وحدة الإحياءدراسات عامة

“الله متكلما”: من الكلام الصفة إلى الكلام الخطاب في المفهوم الإسلامي للوحي

يقول أبو حامد الغزالي: “.. فلينظر كيف لطف بخلقه في إيصال معاني كلامه الذي هو صفة قديمة قائمة بذاته إلى أفهام خلقه، وكيف تجلت لهم تلك الصفة في طي حروف وأصوات، هي صفات البشر إذ يعجز البشر عن الوصول إلى فهم صفات الله، عز وجل، إلا بوسيلة صفات نفسه. ولولا استتار كنه جلالة كلامه بكسوة الحروف لما ثبت لسماع الكلام عرش ولتلاشى ما بينهما من عظمة سلطانه وسبحات أنواره”[1].

يطرح الغزالي في هذا النص إشكالا عقديا عصيا عادة ما يتجنبه المتكلمون الذين يتفقون حول صفة الكلام؛ أي اعتبار الله متكلما، كما يتفقون في أن القرآن كلامه، بيد أنهم يختلفون اختلافا واسعا في تحديد العلاقة بين الكلام الصفة والكلام الخطاب. إن الإشكال الذي سيشغلنا هنا هو ضبط أثر هذا الإشكال على طبيعة المنظور التأويلي للنص المنزل، متسائلين عن سبب إغفال المفسرين (الذين هم في غالبهم من المتكلمين) لهذا السؤال الذي طرحه الغزالي؛ أي كيف للصفة القديمة القائمة بذات الله أن تصل إلى أفهام الخلق؟

إنما لاحظه “توماس باور” من عدم إسهام المتكلمين في تفسير القرآن وعزوفهم عن الرجوع إليه في استخراج عقيدة شاملة[2] هو في حقيقته مظهر لهذا الانزياح الإشكالي بين مركزية “الكلام الإلهي” في علم الكلام (ربما كانت أصل التسمية نفسها) والإحجام الظاهر عن الخوض في طبيعة كلام الله المنزل من حيث علاقته بصفته.

أولا: الكلام والتنزيل

 يلخص “ابن حزم” مواقف المتكلمين من صفة الكلام بقوله: “واختلفوا في كلام الله، عز وجل، بعد أن أجمع أهل الإسلام كلهم أن لله تعالى كلاما… ثم قالت المعتزلة: إن كلام الله تعالى صفة فعل مخلوق… وقال أهل السنة: إن كلام الله تعالى هو علمه لم يزل وهو غير مخلوق… وقالت الأشعرية: كلام الله تعالى صفة ذات ولم تزل غير مخلوقة وهو غير الله تعالى وخلاف الله تعالى، وهو غير علم الله تعالى، وأنه ليس لله تعالى إلا كلام واحد”[3].

إن مصدر هذا الخلاف راجع إلى الإشكال الجوهري المعروف بعلاقة الذات والصفات، وتحديد موقع الكلام ضمن التمييز المعروف بين صفات الذات والأفعال. وليس من همنا الوقوف عند تفاصيل هذا الإشكال، وإنما حسبنا الإشارة إلى ما يتصل منه بصفة الكلام.

إن الهم الذي شغل المتكلمين في هذا السياق ينحصر في إشكالين رئيسيين؛ يتعلق أولهما بالسمة الصوتية في اللغة؛ أي جانبها الحسي الذي يتضمن جارحة النطق وأثره المكتوب والمسموع، ويتعلق ثانيهما بالسمة الزمنية في الخطاب باعتبار سياق الكلام وظرفيته المحدودة.

من هذا المنظور ندرك التمايز بين الاتجاهات الكلامية الثلاث الأساسية في مسالة “خلق القرآن” مع الاتفاق في أنه كلام الله، بحسب اختلافها في تصور علاقة الذات بصفاتها.

إن الإطار الإشكالي الناظم لهذا الاختلاف يتحدد في مقتضى الحفاظ على التوحيد الذي هو المرجعية الجامعة من أحد منزلقين: تصور القرآن كتجسيد للكلام الإلهي (على غرار التصور المسيحي للكلمة المجسدة) أو نفي سمة الكلام الإلهي عنه من حيث هو منفصل عن ذاته.

ولقد حاولت المدارس الكلامية المختلفة تقديم صياغات متمايزة لهذا المطلب، انطلاقها من تصورها لطبيعة الكلام: هل هو الجانب الدلالي من الكلام؛ أي “الحروف والأصوات” كما يرى المعتزلة، أو هو “المعنى القائم بالنفس” كما يرى الأشاعرة.

ما ذهب إليه المعتزلة من أن الكلام هو “الحروف المنظمة والأصوات المقطعة” أو هو “الحروف المفيدة”[4] يؤدي ضرورة إلى القول بخلق القرآن لنفي الصفات الحسية الجسمية عن الله. ومن هنا ندرك ذهاب طائفة من المعتزلة إلى أن “كلام الله جسم”، في حين ذهبت طائفة أخرى إلى أنه “عرض”[5]، تأكيدا لهذا التصور الحسي للكلام بما فيه الكلام الإلهي “المخلوق”.

لقد أدى هذا التصور للكلام الإلهي إلى عدد من الإشكالات الفرعية العصية من نوع: هل يبقى الكلام الإلهي ما دام جسما وعرضا؟ وهل يتغير الكلام باختلاف القراءة؟ وهل الكلام هو القراءة أم غيرها؟ وهل يوجد الكلام مع الكتابة أم أن الكتابة مستقلة عن الكلام وإن كانت دالة عليه؟

إن مصدر هذه الإشكاليات التي اختلف في الرد عليها المعتزلة هو التعارض بين القول بالأصل الإلهي للكلام واعتباره حادثا مخلوقا، قياسا على الأجسام المخلوقة التي ليست صفات إلهية وإن كانت أثرا للفعل الإلهي.

ومن هنا الإشكال الكبير المتعلق بمنزلة النص المقروء المسموع (المصحف) بالوحي الإلهي المنزل، بحيث أن “إمام الحرمين الجويني” اعتبر أن الأطروحة الاعتزالية في الكلام الإلهي تفضي منطقيا إلى نفي أن يكون الكتاب المقروء كلام الله: “مذهب جمهوركم أنه كلام الله تعالى؛ إذ خلقه كان أصواتا، ثم انصرمت وانقضت، والمتلو المحفوظ ليس بكلام الله. والمصير إلى نفي كلام الله تعالى، أبشع وأشنع من المماراة في صفة الكلام”[6]. إن ما يريده الجويني هو بيان أن اعتبار الكلام صفة فعل؛ بمعنى خلق الأجسام يؤدي عمليا إلى نفي صفة الكلام عن الله؛ لأن المتكلم فعلا هو الجسم المخلوق، “فمحصول أصلهم: أنه ليس لله تعالى عن قولهم كلام، وإنما يخلق أصواتا في جسم من الأجسام دال على إرادته”[7].

أما الأشاعرة فذهبوا إلى التصور الدلالي للكلام باعتباره معنى قائما بالنفس منفصلا عن الأصوات والحروف التي تعبر عنه. تكاد تتكرر العبارات لدى أئمة الأشاعرة في تعريف الكلام، فهو “الفكر الذي يدور في الخلد وتدل عليه العبارات وما يصطلح عليه من الإشارات ونحوه”[8]. ومن ثم فإن عبارة كلام تطلق تجوزا على هذا الفكر المنطوق، إلى حد تصور “نطق عقلي من غير حرف وصوت” حسب الشهرستاني[9].

إن هذا التصور الدلالي للكلام من حيث هو فكر الذات الداخلي يفضي إلى إشكالين كبيرين: يتعلق أولهما باختلاف وتنوع كلام الله من حيث اللغة وصيغ الخطاب (الأخبار والأمر والوعد..)، ويتعلق ثانيهما بالتمايز الحاصل ضرورة بين كلام الله النفسي وكلامه اللفظي.

لقد ذهب الأشاعرة، عموما، إلى أن كلام الله واحد لا يتغير بتغير المقام والرسالة والسياق، قياسا على باقي الصفات الذاتية مثل العلم والقدرة والإرادة. وقد أقر الجويني باستحالة التبرير العقلي في مسالة “اتحاد الصفات” معتبرا أنه “ليس من مدارك العقول، بل هو مستند إلى قضية الشرع وموجب السمع”[10].

إن مصدر هذا الإشكال هو أن الأشاعرة اضطروا في مخالفتهم لأطروحة خلق القرآن إلى القول بقدمه من حيث هو صفة نفسية ذاتية، لكنهم واجهوا معضلة سياق الخطاب الذي يتعلق ببشر مخلوق محدث، فلم يعتمدوا موقف “ابن كلاب” بربط صيغ الخطاب التكليفية بعلة خارجية تنقل النص المنزل من القدم إلى الحدوث، فاعتبروا القرآن قديما ورأوا أن الخطاب لا يقتضي ضرورة وجود المخاطب[11].

أما التمييز بين الكلام النفسي واللفظي فقد اقتضاه تعريف الكلام بأنه المعنى الداخلي القديم الذي لا يفارق الذات، بحيث يصبح التعبير اللفظي مجرد نقل للدلالة، وبذلك لا يدخل في عملية التفكير وصياغة التصور. بل إن الموقف الأشعري يذهب إلى حد الفصل بين النطق والتعبير اللفظي، باعتبار أن النطق متصل بالمعنى لا اللفظ، ومن هنا القول بالنطق “العقلي” والنطق “النفسي” إلى حد أن يصبح الخطاب اللفظي مجرد مستوى ثانوي من مستويات الكلام[12].

إن المشكل الذي يطرحه هذا التصور للكلام الإلهي هو تحديد منزلة النص المقروء المسموع (القرآن الكريم) ضمن التمييز بين المعاني التي هي الكلام القائم بالذات والألفاظ التي هي التعبير اللغوي عن هذه المعاني.

فإذا كان الأشاعرة كغيرهم من طوائف الإسلام يؤكدون على أن الكتاب المنزل المقروء المسموع هو كتاب الله حقيقة، إلا أنهم يجدون مصاعب نظرية حقيقية في ضبط التمييز بين ما يتصل منه بالكلام النفسي (القديم القائم بذات الله) والكلام اللفظي الذي يتنزل في صيغ صوتية وحسية (الأصوات والحروف).

لقد رفض الأشاعرة أن يقال إن كلام الله “عبارة أو حكاية” أو أن الإنسان يمكن أن يتكلم بكلام الله في حال قراءته للمصحف[13]، بل إن الجويني يذهب بوضوح إلى أن كلام الله وإن كان مكتوبا في المصحف فإنه “ليس حالا فيه” انسجاما مع رفض اتصاله بالأجسام المحدثة من حروف وأسطر[14].

لقد جر هذا التصور التمييزي بين الكلام النفسي والكلام اللفظي إلى التمييز بين القراءة (التي هي عمل بشري) والمقروء (كلام الله غير المخلوق)، والتلاوة والمتلو، والكتابة والمكتوب. ومع احتراز الأشاعرة في مصنفاتهم الكلامية عن القول بأن الكلام الإلهي الملفوظ ليس هو كلام الله النفسي، إلا أن خصومهم ألزموهم بهذه النتيجة؛ أي اعتبار أن القرآن قديم لكن “الذي بين أيدينا ليس كلام الله”[15]. ولقد أورد “السيوطي” ثلاثة أقوال في الموضوع هي: أن المنزل من الوحي هو اللفظ والمعنى معا، أو أن جبريل نزل بالمعاني وحدها أما التعبير بالألفاظ بلغة العرب فمن النبي، صلى الله عليه وسلم، أما القول الثالث أن جبريل “ألقى إليه المعنى وأنه عبر بهذه الألفاظ بلغة العرب”، وعزا للجويني التمييز داخل النص بين المقروء الذي لا دخل فيه للنبي، صلى الله عليه وسلم، والمعاني التي وردت إليه دون ألفاظ[16].

أما أهل الحديث (الحنابلة) فقد انفردوا بالقول أن كلام الله قديم وأنه الأصوات والحروف لا فرق فيه بين النفسي واللفظي والقراءة والمقروء. يلخص “ابن تيمية” تصور ابن حنبل واتباعه بقوله: “فقد نص أحمد وغيره على أن كلام العباد مخلوق. وهم إنما يتكلمون بالأسماء والحروف التي يوجد نظيرها في كلام الله تعالى، لكن الله تكلم بها بصوت نفسه وحروف نفسه وذلك غير مخلوق. وصفات الله تعالى لا تماثل صفات العباد، فإن الله تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته، ولا صفاته، ولا أفعاله”[17].

ينسجم تصور الحنابلة للكلام مع مذهبهم في الصفات الذي يقوم على مبدإ رفض التأويل، دون تشبيه، ومن ثم استنتاج القول بأن القرآن ألفاظا ومعاني وأصواتا كلام الله، مع التمييز بين الطبيعة الإلهية للكلام المنزل وطبيعة الكلام البشري المخلوق. بيد أن الإشكال يبرز عصيا في تحديد العلاقة بين السمة المشتركة بين الخالق والمخلوق (الكلام)، والعلاقة بين المقروء القديم والقراءة البشرية الحادثة.

وإذا كان الحنابلة الأوائل يرفضون الخوض في هذه الإشكالات باعتباره ابتداعا ونكوصا عن نهج السلف مكتفين بإيراد النصوص من القرآن والحديث الداعمة لموقفهم[18]،  فإن ابن تيمية يتصور الاشتراك في صفة الكلام بالدلالة الاسمية المجردة لا الحقيقية العينية: “هذا المشترك أمر كلي لا يوجد كليا إلا في الأذهان لا في الأعيان”[19].

بيد أن المشكل الذي يتولد عن المقاربة التيمية هو التوفيق بين صفة الكلام الإلهي المثبت الذي لا يشبه كلام المخلوقين في شيء والنص المنزل الذي يعتبر كلام الله الحقيقي لا دخل للبشر فيه لا تنزيلا ولا تأويلا. فإذا كانت الأطروحة الاعتزالية في خلق القرآن وافقت “أهل الحديث” في التصور الحسي للكلام (الحروف والأصوات) إلا أنها اعتبرت القرآن مخلوقا لنفي التجسيم عنه، في حين اعتبر الأشاعرة أن كلام الله صفة ذاتية لكنهم اعتبروا الكلام الحقيقي هو الكلام النفسي القائم بالذات مراعاة للمطلب ذاته،  في الوقت الذي جمع الحنابلة بين الموقفين (كلام الله أصواتا وحروفا) من منطلق إثبات الصفات المنصوصة، مع استبدال التأويل بنمط من “اللاهوت السلبي” يفضي إلى نفي؛ أي إدراك ممكن لطبيعة الكلام الإلهي.

إن هذا التذبذب الكلامي الجلي في تحديد علاقة الكلام الإلهي بالخطاب الإلهي الموجه للبشر، ناتج عن الحرج الجلي في القول بكلام الهي متجسد في كتاب أو لغة بشرية، وهو التصور اليهودي-المسيحي الذي لا يمكن أن تقول به فرقة من فرق الإسلام.

في اليهودية ينكشف الله في ألواحه المكتوبة “بخط يده”، في حين يتجسد بالنسبة للمسيحية في كلمته التي أخذت شكل بشر (المسيح)، أما ما يجمع مختلف أقوال الفرق الإسلامية فهو التمييز الصريح أو الضمني بين الله وكلامه؛ أي الاتفاق على أن القرآن ليس هو الله وليس التعبير عن ذاته، مهما كان الاختلاف في الصياغات الكلامية لهذا التمييز.

فالوحي من حيث هو مسار تنزل لا يعني أكثر من أن أصله إلهي ومن ثم سلطته المطلقة وحجيته الكاملة، فالسمة التي يتم التركيز عليها هي جانبه الرسالي؛ أي طبيعته كخطاب موجه للبشر يعبر عن القدر الإلهي وعن التكاليف التعبدية، ومن هنا يمكن القول أن الكلام بقدر ما يعني الإقرار لله بصفة الكلام يعني، أيضا وأساسا، فعل الله وقدرته التي تتحقق في كلامه[20].

ومن هنا يقود مشكل التنزيل؛ (أي النزول من الأصل الإلهي إلى الفهم البشري) إلى مشكل تأويلي عصي، أساسه ما أشار إليه الغزالي من حيرة إزاء إدراك الصفة الإلهية القديمة كما تتقدم في خطاب بلغة البشر ومألوفهم في التعبير والفهم.

ثانيا: الكلام والتأويل

رغم الكلام السائد حول انغلاق الأرثوذكسية الإسلامية” في التعامل مع النص القرآني باعتبار عقيدة “الكلام الإلهي المنزل”[21]، فإن التراث التفسيري الإسلامي الوسيط يعبر عن ثراء واسع في الفهم والتأويل. إن السبب الرئيس لهذا الاختلاف هو أن عقيدة الكلام الإلهي بقدر ما تعني صدق النص ووضوح بيانه تعني في نفس الوقت سموه وتعاليه عن محدودية الفهم البشري. وكما يلاحظ “توماس باور”: “إن الحالة الوجودية للقرآن طبقا للعقيدة المختصة ليس لها تأثير على إمكانية التفسير، لأنه يمكن أن يكون الله قد وضع في النص كل المعاني المعقولة و الممكنة في الأزمنة المختلفة، دون أن يجب أن تكون تلك المعاني معروفة كلها في زمن معين”[22].

ما يعنيه “باور” هو أن الإيمان بوحدة المعنى والحقيقة في النص الإلهي لا يعني القدرة على استكشاف هذا المعنى وتلك الحقيقة بالنسبة للفهم البشري الذي تظل تأويلاته قاصرة عن الإحاطة بمضامين الكلام الإلهي.

إن الحاجة إلى التفسير هي بذاتها دليل على الإقرار بعدم شفافية النص أمام الوعي البشري[23]، بحيث يمكن القول أن التفسير وإن نحى إجمالا إلى شرح كلمات القرآن ونظمه، فإنه لا يمكن أن يخلو من تأويل يتجاوز الجانب اللغوي المباشر في النص.

لقد حاول علماء الإسلام (من الأشاعرة خصوصا) منذ القرن الخامس الهجري وضع قانون للتأويل يكون منهجا دقيقا لفهم النص، أدق صياغاته نلمسها لدى أبي حامد الغزالي (ومن بعده فخر الدين الرازي) في ما وراء المقاربة البيانية التي اعتمدها الأصوليون في طريقتهم لاستخراج الأحكام من النص.

التأويل في المنظور الأصولي (الذي يعتمد نفس المنهج المتبع لدى المفسرين) هو حسب عبارة الجويني؛ “رد الظاهر إلى ما إليه مآله في دعوى المؤول”[24]، انطلاقا من التمييز المعروف داخل الكلام المجمل بين النص الصريح (الذي لا يقبل التأويل) والسياق الذي يحتاج لتأويل يكون مرجعه الظاهر القطعي.

ولقد أوضح الغزالي هذا المعنى بعبارة أدق بقوله: “إن التأويل عبارة عن احتمال يعضده دليل يصير به أغلب على الظن من المعنى الذي يدل عليه الظاهر”[25].

ولابد، هنا، من الانتباه إلى التمييز الأشعري بين الظاهر والموضوع (الوجود الخارجي)، انسياقا مع التمييز الكلامي بين الكلام النفسي الذي هو معان صرفة منفصلة عن الجانب الحسي في الظاهرة اللغوية، بما يفسر رفض الأشاعرة لأطروحة اصطلاحية اللغة التي تقتضي أسبقية الواقع على العبارات الدالة عليه. ذلك هو ما عبر عنه “فخر الدين الرازي” بقوله: “إن الألفاظ ما وضعت للدلالة على الموجودات الخارجية،  بل وضعت للدلالة على المعاني الذهنية”[26].

التأويل من المنظور الأصولي (لدى أهل الكلام) يندرج في التصورات البلاغية للغة وفق نموذجهم المحوري القائم على التمييز بين الحقيقة والمجاز[27] فهو ترجيح احتمال وارد في الدلالة بالرجوع إلى دليل أو قرينة، ولذا فإنه في الغالب ظني واجتهادي، بما يفسح الباب أمام تعدد القراءات والتأويلات الممكنة للنص.

لقد أراد الغزالي وضع “قانون” منظم للتأويل الأصولي يخرجه من وضعه الاحتمالي الظني من خلال نموذج البرهان المنطقي في كتابه “القسطاس المستقيم” الذي بلور فيه “موازين القرآن في المعرفة” التي هي “ميزان التعادل، وميزان التلازم، وميزان التعاند”[28]، بيد أن هذا القانون أفضى إلى تضييق مجال التأويل بحصره في المؤول القادر على إقامة الأقيسة المنطقية.

بالإضافة إلى هذين النموذجين الأصولي (البياني) والمنطقي، بلور الغزالي في أعماله الأخيرة قانونا للتأويل يمكن أن نطلق عليه سمة؛ “القانون الأنطولوجي” يربط مسار التأويل بمعاني الوجود والكوسمولوجيا الروحية المرتبطة به بتوظيف مقولات التأويلية السينوية في الوجود ونظرية ابن سينا في النبوة.

لقد بسط الغزالي قانونه التأويلي في “فيصل التفرقة” و”الإحياء” وطبقه في “جواهر القرآن” و”مشكاة الأنوار”.

في “فيصل التفرقة”، يعدل الغزالي عن التصور الأصولي الضيق للدلالة الذي يتمحور حول نظرية “المواضعة” البلاغية وثلاثية “المطابقة والتضمن والالتزام”، كما يتجاوز النموذج المنطقي الذي بنى عليه قانون التأويل، في تحول منهجي مهم من التأويل النصي إلى التأويل الوجودي؛ أي تعدد الحقيقة بتعدد مستوياتها الوجودية.

إن مصدر هذا المنعرج هو إدراك التمايز الضروري بين الحقيقة في مصدرها الإلهي، والحقيقة في الفهم البشري، بما يفسح المجال أمام تعددية القراءات المقبولة للنص لا بحسب أصله، وإنما بحسب متلقيه، ذلك ما يوضحه الغزالي بقوله: “ولعلك إن أنصفت علمت أن من جعل الحق وقفا على أحد من النظار بعينه فهو إلى الكفر والتناقض أقرب”[29].

من هذا المنظور يتحول التركيز في فهم الإيمان والتصديق من التمسك بظواهر النصوص أو تأويلاتها المجازية وفق ضرورات التعبير بالرجوع دوما إلى الأصل–المرجع (الحقيقة)، إلى توسيع دائرة الحقيقة نفسها لتشمل مستويات خمسة في الوجود هي: الوجود الذاتي، والوجود الحسي، والوجود الخيالي، والوجود العقلي، والوجود الشبهي؛ “فمن اعترف بوجود ما اخبر الرسول، صلى الله عليه وسلم، عن وجوده بوجه من هذه الوجوه الخمسة فليس مكذبا على الإطلاق”[30].

من الواضح، إذن، أن قانون التأويل من منظور تعددية الوجود يندرج في سياق التأسيس الميتافيزيقي الجديد الذي بلوره ابن سينا في تمييزه بين الماهية والوجود، والوجود الممكن، والوجود الضروري، بما أفضى إلى نمط “تأويلية التناسب” بحسب تنوع مستويات الوجود وما يترتب عليها من تعدد مستويات الخطاب. إنها الأطروحة نفسها التي يرجع إليها “ابن رشد” في تأويليته[31] كما أنها هي الأساس لميتافيزقا التناسب (convenientia) في اللاهوت المسيحي الوسيط[32].

وإذا كان الغزالي في “فيصل التفرقة” يحافظ على فكرة قانون إجماعي للتأويل لسد الخلافات الممكنة في الفهم مستندا إلى نموذجه المنطقي الذي بلور في “القسطاس”،  إلا أن النتيجة التي يخلص إليها هي أنه لا تكفير مع التأويل ولو كان خاطئا، ولا مناص من التأويل “وما من فريق من أهل الإسلام إلا مضطر له”[33].

إن هذه التأويلية الأنطولوجية بقدر ما تنطلق من تعددية مستويات الوجود، تتبنى في الوقت نفسه المقاربة السينوية في “كوسمولوجيا الأنوار” بتمييزها بين ظاهر الوجود وباطنه استنادا إلى تعدد مراتبه التي هي موضوع علم “الإلهيات” الذي بلوره ابن سينا في نسقه الميتافزيقي (كتاب الشفاء) وقدم من خلاله فلسفته في النبوة والوحي.

وهكذا تلتقي التأويلية الأنطولوجية والميتافيزيقا الإشراقية في مبحثين متداخلين هما؛ “التأويلية الروحية للعالم”، و”الاهتمام بالذات”؛ أي المسار الروحي للنفس وفق مبدأ “التشبه” بالصفات والأسماء الإلهية العليا في مقابل التشبيه التخييلي الذي هو أول مستويات المعرفة وأحط الحقائق الميتافيزيقية.

إن هذا التصور يولد علاقة ثرية بالنص الذي لا يمكن أن تختزل دلالته في أي فهم بشري باعتبار أن مرجعيته الوجودية لا متناهية ونظام معرفته متوقف على مسار صعود النفس وتساميها الذي لا حد له. ومن هنا تتغير دلالة الحقيقة التي لم تعد تعني التطابق مع أصل المواضعة، سواء كان واقعا أو دلالة أصلية، بل هي محكومة بالانزياح غير المتناهي بين الوحي المنزل في إطلاقيته اللامحدودة والذات المؤولة، بما يبرر قول “كرستيان جامبيه” إن الإسلام يحتوي ضمنيا نمطا من “الأنطولوجيا المحايثة” [34](ontologieimmanente)، ما دام التأويل يظل في أحسن مستوياته بشريا قاصرا عن المعنى الأصلي.

بيد أن هذا التأثير السينوي لا يعني أن الغزالي يعتمد كل تفصيلات نظرية ابن سينا في النبوة ونظريته الكوسمولوجية، بل إنه يتداخل مع فلسفة الوجود السينوية في حوارها الداخلي المستمر مع المفاهيم الكلامية والمقولات الصوفية التي تستبطنها فلسفة ابن سينا ذاتها وتشكل خصوصيتها البارزة.

لقد سعى ابن سينا إلى وضع قانون للتأويل في الاعتقادات يقوم على التمييز بين الخطاب البرهاني الفلسفي والخطاب الموجه للجمهور الذي ليس بإمكانه إدراك المجردات العقلية فلابد من تقريب الحقائق العقلية إليه بلغة التخييل والتشبيه وإلا عاند ورفض الإيمان برسالة الأنبياء[35]. إنه القانون الذي طبقه “فخر الدين الرازي” في تصور الصفات الإلهية ونفي التشبيه عنها في كتابه “أساس التقديس”[36].

في “الجواهر” و”المشكاة” ينطلق الغزالي في منظوره التأويلي من ثنائية “عالم الملك “(عالم الشهادة، وعالم الحس والخيال) و”عالم الملكوت” (عالم الغيب، وعالم الأمر)، هي الثنائية الوجودية التي تتناسب معها الثنائية التأويلية؛ “الظاهر” و”الباطن” مع تأكيد التداخل بين المستويين وجوديا وتأويليا وفق مسار منفتح ومتدرج. وكما هو جلي، يستخدم هنا الغزالي معجما صوفيا مألوفا في كتابات “قوت القلوب” خصوصا كتاب أبي طالب المكي الذي يحمل هذا العنوان[37].

من هذا المنظور يقيم الغزالي تصنيفا تأويليا بين “علوم القشور” أو “الصدف” التي تكتفي بظاهر النص و”علوم اللباب” أو “الجوهر” التي تقف عند إشاراته وحقائقه الباطنة، بما يوضحه في قوله: “واعلم أن الشهادة بالإضافة إلى عالم الملكوت كالقشر بالإضافة إلى اللب، وكالصورة والقالب بالإضافة إلى الروح، وكالظلمة بالإضافة إلى النور، وكالسفل بالإضافة إلى العلو. ولذلك سمي عالم الملكوت العالم العلوي والعالم الروحاني، والعالم النوراني، وفي مقابلته السفلي والجسمي والظلماني”[38].

“علوم الصدف” هي التي تقف عند ظاهر النص، وهي إجمالا العلوم اللغوية التي تهتم بشرح العبارات وضبط الأصوات والقراءات، أما علوم اللباب فهي التي تتعلق بدلالة النص في جوانبه الإخبارية (القصص) والعقدية (علم الكلام) والأمرية (الفقهية)، وأما الطبقة العليا من علوم اللباب فهي العلوم المتعلقة بمعرفة الله والوصول إليه بالتزكية وآداب السلوك[39].

في أعلى هذه السلم يذكر الغزالي “علم الذات” الذي يصفه بأنه يسمو عن “أكثر الأفهام”، مميزا بينه ونهج المعرفة بالصفات والأفعال الذي هو موضوع “علم الكلام”[40].

الكلام الإلهي من هذا المنظور التأويلي لم يعد ينظر إليه في تجربة الخطاب والنص، بل في تجربة الحجاب الغيبي الكثيف الذي يفصل الإنسان عن ربه وعليه أن يجتهد في التقرب والقرب لاختراقه؛ وهو الاختراق الذي لا سبيل إليه كليا، بحيث أن شفافية الاتصال، التي هي الفكرة الناظمة لعلوم الشريعة (الخطاب المبين)، لا يمكن أن تلغي مسافة الاحتجاب التي هي مدار الارتقاء والتسامي البشري.

يقول الغزالي: “فالكلام كالملك المحجوب الغائب وجهه النافذ أمره، وكالشمس العزيزة الظاهرة مكنون عنصرها وكالنجوم الزهرة التي قد يهتدى بها من لا يقف على سيرها، فهو مفتاح الخزائن النفيسة وشراب الحياة الذي من شرب منه لم يمت ودواء الأسقام الذي سقي منه لم يسقم”[41].

لقد اعتبر “ابن تيمية” أن قوانين التأويل التي وضعها المتكلمون تدخل في منطق العقائد المقننة لدى المسيحيين[42]، وهو يعني هنا أساسا تأويلية الرازي المبنية على تقديم العقل في العقديات إذا تعارض مع النص، معتبرا، في مقابل تصور الرازي، “أن كل ما قام عليه دليل قطعي سمعي يمتنع أن يعارضه قطعي عقلي”[43]. ما يريده ابن تيمية هو إرجاع مصدر المعقولات إلى النص بالتماثل مع المنقول؛ أي الانطلاق من أن صحيح النقل يتماهى مع سليم الاستخدام العقلي[44].

 إلا أن هذه المصادرة التأويلية لا تدل في الحقيقة إلا على الجهد التأويلي المطلوب للتوفيق بين المعقول والمنقول ما دام المبدأ المسبق هو الإقرار بتوافقهما. ومن ثم فإن تأويلية ابن تيمية التي ترفض مرجعية الميزان المنطقي كما ترفض تقييد الدلالة بالرجوع إلى الحقيقة–الأصل (نفي المجاز)، تفضي إلى اختزال الكلام الإلهي في الرسالة التكليفية والحكم باستحالة الوصول إلى معاني ودلالات الكلام الإلهي المتعلق بذاته وصفاته.

ثالثا: الوحي والنص: الإشكالات الراهنة

اهتم الفكر العربي الإسلامي بمسألة “كلام الله” من خلال توجهين بارزين: “ظاهرة الوحي”؛ أي اتصال الإلهي بالبشري بواسطة الكلمة المنزلة، و”الظاهرة القرآنية”؛ أي مسار تشكل النص من حيث الصدور والتلقي.

ولقد تمحور التوجه الأول حول النظر للوحي من حيث الأبعاد الأنثربولوجية والنفسية، في محاولة لتفسيره من حيث هو ظاهرة رمزية شعورية طبيعية. بالنسبة لمحمد أركون تدرس ظاهرة الوحي في الإسلام كما في الديانات الإبراهيمية كلها بصفتها “تركيبة اجتماعية لغوية مدعمة من قبل العصبيات التاريخية المشتركة والإحساس بالانتماء إلى تاريخ النجاة المشترك لدى الجميع”[45].

ما يريده أركون هو النظر إلى الوحي من حيث العلاقة التي يقيمها بين صدق الرسالة ومصدر الخطاب، الله تعالى، وما يترتب على هذه العلاقة من سلطة تأويل ونظام اجتماعي مقدس. ذلك ما يعنيه بقوله أن الوحي بما يصدر عنه من خطاب هو العامل الحاسم في تشكل؛ “المخيال الديني، السياسي،  الاجتماعي”[46] الذي تسعى العلوم الإنسانية لاستكشافه نقديا وتفكيكيا.

لا تختلف مقاربة “هشام جعيط” للوحي (التي يصفها بالفينمونولوجية) عن هذا التصور للوحي من حيث هو “جدل بين أعماق الضمير المحمدي وهو الإله الداخلي وبين الإله الخارجي فيما وراء العالم”[47]. كما أن مقاربة “نصر حامد أبو زيد التي يدعي لها السمة الهرمينوطيقية تدخل في الاتجاه نفسه في محاولته لتفسير الوحي كتجربة اتصال بين البشري والروحي من حيث هي حالة من الرؤيا أو التجربة “الانفعالية الخلاقة” تتم في سباق ثقافي ومجتمعي هو الحاسم في تشكل دلالته[48].

بيد أن الإشكال الذي تطرحه هذه المقاربة، في ما وراء ادعاءاتها المنهجية التي تعوزها الدقة، هو أنها في محاولتها لتفسير الوحي من منظور وضعي (نفساني أو أنثربولوجي) لا تتعدى الوقوف عند السياقات الرمزية والشعورية العامة للمخيال الديني الذي يتجاوز ظاهرة الوحي بصفتها كلام الله الموجه للبشر في كتاب منزل. ما لا يمكن أن تفسره المقاربات الوضعية هو محددات الثقة في الرسالة وصدقية الظاهرة النبوية والإيمان بالخطاب وتلك أسس الوحي التي تتنزل في دائرة الاعتقاد ومنطق الشهادة والرواية؛ أي سياق التقليد الذي له أدوات تحققه ومعايير استدلاله.

أما “الظاهرة القرآنية” فقد عولجت في الغالب من منظور النقدية التاريخية التي طبقت على الكتب الدينية الأخرى (العهد القديم والعهد الجديد) بتوظيف كتابات المستشرقين الكلاسيكية ودراسات “المراجعين الجدد” التي تأرجحت بين النظر للقرآن كنسخة يهودية–إنجيلية محرفة أو كنتاج عصر ما بعد النبوة أو العصر الكلاسيكي المتأخر السابق على الإسلام[49].

نلمس أثر هذه المقاربة النقدية في كتابات “محمد أركون” التي يكتفي عادة بتلخيص الدراسات القرآنية الغربية، كما نلمسها في أبحاث “عبد المجيد الشرفي” في ربطه “للدعوة المحمدية” بالسياق الاجتماعي المكي والبيئة الروحية للجزيرة العربية والشرق الأدنى[50]. وفي الاتجاه نفسه تندرج مقاربة “محمد عابد الجابري: في دراسة الظاهرة القرآنية من حيث هي ظاهرة “عربية” في “انتمائها اللغوي والاجتماعي والثقافي”[51]، بما يستدعي ربطها بالتحولات الدينية في المسيحية المتأخرة وبالنسق الديني للمجتمع العربي.

إن هذه المقاربة التاريخية النقدية، فضلا عن كونها لم تفض بعد جهد طويل إلى تقويض الأطروحة الإسلامية التقليدية حول تاريخ القرآن وجمعه[52]، تقوم على نمط من المصادرة التأويلية الاختزالية الفقيرة ببحثها عن دلالة النص في سياق إنتاجه وتلقيه الأصليين، وهي مهمة مستحيلة باعتبار أن القارئ لا يمكننه أن يتحرر من وضعه التأويلي الحاضر،  ومسار إنتاج النص لا ينحصر في لحظة “الظهور” وإنما هو حصيلة تراثه التأويلي المستمر.

لقد قام المفكر الإيراني “عبد الكريم سروش” بمحاولة كلامية جديدة في تفسير الوحي من منظور مقاربته في “القبض والبسط” التي طبقها على “التجربة النبوية” من زاوية صوفية عرفانية تنظر للنبوة من حيث هي تجربة كشف قصوى يتفاعل فيها الإلهي مع البشري[53]. ومن الجلي أن هذه الأطروحة الجريئة التي أثارت جدلا واسعا لا تضيف شيئا على السياق الكلامي الكلاسيكي وإن سلطت عليه اهتمامات راهنة.

ما نود أن نبينه هو أن المحاولات الراهنة التي قدمت في مقاربة الوحي لم تستطع الاستفادة من الثورة التأويلية الكبرى في فلسفة الدين المعاصرة في إعادة استكشافها للوحي من حيث هو نمط من الكلام مغاير للخطاب الوصفي التمثلي الذي تختزل فيه عادة دائرة المعنى والحقيقة.

لقد لاحظنا أن الغزالي (ومعه اتجاه التأويلية الإشارية) انتبه إلى ضرورة إخراج التأويل القرآني من ثنائية الإملاء–الإيحاء وما تقتضيه من شفافية اتصال مباشر بين مصدر الرسالة ومتلقيها، باعتبار التمايز اللامتناهي بين صفة الكلام الإلهي وقابلية البشر للفهم عن الله، معتبرا في الآن نفسه أن هذه المسافة ليست حاجزا مغلقا، بل هي مدى متسع لا حدود له للفهم والاستماع والتبصر، بما يحول الحقيقة، في هذا الأفق التأويلي، من معيار المطابقة مع واقع جامد صلب إلى معيار البحث المستمر والاستكشاف المتواصل بالنظر لتعدد مستويات الوجود واتساعه الأنطولوجي وحركته الدائمة.

إن هذا التصور للوحي يخرجنا من منطق الوصف والتصور، ليدخلنا في ما عبر عنه “بول ريكور” بالوظيفة المجازية (Poïétique) الاستعارية للغة التي تعلق الوظيفة التعبيرية المباشرة للغة وتسمح لنا باستعادة الأشياء في سيولتها الأولى قبل خضوعها للتصفية المفهومية التي تجعلها في مقابل ذات مدركة متأملة[54]. الحقيقة من منظور الوحي هي انكشاف وتجلي، ومن ثم لا تنغلق في التصورات والمفاهيم والمعنى المقنن، إنها تقيم أفقا تنبع منه المعاني والدلالات وترسم عالما مفتوحا لا ينغلق في التجربة التاريخية، بل هي بلغة ريكور “مأوى” نسكنه ونستقصي فيه إمكانات وجودنا وعيشنا[55].

وبما أن الاعتقاد الإسلامي يرفض فكرة تجسد الإلهي في الكلام، فإن الكلام الإلهي يدخل في باب “القول” (le dire) السابق على “المقول” (le dit) الذي هو نظام اللغة الاتصالي البشري[56]. ومن هنا لا معنى لتضييق التأويل وحصر المعاني في الأفهام المحدودة، كما قال الغزالي: “فاعلم أن من زعم أن لا معنى للقرآن إلا ما ترجمه ظاهر التفسير فهو مخبر عن حد نفسه وهو مصيب عن الأخبار عن نفسه، ولكنه مخطئ في الحكم برد الخلق كافة إلى درجته التي هي حده ومحطه، بل الأخبار والآثار تدل على أن في معاني القرآن متسعا لأرباب الفهم”[57].

الهوامش

[1] أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين (كتاب آداب تلاوة القرآن)، بيروت: دار ابن حزم، 2005 ص332.

[2] توماس باور، ثقافة الالتباس، ترجمة: رضا قطب، بيروت: منشورات الجمل، 2017، ص150-151.

[3] ابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل، تحقيق: سامي أنور جاهين، القاهرة: دار الحديث، 2010، ج2، ص49.

[4] القاضي عبد الجبار، شرح الأصول الخمسة، تحقيق: عبد الكريم عثمان، القاهرة: مكتبة وهبة، 2006، ص526-529.

[5] أبو الحسن الأشعري، مقالات الإسلاميين، بيروت: المكتبة العصرية، 2005، ج1، ص153-154.

من أهم من قال بجسدية القرآن؛ أبو بكر الأصم والجاحظ كما ورد في: الملل والنحل للشهرستاني القسم الأول، المكتبة الأشعرية، مقالات الإسلاميين، ص154-156.

[6] إمام الحرمين الجويني، كتاب الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد، تحقيق: أسعد تميم، بيروت: مؤسسة الكتاب الثقافية، 1996، ص121.

[7] الإمام الجويني، العقيدة النظامية، بيروت: دار سبيل الرشاد ودار النفائس، 2003، ص151-152.

[8] إمام الحرمين الجويني، كتاب الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد، م، س، ص109.

[9] عبد الكريم الشهرستاني، نهاية الإقدام في علم الكلام، القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية، 2009، ص269.

[10] إمام الحرمين الجويني، كتاب الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد، م، س، ص131.

[11] كما يرى دانيال جيمارية رغم غرابة الأطروحة الأشعرية، إلا أنها أكثر معقولية من تصور ابن كلاب لكلام لا يكون أمرا ولا نهيا.

Daniel Gimaret: La doctrine d’Al-Ashari, Cerf Paris, 2007, p. 320.

ذهب فخر الدين الرازي إلى أن الكلام كله خبر سواء كان أمرا أو نهيا، مستنتجا من هذا التعريف أن كلام الله واحد وهو كله خبر. انظر: فخر الدين الرازي، كتاب الأربعين في أصول الدين، تحقيق: أحمد حجازي السقا، بيروت: دار الجيل، 2004، ج1، ص173.

[12] عبد الكريم الشهرستاني، نهاية الإقدام في علم الكلام، ص309-310.

[13] أبوبكر الباقلاني، الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به، القاهرة: مكتبة الخانجي، 2010، ص71.

[14] إمام الحرمين الجويني، كتاب الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد، م، س، ص128.

[15] الشهرستاني، الملل والنحل، م، س، ص85.

[16] السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، تحقيق: أحمد بن علي، القاهرة: دار الحديث، 2006، ج1، ص150-151.

[17] ابن تيمية، الفتاوى، المدينة المنورة: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، 2004، المجلد الثاني عشر، ص64-65.

[18] راجع مثلا: عقائد السلف، للأئمة احمد بن حنبل والبخاري وابن قتيبة وعثمان الدارمي. تحقيق: علي سامي النشار وعمار الطالبي، القاهرة: دار السلام، 2010 (ابن حنبل، ص58-64. ابن قتيبة، ص248-263. الدارمي، ص362-378).

[19] ابن تيمية، الفتاوى، م، س، ص96.

[20] لاحظت “سيلفي بواليفوا” أن القرآن يشبه فعل الخلق الإلهي والفعل الإلهي إجمالا باعتباره كلاما يتحقق عمليا.

Anne Sylvie Boisliveau, Le Coran par lui-même, BrillLeiden, Boston, 2014, p. 139.

[21] راجع مثلا:

Mohammad Arkoun, Lectures du Coran, Maisonneuve et Larose, Paris ,1982, (chap 1:comment lire le coran? P. 1-26.

[22] توماس باور، ثقافة الالتباس، م، س، ص135.

[23] راجع مثلا: “بيان سبب احتياج القرآن إلى التفسير والتأويل” في: سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم الطوفي، الإكسير في علم التفسير، بيروت: دار الكتب العلمية، 2009، ص44-56.

[24] الجويني، البرهان في أصول الفقه، بيروت: دار الكتب العلمية، 1997، ض193.

[25] الغزالي، المستصفى من علم الأصول، بيروت: دار الكتب العلمية، 2010، ص312.

[26] فخر الدين الرازي، المحصول في علم الأصول، بيروت: دار الكتب العلمية، 1999، المجلد الأول، ص51.

[27] يقول الغزالي: “ويشبه أن يكون كل تأويل صرفا للفظ عن الحقيقة إلى المجاز” (المستصفى، م، س، ص312).

[28] الغزالي، القسطاس المستقيم، تحقيق: محمود بيجو، دمشق: المطبعة العلمية، 1993، ص18.

[29] الغزالي، فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة، القاهرة: مكتبة الثقافة الدينية، 2004، ص13.

[30] المرجع نفسه، ص24.

[31] ذلك ما يوضحه مارتن وايتنغامفي:

Martin Whittingham, AL-GHAZALI and the Qu’ran: one book, many meanings, Rouledge London, New York, 2007 p. 23-24.

[32] بين “لان دي لا بيرا” أن ميتافيزيقا ابن سينا في تصورها لمستويات الوجود وتعدده بإضافاتها الغزالية شكلت الثورة اللاهوتية التي أحدثها القديس البرت الكبير في اللاهوت المسيحي الوسيط.

Alain De Libera, Métaphysique et noétique, Albert le Grand, Vrin Paris, 2005, p.115.

[33] الغزالي، فيصل التفرقة، م، س، ص31.

[34] Christian Jambet, L’acte d’Etre:la philosophie de la Révélation chez Molla Sadra, Fayard, Paris, 2002, p.11.

 [35] راجع: ابن سينا، الأضحوية في المعاد،  تحقيق: حسن عاصي، شمس تبريزي تهران، 1983، ص97-98.

[36] فخر الدين الرازي، أساس التقديس، القاهرة: مكتبة الكليات الأزهرية، 1986 (راجع حول مفهومه للتأويل، ص105-109).

[37] Martin Whittingham, AL-GHAZALI and the Qu’ran, p.39.

[38] الغزالي، مشكاة الأنوار ومصفاة الأسرار، بيروت: عالم الكتب، 1986، ص131.

[39] الغزالي، جواهر القرآن، تحقيق: محمد رشيد رضا القباني، بيروت: دار إحياء العلوم، 1990، ص35-43.

[40] المرجع نفسه، ص42.

[41] الغزالي، الإحياء، ص332-333.

[42] ابن تيمية، درء تعارض العقل والنقل، تحقيق: محمد رشاد سالم، الرياض: جامعة الإمام محمد بن سعود، 1991، ج1، ص6.

[43] المرجع نفسه، ص80.

[44] راجع في الموضوع:

John Hoover, IbnTaymiyya ‘s theodicy of perpetual optimism Brill, 2007, p.29-32.

[45] محمد أركون، القرآن: من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني، ترجمة: هاشم صالح، بيروت: دار الطليعة، 2005، ص21.

[46] المرجع نفسه، ص28.

[47] هشام جعيط، في السيرة النبوية: الوحي والقرآن والنبوة، بيروت: دار الطليعة، 1999، ص8.

[48] نصر حامد أبو زيد، مفهوم النص: دراسة في علوم القرآن، المركز الثقافي العربي، مؤسسة مؤمنون بلا حدود، 2014، ص51-52.

[49] للاطلاع على ملخص واف عن هذه الدراسات راجع مقدمة “مهدي عزيز” للكتاب المشترك:

Le Coran: Nouvelles approches Cnrs, Editions Paris, 2013, p.13-35

[50] عبد المجيد الشرفي، الإسلام بين الرسالة والتاريخ، بيروت: دار الطليعة، 2001، ص30-58.

[51] محمد عابد الجابري، مدخل إلى القرآن الكريم، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2006، ج1 في التعريف بالقرآن، ص28.

[52] راجع في الموضوع:

Michel Orcel, L’invention de l’Islam: Enquête historique sur les origines, Perrin, 2012, p.41-69.

[53] عبد الكريم سروش، بسط التجربة النبوية، ترجمة: أحمد القبانجي، بيروت-بغداد: منشورات الجمل، 2009، ص16.

[54] Paul Ricoeur, “herméneutique de l’idée de Révélation”, Ecrits et conférences 2 Herméneutique, Seuil Paris, 2010, p. 243.

[55] ibid, p.245.

[56] نستخدم التمييز بين القول والمقول وفق مقاربة الفيلسوف “إمانيال لفيناس”:

Emmanuel Levinas, Autrement qu’Etre ou au-delà de l’Essence, Kluwer Academic, 1988, p.16-20.

[57] الغزالي، إحياء علوم الدين، م، س، ص341.

Science
الوسوم

د. عبد الله السيد ولد اباه

كاتب وباحث موريتاني، حائز على دكتوراه في الفلسفة الحديثة والمعاصرة من جامعة التونسية، وهو أُستاذ الدراسات الفلسفية والاجتماعية بجامعة نواكشوط بموريتانيا.

له مجموعة من المقالات والدراسات والبحوث المنشورة في العديد من الصحف والمجلات الدولية، تعنى بقضايا الفلسفة المعاصرة وإشكالات التحول الديمقراطي. من بين كتبه كتاب:

ـ  كتاب “الدين والهوية: إشكالات الصدام والحوار والسلطة”.

 ـ كتاب “التاريخ والحقيقة لدى ميشيل فوكو”.

ـ كتاب “الثورات العربية الجديدة المسار والمصير “.

ـ كتاب “عالم ما بعد 11 سبتمبر 2001.. الإشكالات الفكرية والإستراتيجية”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق