخراط المراهقين والشباب في دعم المؤسسات الإسلامية والتعاون معها مساعدا على النضج والشعور بالمسؤولية، واكتساب روح العمل الجماعي، والإحساس بالانتماء إلى أمة ذات رسالة مستمرة.

ب. النصح والترشيد والتحفيز على العمل

تختلف المؤسسات الإسلامية في المهجر من حيث استيعابها للإسلام، ومعرفتها بحاجيات الجالية المسلمة والمجتمع الغربي، وطرقها في العمل والإدارة… بغض النظر عن إخلاص روادها ودرجة شعورهم بمسؤوليتهم. ومن الطبيعي أن تلاحظ على بعض هذه المؤسسات سلبيات متفاوتة الدرجة. وهذا يفرض على الأسر المسلمة أن تقوم بواجب النصح والتسديد فلا تبخل بإثارة الانتباه إلى السلبيات ونقاشها مع ذوي الشأن في المؤسسات لمعرفة وجهة نظرهم وتقديرهم للموضوع، والاجتهاد في اقتراح سبل العلاج إن حصل توافق في الآراء.

وقد تكون بعض المؤسسات ناجحة في مهامها على العموم ولكنها قادرة على المزيد والأفضل، فهذه تدفع إلى ذلك بالتشجيع، والتزويد بالمعطيات والاقتراحات، والحث على الانفتاح على المجتمع الغربي ومؤسساته والاستفادة منها، وعلى تطوير أساليب الدعوة…

ج. خلق جو من التضامن مع المؤسسات الإسلامية للمطالبة بالحقوق الجماعية

لا يتسنى للأسر المسلمة بدون إطارات قانونية ومنظمة أن تُسمع صوتها للإدارات والحكومات في المهجر وفي الوطن الأصلي، وخير من يقوم بهذه المهمات المؤسسات الإسلامية إذا رأت من الإجماع على المطالبة ببعض الحقوق أو تلبية بعض الاحتياجات، وأحست أنها موضع ثقة أو تفويض لتكون صلة وصل بين الجالية المسلمة والجهات المسؤولة.

ومهمة الأسر المسلمة في هذا المجال أن تدافع عن المؤسسات الإسلامية التي أثبتت نزاهتها وحكمتها وفاعليتها، وأن تعرف بها، وتشيد بإنجازاتها، وتقف إلى جانبها في وقت الشدة، وتستثمر علاقتها؛ أي الأسر المسلمة، لتدفع عنها التهم الباطلة والتأويلات المغرضة، ومعلوم أن الجهل والتعصب وحب الذات قد يؤدي إلى محاولات للتشكيك في أغراض بعض المؤسسات، أو تتفيه قيمتها، أو ما سوى ذلك من الآفات، وعلى المؤسسات الإسلامية لكي تكسب الثقة والمصداقية أن تتحلى بالحكمة، والنظر في عواقب الأمور، وأن تحسن ترتيب الأولويات وتتجنب الدخول في معارك خاسرة، أو إقحام الجالية المسلمة في خلافات ومشاكل تضر بمصلحتها العاجلة أو الآجلة.

د. التعاون على تنظيم الشعائر

تختلف أوضاع الجالية المسلمة في الغرب من حيث الاعتراف رسميا بدينها وحقوقها في ممارسة بعض الشعائر، وإن كان الطابع العام هو الحيف والتضييق. ولكن هذا الوضع قابل نسبيا للتحسن لو كان للمسلمين مخاطب موحد يدافع عنهم، ويهيئ اقتراحات لتغيير بعض القوانين المجحفة في حقهم، أو لتنظيم الشعائر بشكل لا يتعارض مع القوانين المحلية… وقد تتكلف بشيء من هذا الهيآت الدبلوماسية لبعض الجاليات المسلمة، ولكن حتى في هذه الحالة لا غنى لها عن مساعدة المؤسسات الإسلامية.

ومن أجل ما ذكر فإن تعاون الأسر المسلمة مع المؤسسات الإسلامية لتحقيق تنظيم جيد للشعائر يضع المؤسسات في موقع المخاطب ويخول لها بعض الصلاحيات والمساعدات من الحكومات والإدارات المحلية، وبدون هذا التعاون تضيع الأسر المسلمة أحيانا في الاحتفال الكامل بالأعياد والمناسبات وفي الشعور ببهجتها واستحضار دلالتها. وكثيرا ما ينجم عن غياب مؤطر موحد وكفء للجالية المسلمة فوضى عارمة في إقامة بعض الشعائر كما هو الحال مثلا في عيد الأضحى حيث تعطي تصرفات بعض الأسر المسلمة الغربيين انطباعا بأن المسلمين لا يهمهم من العيد سوى ازدراد اللحوم.

5. واجبات الأسر المسلمة في الغرب نحو الأمة الإسلامية

 لا ينسى المسلم الحق في خضم مشاغله اليومية ومسؤولياته نحو نفسه وأسرته ومجتمعه أنه عضو في خير أمة أخرجت للناس، وأدنى درجات هذا الإحساس الاهتمام بأمر المسلمين، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “من أصبح لا يهتم بأمر المسلمين فليس منهم”[14] وهذا الانتماء يقتضي بعد الاهتمام واجبات كثيرة نحو الأمة الإسلامية، وفي حالة الأسرة المسلمة في الغرب تطالعنا بعض الخصوصيات التي يجب أن تستثمر لصالح الأمة الإسلامية.

ومن هذه الخصوصيات هامش الحرية الكبير المتاح للمواطن في الغرب للتعبير عن آرائه ومواقفه من شتى القضايا المحلية والدولية، وما دامت أحوال الأمة الإسلامية لا تسر عموما، وما دامت المظالم الواقعة عليها والحروب الدائرة فيها والمؤامرات المحبوكة ضدها والأراضي المغتصبة منها… ما دامت كثيرة فلا أقل من التضامن مع المسلمين في شتى بقاع الأرض، والإسهام في التعريف بقضاياهم، والدفاع عن مصالحهم، واستنكار ما يقع عليهم من مظالم، بأساليب حكيمة ومتحضرة، بعيدة عن الفوضى والعنف.

كما تتيح الوضعية المادية الحسنة نسبيا للأسر المسلمة في الغرب أن تساهم بشكل جيد في التبرعات التي تجمع لفائدة المؤسسات الإسلامية في بقاع العالم المختلفة وخاصة حيث توجد الأقليات المسلمة، بالإضافة إلى المشاركة في الإعانات الموجهة للبلدان الإسلامية المنكوبة بالحروب أو الكوارث الطبيعية، وكذا الإعانات المخصصة للوطن الأم إذا حل به ما يدعو إلى ذلك.

وإذا كانت بعض واجبات الأسرة المسلمة المذكورة في كل عناصر البحث قد لا يطيقها الجميع باعتبار اختلاف المستوى الثقافي والتعليمي وكذا المستوى المادي للأسر المسلمة في الغرب، فإن واجب الدعاء بإخلاص وإلحاح يستطيعه الجميع: الدعاء للنفس وللأسرة الخاصة ولأسر المسلمين بالثبات والتوفيق، والدعاء لعصاة المسلمين وللجوار غير الإسلامي بالهداية. والدعاء للمؤسسات الإسلامية بالنجاح والسداد، والدعاء للأوطان المسلمة وللأمة الإسلامية جمعاء بالعودة الشاملة إلى الإسلام وبالوحدة والعزة والكرامة، فالدعاء، مع استفراغ الوسع وبذل الجهد، هو مخ العبادة لأنه اعتراف لله عز وجل بعلمه وقدرته وسائر صفاته الحسنى، كما أنه تفويض لمباركة الجهود الإنسانية القاصرة دوما ولقبول السعي البشري في عالم الأسباب إليه سبحانه وتعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (غافر: 60).

خاتمة

في ختام هذا البحث من الضروري التذكير بأن قيام الأسرة المسلمة في الغرب بواجباتها المختلفة رهين بالعمل على ربطها بالإسلام وتفقيهها فيه، ومن واجب جميع الأطراف المعنية بقضية المسلمين في المهجر أن تتحرك في هذا الاتجاه، بما أوتيت من طاقات وقدرات، فالرهان كبير والنجاح فيه قد يجعل مستقبل الأمة الإسلامية أفضل بكثير مما نتوقع،لأنها ستستفيد من هذا الخزان البشري الهائل من أبنائها في الغرب على كافة الأصعدة، ولن يقتصر الأمر حينئذ على مجرد جلب العملات الصعبة وتنشيط السياحة والتجارة في العطل فحسب، فالموضوع إذن يستحق من الأمة ومن علمائها ودعاتها وذوي القدرات والمسؤوليات فيها التفكير والتخطيط وبذل أقصى الجهود ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ (المطففين: 26).

انظر العدد 12 من مجلة الإحياء

المرأة المسلمة في الغرب.. مهام وواجبات

الهوامش

  1. ليس المقصود بهذا نفي مسؤوليات هذه الأطراف فيما تعانيه الأسرة المسلمة بالغرب ولكن الاكتفاء بلوم هذه الجهة أو تلك دون بذل أقصى الجهود الممكنة لتخطي الصعوبات والمشاكل لن يزيد الأزمة إلا تفاقما، فضلا عن عدم جدوى جهود الحكومات إن لم تتعاون معها الجاليات.
  2. الحديث رواه.
  3. في بلجيكا مثلا تفشل محاولات الصلح بين الزوجين في القنصلية العامة للمملكة المغربية ببروكسيل بنسبة ثلاث حالات كل يوم تقريبا. انظر: ملاحظات حول واقع الأسرة المسلمة في أوربا: ذ. عبد الصمد بنكيران. بحث مقدم إلى جامعة الصحوة الإسلامية الدورة الرابعة-البيضاء 20-21 مارس 1997م بحث مرقون في 23 صفحة.
  4. متفق عليه.
  5. انظر في تفصيل هذا الموضوع: في فقه الأولويات-دراسة جديدة في ضوء القرءان والسنة: ذ. يوسف القرضاوي، القاهرة: مكتبة وهبة، ط الأولى: 1415ﻫ/1995م.
  6. انظر:

les beurs tels qu’ils se voient in le nouvel observateur-paris n): 1517.

نقلا عن: عبد الصمد بن كيران، مرجع سابق، ص: 24. 2- 8 décembre 1993, p. p4- 8.

  1. الحديث في سنن أبي داوود وعند البخاري في الأدب المفرد، وأورده اللباني في صحيح الجامع الصغير 5/163 رقم 5581.
  2. الحديث رواه أحمد والترمذي.
  3. رغم أن الشرع أباح للمسلم الزواج من الكتابية إلا أن الغالب اليوم في مثل هذه الزيجات الفشل وإضاعة عذرية مسلمة، ومعروف أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه منع هذا الزواج لما رأى تهافت بعض المسلمين في خلافته على الزواج من الروميات وخاف بوار المسلمات. وليس المقصود هنا المنع التشريعي ولكن سد منافذ وتشجيع البديل الأفضل.
  4. في استطلاع الرأي المشار إليه سابقا حوالي 65 بالمائة من الفتيات المغربيات أجبن بأنهن لا يجدن مانعا من الزواج بالنصارى!! انظر: بنكيران مرجع سابق ص: 25.
  5. انظر: الاهتمام بتربية المرأة ودعوتها (1 من 2): عبد اللطيف بن محمد الحسن. مجلة “البيان” السنة 12 ع 16: ربيع الثاني 1418ﻫ/أغسطس 1997م. (شهرية تصدر عن المنتدى الإسلامي بلندن).
  6. وحتى العلماء والمثقفون غالبا ما يهتمون بدراسة الإسلام نتيجة الاحتكاك بالمسلمين أو دراسة العالم الإسلامي وقضاياه.
  7. انظر مناقشة هذه الفكرة في: فقه الأولويات، مرجع سابق، ص: 90-91.
  8. رواه الحاكم عن ابن مسعود.
Science
الوسوم

د. أحمد السنوني

دكتوراه الدولة في العلوم الإسلامية والحديث من دار الحديث الحسنية في موضوع «تطور علم أصول الفقه من “رسالة” الإمام الشافعي إلى “واضح” ابن عقيل الحنبلي: مباحث من الإجماع نموذجا».
– الأمين العام المساعد للرابطة المحمدية للعلماء.
– عضو جمعية العلماء خريجي دار الحديث الحسنية.
– عضو دائرة الرباط العلمية للبحث في الدراسات الإسلامية (كلية الآداب بجامعة محمد الخامس- أكدال).
– عضو فريق مشروع تأليف تجديدي في علم أصول الفقه (التجديد الأصولي).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق