مركز دراس بن إسماعيل لتقريب المذهب والعقيدة والسلوكدراسات عامة

القـول المرجـوح 4

د/ادريس غازي

باحث بمركز دراس بن اسماعيل 

وفي هذا السياق نجد للعلماء بحثا نفيسا حول قضية العمل بالمرجوح –ضعيفا أو شاذا– في حالة الضرورة، وتقرير الضرورة هنا أن تنزل بالمكلف نازلة يكون القول الراجح فيها مقتضيا للإعنات والضيق، بينما يكون القول المقابل له في النازلة المذكورة موجبا لرفع الحرج وجلب التيسير، فما هو المتعين في هذه الصورة ؟

نجد للعلماء في هذه القضية مذهبين:

– مذهب يقضي بعدم جواز العمل بالقول المرجوح في حالة الاضطرار جملة، بل يقدم الراجح غير المذهبي على مرجوح المذهب، لأن العمدة في الأمر على قوة الدليل، وهو المختار عند المصريين.

– ومذهب يرى جواز عمل المكلف بالقول المرجوح في خاصة نفسه وعند تحقق الضرورة، ولا اعتبار بأقوال غير مذهبية ولو كانت راجحة عند الغير، لأن الانضباط بقوانين المذهب، والسلوك على وفق قواعده من المقاصد الدينية المرعية، وهذا المذهب هو المختار عند المغاربة.

قال العلامة القادري: “وأما دليل جواز العمل بالضعيف للضرورة يوما ما، فقد نص عليه جماعة من المتأخرين كالولي الصالح سيدي عبد القادر الفاسي، فإنه قال: “وارتكاب الرخصة يوما ما للضرورة سائغ” (…) ومراده بالرخصة القول الضعيف، وقوله يوما ما معناه في بعض الأوقات، فيفيد أنه عند الضرورة لا يعمل بالضعيف في كل وقت، وإلا كان في معنى تتبع الرخص”[1].

كما نص أصحاب هذا الاتجاه على عدم جواز الفتوى بالمرجوح لمن نزلت به ضرورة، وذلك لتعذر تحقق المفتي من وجود الضرورة أو عدمها بالمستفتي.

قال القادري: “وأما دليل حرمة الحكم والفتوى بغير المشهور، فقد نص عليه جماعة من العلماء العاملين منهم الشيخ سيدي محمد بناني، فإنه نقل عن المسناوي ما نصه ولا يجوز للمفتي أن يفتي بغير المشهور، لأنه لا يتحقق الضرورة بالنسبة لغيره كما يتحققها من نفسه، ولذلك سدوا الذريعة فقالوا بمنع الفتوى بغير المشهور، خوف أن لا تكون الضرورة محققة، لا لأجل أنه لا يعمل بالضعيف إذا تحققت الضرورة يوما ما”[2].

وبالجملة فإن مدار مذهب المصريين في المسألة على ضرورة تعقب الأدلة والقيام بالنظر والفحص ثم الترجيح في نهاية الأمر، فلا يعمل إلا بما قواه الدليل وعضده، ولو كان هذا القول خارج المذهب. بينما نجد للمغاربة بخصوص هذه القضية نظرا آخر مبناه على مراعاة حقيقة التمذهب، وقطع الطريق على ما من شأنه الافضاء إلى تحكيم أهواء النفوس والانحلال عروة عروة من ربط التكليف، فالأقوال الضعيفة والشاذة وإن كانت مرجوحة في النظر، فهي راجحة باعتبار الانتساب المذهبي وخصوص الأحوال.

من خلال ما ذكر يتضح أن العمل بالمرجوح في حالة الضرورة مشروط بما يلي:

أ-  ألا يكون مدرك القول المعمول به في غاية الضعف.[3]

ب- أن يكون قائله من أهل الإقتداء، والقول محقق بالنسبة إليه.

ج- أن تكون الضرورة متحققة كامل التحقق في نفس المستفتي، بحيث يأخذ بالقول في خاصة نفسه دون أن يفتي به غيره. قال القادري: “لا يصح قياس عمل إنسان في نفسه على الفتوى لغيره لوجود الفرق بينهما، وهو تحقق الضرورة في عمل نفسه، وعدم تحققها في الفتوى لغيره”[4].

د- أن لا يتكرر العمل بالمرجوح كلما تحققت الضرورة، لأنها في منزلة الاستثناء، فإذا تكررت لم تعد كذلك، وأصبحت قاعدة مقررة ينبغي المصير فيها إلى الأصل وهو الراجح والمشهور.

 


[1] – رفع العتاب والملام ص63.

[2] – رفع العتاب والملام ص63-64.

[3] – نفسه ص75.

[4] – رفع العتاب والملام ص64، انظر كذلك الصفحة 72.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق