مركز دراس بن إسماعيل لتقريب المذهب والعقيدة والسلوكدراسات محكمة

الفقه والحديث في عهد المرابطين والموحدين (الجزء الأول )

الفقه والحديث

في عهد المرابطين والموحدين (1)

      

يتميز دين الإسلام بتشجيعه الكبير للعلم والعلماء ولذلك كان الفاتحون حاملي مشعل العلم وأسسه، حملوا معهم كتاب الله يبثونه في الناس الداخلين في الإسلام ويعلمونهم تعاليمه وفقهه، وينشرون أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا في بعض الأحيان يحملون معهم ما وجدوه من الكتب والرسائل يقرؤونها على الناس. ولم ينقطع ذلك بعد جيل الفاتحين حيث شهد العالم الإسلامي في شتى أطرافه المترامية رحلة واسعة للكتاب من موطن إلى آخر. وقد كانت رحلة الكتاب مؤشرا على انتشار العلم والمعرفة.

وكان الحج إلى بيت الله الحرام دافعا قويا ومناسبة سانحة للحجاج القادمين من كل البلاد إلى التزود بالمعارف والعلوم، يجلسون في حلقات العلماء في كل البلاد التي يقطعونها ذهابا وإيابا. فإذا رجعوا إلى بلادهم رجعوا بعلم وفير.

يصعب في التأريخ للعلوم بالمغرب الإشارة إلى العلم الذي كان محط العناية في البداية قبل غيره، وإن استطعنا أن نجزم بأن الاهتمام كان منصبا على القرآن الكريم والحديث الشريف وما استنبط منهما من فقه، ولذلك كانت الكتب الأولى التي تدخل إلى المغرب مع الفاتحين ثم مع العلماء القادمين من المشرق أو الحجاج الراجعين من أرض الحرمين هي القرآن الكريم والحديث الشريف وبعض كتب الفقه. كان طلب العلم في تلك المرحلة لا يميز فيه بين هذا وذاك، وكان العالم هو الذي يجمع بين القرآن والحديث والفقه وما تعلق بذلك من سيرة ولغة وشعر.

سعت دولة المرابطين بعد بسط نفوذها على ربوع المغرب إلى تثبيت الوجود الإسلامي بالأندلس وتوحيد العدوتين ودفع الخطر الإفرنجي بالديار الأندلسية خصوصا بعد احتلال طليطلة. ولئن عد المستشرق “دوزي” عبور المرابطين إلى الأندلس وصدهم هجوم النصارى على المدن الأندلسية وتقوية شوكة المسلمين هناك بداية اضمحلال الأندلس ودخولها في دوامة التأخر والتفكك، فإن لنا الحق في أن نحكم على جهاد المرابطين في الأندلس بأنه كان عامل استقرار وقوة، وسببا في بقاء دولة الإسلام في الأندلس زهاء أربعة قرون أخرى، ودافعا قويا لحركة علمية كبرى عم إشعاعها بلاد الأندلس بأسرها، ووصل إلى عدد من دول أوربا، بله بلاد المغرب والمشرق الإسلاميين وما والاهما من البلاد. وليس في ذلك من غرابة إذا تذكرنا أن دولة المرابطين قامت من منطلق علمي ووحدوي فقد كان المؤسس الشيخ عبد الله بن ياسين من العلماء1، وهو الذي جاب ربوع المغرب محاربا الأباطيل والخرافات ومظاهر الانحراف عن أصول الدين وفروع الشريعة وأوصى أتباعه بالتفقه في الدين وبالتقييد بتعاليمه ومنها الأخوة والوحدة بين سائر المسلمين، ولما كان عهد يوسف بن تاشفين بدأ تحقيق شيء من ذلك بنجدة المسلمين في الأندلس وحماية الثغور من التكالب النصراني، وكتب إلى الخليفة العباسي أحمد المستظهر بالله يبايعه ويعلن دخول بلاد المغرب تحت لواء الخلافة الإسلامية. هكذا وجد العلم في دولة المرابطين قادة هم أقرب الناس إليه، يشيعونه في البلاد ويشجعون أهله ويبوئونهم أعلى المراتب ويجلسون بين أيديهم، ويعرضون عليهم الأمور الجسام، وينزلون عند إشارتهم. وأصبحت مراكش حاضرة المغرب يومئذ وقبلة العلماء الوافدين عليها من كل جهة بالخصوص من بلاد الأندلس، وفي هذا يقول المؤرخ عبد الواحد المراكشي في كتابه “المعجب في تلخيص أخبار المغرب”: «وانقطع إلى أمير المؤمنين يوسف بن تاشفين من الجزيرة من أهل كل علم فحوله حتى أشبهت حضرته حضرة بني العباس في صدر دولتهم. واجتمع له ولابنه من بعده أعيان الكتاب وفرسان البلاغة ما لم يتفق اجتماعه في عصر من الأعصار»2.

 ويمكن أن نذكر من هؤلاء العلماء فقهاء وغيرهم بعض الأعلام على سبيل المثال فمنهم:

ـ القاضي عياض بن موسى اليحصبي السبتي المتوفى عام (544 ﻫ) وصاحب “الإلماع”، و”مشارق الأنوار” وغيرها من الكتب المشهورة، كان من أعلم الناس في زمانه بالحديث وعلومه والتفسير وعلومه، والفقه وأصوله، واللغة العربية والأدب والتاريخ والأنساب.

ـ عبد الله بن سعيد الوجدي أبو محمد، نسبته إلى مدينة وجدة، كان من جلة الفقهاء الحفاظ

 لمسائل الرأي القائمين عليها، وكان حسن المناظرة. ولاّه المرابطون قضاء بلنسية إثر استرجاعها من الروم عام ( 495ﻫ) توفي ببلنسية قبل ( 510ﻫ.)

ـ أبو عبد الله التميمي محمد بن عيسى بن حسين الفقيه القاضي، ولد بفاس عام ( 429 ﻫ). انتقل إلى سبتة فطلب العلم بها، فنسب إليها3، ثم رحل إلى الأندلس ثلاث رحل، فأخذ عن أعلامها الكبار كابن الطلاع، وابن المرابط،وأبي مروان بن سراج وغيرهم. وأصبح من أعلام المغرب عارفا بالحديث والفقه حافظا ضابطا مليح الخط والإنشاء والمحاضرة. أخذ عنه الناس “المدونة” و”الموطأ” و”صحيح مسلم” و”غريب الحديث” لأبي عبيد قاسم بن سلام، و”إصلاح الغلط” لابن قتيبة، و”علوم الحديث” للحاكم و”الطبقات لمسلم”، و”الضعفاء والمتروكين” للنسائي4.

إن إقراءه لهذه الكتب في الحديث ومسائله كانت في عهد الدولة المرابطية قبل رحلة القاضي عياض لطلب العلم بالأندلس سنة سبع وخمسمائة، ولأن وفاة ابن عيسى التميمي كانت قبل هذا التاريخ أيضا، وهوما ينفي محاربة المرابطين لغير الفقهاء.

من تلاميذه القاضي عياض وهو أول شيوخه ذكرا في “الغنية” في ترجمة جامعة له5 قال: «لازمته كثيرا للمناظرة في “المدونة”، و”الموطأ”، وسماع المصنفات، فقرأت وسمعت عليه – بقراءة غيري – كثيرا وأجازني جميع روايته»6. تولى القضاء بسبتة ثم فاس بعدما رفض، وسجن عام (503 ﻫ) توفي إثر ذلك بقليل.

ـ عيسى بن الملجوم أبو موسى الأزدي من أسرة مشهورة بفاس يرجع أصلها إلى المهلب بن أبي صفرة كما عند ابن القاضي في “جذوة الاقتباس”. كان عارفا بالفقه ذاكرا للمسائل متقدما في علم الفرائض، محدثا حافظا راوية، سمع ببلده من أبيه قاضي الجماعة أبي الحجاج، وأبي الفضل بن النحوي، وبأغمات من أبي محمد اللخمي سبط الحافظ ابن عبد البر، رحل إلى الأندلس فأخذ عن أعلامها الكبار كأبي علي الغساني – وابتاع منه أصله من “سنن أبي داود” – وأبي عبد الله بن الطلاع وأبي الحسين بن سراج. ورحل إليها ثانية فلقي بإشبيلية أبا عبد الله بن شبرين، وكتب إليه أبو عبد الله الخولاني، وأبو علي الصدفي وغيرهما.

ولي القضاء بفاس ومكناس. وتوفي عام ( 543ﻫ) .

ـ الشيخ المقرئ أبو العباس أحمد بن عبد الله بن الحطيئة اللخمي الفاسي كان رأسا في القراءات السبع. رحل إلى مصر فقرأ على ابن الفحام وقرأ عليه شجاع بن محمد سيدهم، وروى عنه الحافظ أبو طاهر السلفي.

عرض عليه القضاء بمصر أيام العبيديين

فاشترط أن لا يقضي بمذهب الدولة فأبوا. توفي عام (560 ﻫ.)

ـ أبو القاسم المعافري عبد الرحمٰن بن محمد السبتي. فقيه أصولي متكلم. رحل إلى الأندلس فأخذ عن العلامة أبي الوليد الباجي وغيره. ثم رحل إلى إفريقية فسمع من ابن الصباح، وإلى مصر فسمع من جماعة كابن فضال، وإلى الحجاز فسمع بمكة من الفقيه عبد الحق السهمي القرشي فقيه صقلية وصاحب التآليف المشهورة في الفقه المالكي، وسمع أيضا من الإمام الكبير أبي المعالي الجويني. درّس الفقه والأصول والكلام في بلدة سبتة وفي غيرها. وولي القضاء والخطابة بسبتة وبالجزيرة الخضراء. توفي عام  (502ﻫ).

ـ القاضي أبو عبد الله بن حمدين: محمد بن

علي الفقيه والأديب المشارك في علوم شتى والجامع حسن الخلق وحسن الملكة في إجراء الأحكام. وُلّي القضاء أيام المرابطين. وكان قد أخذ علومه على أبي عبد الله بن عتاب، وأجازه الحافظ ابن عبد البر، والدلائي7.

ـ الحجاج بن القاسم المأموني أبو محمد: سبتي الأصل والمولد والمنشأ. سمع من مشيخة أبيه، ثم رحل مع أبيه فحج. وسمع من أبي ذر، وأبي بكر المطوعي، وسكن المرية بعد انصرافه من المشرق مع أبيه، فحاز فيها الرياسة والجاه، ورحل آخر الحال إلى بلده سبتة في دولة المرابطين، فسمع منه علماؤها وطلبة العلم “صحيح البخاري”، و”مشكل الحديث” لابن فورك، وغير ذلك8.

ـ أبو محمد عبد الله بن غالب بن تمام الهمداني السبتي: شيخ صالح من بيت علم وجلالة. أصله من نكور، وسكنوا سبتة. وأبوه غالب من أهل العلم، صاحب وثائق وتفقه وحساب وفرائض، وله في ذلك تآليف.

كان أبو محمد أوحد عصره علما وتقى وجلالة ودينا. حمل عن أشياخ سبتة ورحل إلى الأندلس فسمع من الأصيلي، وأبي بكر الزبيدي، ورحل في نحو الثمانين، فدخل القيروان، وسمع من الإمام أبي محمد بن أبي زيد القيرواني كتبه. وسمع بمصر من ابن المهندس وغيره، وقيل إنه دخل العراق.

رجع إلى المغرب فسمع منه عدد من المشاهير9. كان متفننا في علوم جمة، قائما بمذهب مالك، نظارا، حافظا، بليغا، أديبا، شاعرا مجيدا. ولّي الشورى إلى أن مات. قيل إن رجلا من أهل سبتة رفع مسألة إلى القيروان فقيل له: «أو ليس ابن غالب حيا؟ قال: نعم. قيل: ما ينبغي لبلد فيه مثله أن يرفع منه سؤال»10.

هؤلاء طائفة من العلماء الذين عرفهم هذا العصر، وغلب عليهم الاشتغال بالفقه أكثر من غيره وذلك لأن نزعة الدولة المرابطية كانت إلى علم الفقه أقوى منها إلى أي علم آخر، ومن ثم كان تقديمهم للفقهاء واختصاصهم لهم، دون أن يكون الإهمال نصيب غيرهم بله الاضطهاد والمحاربة. فقد وُجد من العلماء من اشتغل بغير الفقه ونالهم عطف قادة هذه الدولة وتشجيعهم، ويكفي أن نذكر منهم بعض الأعلام الكبار والعلوم التي برعوا فيها ليكون دليلا على

 عدم إهمال المرابطين لغير الفقهاء.

غـيـر الفـقـهـاء فـي دولـة المـرابـطـيـن:

نشط الاشتغال بعلم الحديث والرواية فكثرت الرحلات للسماع من الشيوخ رغبة في علو الإسناد والضبط والإتقان، فهذا ابن أيوب الفهري راوية الحديث المسلسل في الأخذ باليد، يأخذه عنه طلبة العلم في ذلك الوقت، ويشاركهم في ذلك الأمير سيرين علي بن يوسف والرئيس المنصور بن محمد اللمتوني.

 وهذا الإمام الكبير والحافظ المشهور أبو علي الصدفي يرحل إليه طلاب العلم ويكون منهم بعض الأمراء المرابطين كالمنصور بن محمد، وزاوي بن مناد المعروف بابن تقسوط، والأمير إبراهيم بن يوسف بن تاشفين المعروف بابن تعيَّشت والي مرسية . وقد كانوا من أكثر الناس عناية بالعلم وعلو الإسناد والأخذ عن الشيوخ وجمع الكتب ونسخها.

و استجاز الأمير علي بن يوسف أبا عبد الله أحمد بن محمد الخولاني جميع رواياته لعلو إسناده فأجاز له.

ورحل الأمير ميمون بن ياسين إلى المشرق حاجا فسمع بمكة من أبي عبد الله الطبري”صحيح مسلم”سنة(497هـ)، ومن أبي مكتوم بن أبي ذر الهروي “صحيح البخاري” في أصل أبيه أبي ذر المشهور، وابتاعه منه بمال كثير وأدخله إلى المغرب فأخذ الناس عنه “صحيح البخاري” وغيره بحلقات العلم بالمغرب والأندلس منهم أبو إسحاق بن حبيش، وأبو القاسم بن بشكوال، وأبو إسحاق بن فرقد وأبو بكر بن خير وغيرهم.

 وفي هذا العهد بدأ نجم القاضي عياض أبي الفضل السبتي في اللمعان، ذلك بفضل اشتغاله بالحديث وعلومه إذ كان فيه عَلَمًا بارزا، وبمؤلفاته البديعة ذاع صيت المغرب فقد قيل: “لولا عياض لما ذكر المغرب”.

 ولا شك أن مثل” الإلماع في ضبط الرواية وتقييد السماع”، و”بغية الرائد بما تضمنه حديث أم زرع من الفوائد”، وإكمال المعلم بفوائد مسلم”، و”الشفا” الكتاب المشهور، لجدير بأن يذكر المغرب بالثناء الجميل، وأما كتابه ” مشارق الأنوار” فكتاب بديع كثير الفوائد لم يتملك نفسه من قرأه وأعجب به فأنشد:

مـــشـــارق أنـــوار تـبـدت بــســـبـــتـة               ومن عــجب كـون الـمـشـارق بالـــغـــرب

ويؤلف أيضا ما دام يخدم الحديث وطلبه كـ”الغنية” وهي فهرسة للتعريف بشيوخه، و” معجم شيوخ أبي علي الصدفي”، وهو في شيوخ الحافظ أبي علي الصدفي.

 وأما شأن العلوم الفلسفية والرياضية والطبية فكان مشهودا، وكان أصحابه مقربين مبجلين، فهذا أبو بكر بن باجة كبير فلاسفة العصر يحظى برعاية المرابطين ويُرَحَّب به في مدينة فاس ويدعى إلى الإقامة فيها .

وكان الفيلسوف مالك بن وهب وزيرا لعلي بن يوسف.

وهذا ابن زهر الطبيب المشهور يحظى بمكانة كبيرة عند علي بن يوسف أيضا، وهو الذي أمر بجمع مجرباته عند موته فجمعت بمراكش وسائر بلاد المغرب والأندلس و انتسخت في جمادى الآخرة سنة (526هـ).

وهذا ابن مرَّانة الشهير بعلم الحساب والهندسة والفقه و الفرائض كان من أعلم الناس في وقته، أقام بسبتة ودرس بها وتخرج على يده علماء مشاهير كابن العربي الحساب. وابن مرّانة هذا ممن كان الملوك يتمنون أن يقدم إليهم ويزين مجالسهم، قال المعتمد بن عباد:” أشتهي أن يكون عندي من أهل سبتة ثلاثة نفر:ابن غازي الخطيب، وابن عطاء الكاتب، وابن مرانة الفرضي”10.

 وأما الأدب فكان لا يقل حظوة عن غيرة، فهذا أبو الحسن بن سراج وكان من أعلم الناس بالنحو و أشعار العرب وحكاياتها ولغاتها، يجتمع إليه لسماع منه نحو الخمسين من رؤساء الملثمين.

ولم يكن التصوف السني المقتصر على المجاهدة وتهذيب النفوس مما ينكر في هذا العهد ويكفي أن نمثل لذلك بكتاب” التشوف” لابن الزيات، فقد كان متداولا مشهورا، ولا نغفل هنا أيضا ذكر أبي الحسن علي بن حرزهم الفاسي مولدا ومنشأ، كان من كبار الفقهاء والمحدثين، كانت له حلقات تدريس بجامع القرويين وكان له ميل أكبر إلى التصوف.

مـصـطـلـح “الـفـقـهاء” فـي دولـة الـمـرابـطـيـن:

إذن فما تفسير قول من قال: إن دولة المرابطين كانت دولة فقهاء خاضعة لرأيهم، لا تورد ولا تصدر إلا عن نظرهم، خلاف غيرها من الدول التي جاءت بعدها واختصت بغير الفقهاء؟.

يعجبني هنا كلام للشيخ عبد الله كنون رحمه الله في الإجابة عن هذا السؤال يقول رحمه الله:” فإن غاية الأمر أن وظائف الدولة كانت من نصيب رجال الشريعة وفيما عدا ذلك فإن كل العلماء كانوا قائمين بنشاطهم الفكري لا يعترض سبيلهم معترض. وأي ضير في أن تجعل مقاليد الحكم بيد الفقهاء وهم أحق الناس بها وأولى، إذ كانوا حملة الشريعة التي هي قانون البلاد ودستورها المقدس”12.

لكن ماذا نقصد بمصطلح ” الفقهاء” ؟ وعلى من كان يطلق لقب ” فقيه “؟.

إن غالب أهل العلم والأدب في تلك الحقب كانوا ممن درسوا الفقه وأشياء من أصوله وفروعه، ويندر أن نجد عالما لم يدرس الفقه في مرحلة الطلب والرحلة، حتى أطلق لقب ” فقيه ” على العالم الذي لم يبرز في الفقه ولم يكن له فيه شأن بعيد، وبناء على هذا ينتهي الأستاذ عبد الله كنون إلى هذه النتيجة:” فربما عنى المؤرخون الذين يتحدثون عن تقريب الدولة للفقهاء واختصاصها لهم أنها قربت أهل العلم واختصتهم بالرعاية من دون الزعماء وأهل العصبيات القبلية، كما كان الشأن في الدولة التي قبلها وبعدها”.13

زيادة على هذا لم يتعرض الفقهاء والعلماء الذين كانوا يخالفون ما يفتي به الفقهاء الرسميون وتتبناه الدولة ويصبح أمرا رسميا يُدعى الناس إلى تنفيذه للاضطهاد والتنكيل، كقضية إحراق كتاب “إحياء علوم الدين” لشيخ الإسلام أبي حامد الغزالي بناء على فتوى عدد من فقهاء المغرب والأندلس بزعامة قاضي قرطبة أبي عبد الله بن حمدين، فقد أفتى بعض فقهاء المرية كأبي الحسن البرجي، وأبي بكر بن عمر ابن أحمد بن الفصيح، وأبي القاسم بن ورد بما ينتصر للغزالي وكتابه “الإحياء”، وكذا أفتى أبو الفضل بن النحوي من علماء المغرب الأوسط، وعلي بن حِرزِهم من فقهاء فاس بما يعارض فتوى القاضي أبي عبد الله بن حمدين وهوى المرابطين، ومع ذلك لم ينلهم بطش الدولة ولا سطوة الفقهاء.

الفقهاء والمحدثون في الأندلس على عهد المرابطين:

وحّد المرابطون بين المغرب والأندلس في فترات من حكمهم، وبذلك توحدت الحياة السياسية والعلمية بين العدوتين، ولهذا يمكن أن نذكر أعلاما من الأندلس عاشوا في عهد المرابطين ونبغوا في الفقه والحديث وكانوا فيهما أئمة، إذ لا يمكن الفصل بين العلوم وخاصة بين الفقه والحديث:

الحافظ أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري القرطبي، أحد الأعلام الكبار الذين أنجبهم الغرب الإسلامي في النصف الأول من منتصف القرن الخامس الهجري، فقد كان حقا – «أحفظ أهل المغرب»14، و-«إمام الأندلس في علم الشريعة ورواية الحديث… وحافظها الذي حاز خصل السبق، واستولى على غاية الأمد… »15عظم شأنه، وعلا ذكره، ورحل إليه الناس وسمعوا منه، وألف كتبا ذائعة الصيت، كثيرة الفوائد منها كتاب “التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد”، و “جامع بيان العلم وفضله” و”الاستيعاب في معرفة الأصحاب”، و”الاستذكار لمذاهب الأمصار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثار”. وغير ذلك من الكتب النافعة في ميادين متعددة16.

لقد اشتهر ابن عبد البر عند علماء الحديث كثيرا، و أفادوا منه، ونقلوا من كتبه، واعتمدوا كثيرا من آرائه، وأصبحوا يعزون إليه أحاديث وأقوالا، كما يعزون إلى كبار علماء المشرق، كالدارقطني والبيهقي وغيرهما، كما يظهر ذلك لمن يطالع كتب ابن رشد، وابن الصلاح، والذهبي، و ابن حجر وغيرهم.

 لقد برز الجانب الحديثي جليا في حياته العلمية كأحد المعالم الرئيسية في منهجه، وإننا حين نطل على هذا الجانب، فإننا نقف من خلاله على حقيقية لا تقبل الشك، وهي أن ابن عبد البر كان فعلا حافظ المغرب، وإمام أهل زمانه في علم الشريعة ورواية الحديث. لقد خاض في مجال الحديث متأهلا بأسبابه، متقلدا مفاتيح أبوابه، من مقومات عقلية عالية، ومؤهلات معرفية واسعة، واطلاع كبير، وقراءة للمشهور من كتب السنة وأحوال الرواة والسيرة وغيرها على كبار شيوخ الأندلس بالسماع والقراءة المباشرة، وعلى شيوخ من المشرق بالإجازة كأبي ذر الهروي شيخ الحرم ،وحافظ مصر ومؤرخها عبد الغني بن سعيد، وأبي القاسم السقطي من مكة وغيرهم17.

مصنفاته:

أكد غير واحد من أصحاب كتب التراجم أن الحافظ ابن عبد البر خلف وراءه مجموعة هائلة من المصنفات ذات المستوى الرفيع، طارت شهرتها في الآفاق، وتحدث بها الناس في المغرب والمشرق، وعليها كان اعتماد العديد من العلماء، يقول الحميدي: «وألف مما جمع تواليف سارت عنه»18، وأشاد ابن حزم الظاهري بكتبه فقال: «ولصاحبنا أبي عمر بن عبد البر كتب لا مثيل لها»19. ومن المتأخرين يرى محمد بن عبد الحي الكتاني أنه «صاحب التآليف العديمة النظير في الإسلام»20.

 وقد تنوعت تآليفه في أكثر من ميدان، بيد أنه خص ميدان الحديث وعلومه بجل همته ووفرة تآليفه، ثم طرق ميادين أخرى، كالقراءات والفقه وتاريخ الرجال والسيرة والمغازي والأدب، فبرز وتفرد، وأجاد وأفاد، وظلت بعض كتبه إلى اليوم مرجع المتبحر، ونجعة القاصد المشمر، وأجمع أهل العلم على حسنها وتفردها في أبوابها.

مصنفاته في علوم القرآن والقراءات:

1– كتاب “البيان عن تلاوة القرآن“: ذكره الحميدي وأحمد الضبي بهذا العنوان21، وذكره القاضي عياض تحت عنوان “البيان على تلاوة القرآن”.22

 أما ابن خير فقد ذكره في “فهرسته” وقال: «تأليف الشيخ أبي عمر حدثني به الشيخ أبو بكر محمد بن أحمد بن طاهر، وغير واحد عن أبي حسين بن محمد الغساني ،قال: حدثني به مؤلفه أبو عمر رحمه الله قراءة عليه وأنا أسمع».23

أما صاحب “كشف الظنون” فقد أورده بهذا العنوان “في تأويلات القرآن”24، ولعل هذا التغيير في العنوان ناتج عن التصحيف. أما بروكلمان فلم يشر إليه ضمن كتب ابن عبد البر.

2– كتاب “الاكتفاء في قراءة نافع وأبي عمرو بن العلاء بتوجيه ما اختلفا فيه”، ذكره الحميدي والضبي بهذا العنوان، وقال: «هو جزء واحد». وقال عياض: «كتاب “الاكتفاء في القراءات”».

وأشار إليه تلميذه وصديقه ابن حزم فقال: «… ومنها كتاب “الاكتفاء في قراءة نافع وأبي عمرو بن العلاء والحجة لكل منهما».25 أما بروكلمان فلم يشر إليه أيضا عند سرده لمصنفات بن عبد البر.

3– كتاب “التجويد والمدخل إلى علم القراءة بالتجويد”: ورد عند الحميدي والضبي بهذا العنوان، وذكره الزركلي في “الأعلام”، وقد رمز إلى حالته بحرف -خ- التي تدل على أنه لا زال مخطوطا.

4– كتاب “الإنصاف في ما في بسم الله الرحمن الرحيم من الخلاف”:26 ذكره غير واحد ضمن مؤلفات ابن عبد البر، وإن كان عبارة عن فتوى من الفتاوى الكثيرة المنثورة في بطون مصنفاته.

يظهر من مقدمتها أن أحدا استفتاه في مسألة البسملة هل هي جزء من الفاتحة أم لا؟ وهل تقرأ في الصلاة أم لا؟. وقد اجتهد ابن عبد البر في إيراد أقصى ما يمكن من الأحاديث النبوية المتعلقة بالموضوع.

وقد مال ابن عبد البر إلى رأي المذهب الشافعي في هذه المسألة مخالفا مذهبه، وهذا ما أكده غير واحد حتى غدا رأيه هنا أقوى الدلائل التي تمسك بها من رأى ميل الرجل إلى المذهب الشافعي كما سبق بيانه.

وقد علق صاحب “فهرس الفهارس” قائلا: «والحامل على إيراده مع الشافعية قول أبي عبد الله الحميدي» كان يميل في الفقه إلى مذهب الشافعية، ومن جملة ميله تصنيفه في الجهر بالبسملة وانتصاره لذلك…27

مصنفاته في الحديث

5– “التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد”: هذا الكتاب الضخم يتصدر قائمة مصنفات الحافظ أبي عمر على الإطلاق، وهو الكتاب التي يتبادر إلى الذهن حين يذكر اسم “ابن عبد البر”.

6- “تجريد التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد” أو التقصي لحديث الموطأ وشيوخ الإمام مالك:

هذا الكتاب اختصار “للتمهيد”، جرده المؤلف من الأسانيد، وجاء الشرح مختصرا عكس ما عهدناه عند ابن عبد البر في “التمهيد” من النفس الطويل في متابعة الرجال، وذكر أحوالهم وإثراء الموضوع بعدد هائل من الأحاديث بطرق متعددة، وأسانيد متنوعة، ثم الاستنباطات الذكية، يقول ابن عبد البر: «فإنا لما ذكرنا في كتاب “التمهيد” من معاني السنن ووجوهها، واتساع مذاهب العلماء فيها، وامتد بذلك الشرح وطال عليه الاستشهاد، وعلمنا أن أكثر الناس من قصرت همته، وضعفت عنايته ، ودعاه إلى القناعة بأقل ذلك طلب راحته، أو ضيق معيشته، رأينا أن نجرد تلك السنن التي جعلناها أصل ذلك الكتاب… وجردنا في هذا الكتاب كل ما في “الموطأ” من حديث النبي- صلى الله عليه وسلم-، مسنده ومرسله، ومتصله ومنقطعه، إذ كل ذلك عند مالك وأصحابه ومن سلك سبيلهم حجة توجب العمل… »28.

وقد رتب الكتاب على حروف المعجم في أسماء شيوخ مالك، ثم تعرض بالذكر للمعروفين بالكنى، ثم عقد بابا ذكر فيه بلاغات الإمام مالك ومرسلاته، ثم عقد بابا مهما أورد فيه ما لم يذكر في “الموطأ” الذي رواه يحيى بن يحيى الليثي من حديث- النبي صلى الله عليه وسلم- مما ذكر في غيره من روايات “الموطأ”، مع ترتيبها حسب حروف المعجم بالنظر إلى شيوخ مالك، وزيادة في الفائدة كان يشير عند الفراغ من ذكر كل حديث إلى الروايات التي ورد فيها، وكذا الروايات التي لم يرد فيها. فأعظم به كتابا في هذا الميدان مع صغر حجمه إذا ما قورن “بالتمهيد” أو غيره.

بقي أن أشير إلى ما أورده صاحب “الرسالة المستطرفة” من أن «أبا محمد عبد الله ابن فرحون اليعمري التونسي الأصل المتوفى سنة 769ﻫ قام بجمع أحاديث “التقصي” لابن عبد البر ، وأحاديث كتاب “الملخص” للقابسي في كتاب سماه “البدر المخلص في التقصي والملخص”، ثم شرحه بشرح عظيم الفائدة في أربعة مجلدات تحت اسم “كشف الغطا في شرح مختصر الموطأ”»29.و كتاب التقصي مطبوع.

7– كتاب في حديث مالك خارج الموطأ:

هذا الكتاب تفرد بذكره القاضي عياض في “ترتيب المدارك” لما كان بصدد الحديث عن الكتب والمصنفات التي ألفت ودارت مواضيعها حول “الموطأ”30 ،ولم أعثر على تفاصيل أخرى، لا في “المدارك” ولا في غيره عن موضوع الكتاب أو منهج المؤلف فيه، وحجم الكتاب.

8– كتاب “الأجوبة المستوعبة في الأسئلة المستغربة”:

هذا الكتاب جمع فيه ابن عبد البر المسائل المستغربة من كتاب “البخاري”، نجد ذكرا له عند القاضي عياض في “المدارك” ، والذهبي في “تذكرة الحفاظ” وكذا في “كشف الظنون”31.

9– كتاب “اختصار تاريخ أحمد بن سعيد”:

قرأ ابن عبد البر ـ وهو لا يزال طالبا للعلم يختلف إلى حلقات العلم ـ كتاب “التاريخ الكبير في التعديل والتجريح” لأحمد بن سعيد بن حزم الصدفي المنتجيلي، على شيخه  خلف ابن أحمد32. والكتاب في تاريخ الرجال جمع فيه المؤلف أقوال النقاد في الرواة.

10-“الشواهد في إثبات خبر الواحد”:

ناقش فيه ابن عبد البر مسألة قبول خبر الواحد. وقد أشار إليه في كتاب “التمهيد” عندما كان بصدد الحديث عن مذاهب العلماء في قبول مرسل الثقة وخبر الواحد حيث قال: «وقد أفردت لذلك كتابا موعبا كافيا والحمد لله»33.

و«الكتاب في جزء واحد»، ذكر ذلك الحميدي، وأحمد الضبي، والقاضي عياض، والذهبي34.

11– “مقدمة التمهيد”:

استهل الحافظ ابن عبد البر كتاب “التمهيد” بمقدمة طويلة في بعض مباحث علم مصطلح الحديث تعرف “بمقدمة التمهيد”. بدأها بباب معرفة المرسل والمسند والمنقطع والموقوف ومعنى التدليس،وغير ذلك .مصنفاته في الفقه ومسائله:

12– كتاب “الكافي في فقه أهل المدينة المالكي”:

ذكره غير واحد ضمن مؤلفات ابن عبد البر، ذكره الحميدي بعنوان “الكافي في الفقه على مذهب أهل المدينة”35  ، بينما نجد القاضي عياض يسميه “الكافي في الفقه والاختلاف في أقوال مالك وأصحابه”36.

وقد قال الحميدي وتابعه أحمد الضبي: « إنه في ستة عشر جزءا»، أما عياض فقال: «عشرون كتابا». وقد أشار بروكلمان إلى وجود نسخة منه مخطوطة بالفاتيكان وأخرى بالمدينة المنورة.

وقد قام أحد الأساتذة الموريتانيين وهو الدكتور أحيد ولد ماديك بعبء تحقيق كتاب “الكافي” وإخراجه إلى النور، معتمدا على ثلاث نسخ مخطوطة بموريتانيا ونسختين مغربيتين، إحداهما بالخزانة العامة بالرباط تحت رقم 540ك، والأخرى بالقرويين. وكتاب “الكافي” كتاب في الفقه الإسلامي لذلك جاء مبوبا كأغلب الكتب الفقهية، مقسما إلى الكتب المعروفة بدءا بكتاب الصلاة مسبوقا بما يتصل به من وضوء وغسل… ثم كتاب الزكاة والصيام وما إليه من كتب وأبواب مرورا بكتاب المعاملات وانتهاء بكتاب الحدود، وما يتعلق بحياة الإنسان الأخروية.

وهو أيضا على المذهب المالكي يظهر ذلك من عنوانه، وفي مقدمته تأكيد للمؤلف لهذه القضية إذ قال: «واعتمدت على علم37أهل المدينة، وسلكت فيه مسلك الإمام مالك بن أنس- رحمه الله – لما صح له من جمع مذاهب أسلافه من أهل بلده ،مع حسن الاختيار وضبط الآثار، فأتيت فيه بما لا يسع جهله لمن أحب أن يسم بالعلم نفسه، واقتطعته من كتب المالكيين، ومذهب المدنيين»38.

ولم يكن ابن عبد البر مجرد ناقل للمسائل الفقهية وأحكامها، وإنما أبدى في غير موضع آراءه وترجيحاته الفقهية، واجتهد في مسائل عدة مخالفا قول إمام المذهب المالكي صراحة39.

13– كتاب “جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله”:

ذكره أغلب المؤرخين الذين ترجموا لابن عبد البر ضمن مؤلفاته، أشار إليه الحميدي وأحمد الضبي وعياض وغيرهم فأما الحميدي فقال: «هو ستة أجزاء»، وأما أحمد الضبي فذكر أنه« سفران»40.

وهو كتاب في الآداب الشرعية التي تتعلق بالعلم والعالم والمتعلم، وغير ذلك من المواضع والمباحث المهمة، فكان فعلا جامع بيان العلم وفضله، وما ينبغي في روايته وحمله.ومن قرأ مباحثه أدرك قيمته الكبيرة، وعظيم أثره من الناحية العلمية والتاريخية والأدبية.

وتطرقه للمواضيع المختلفة، ومناقشاته المتعددة للمسائل العلمية والأصولية، واستثماره للأحاديث النبوية، واستنباطاته العديدة، أمثلة واضحة على قيمته العلمية، وفي إخباره عن بعض الظواهر الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي كانت سادت المجتمع الأندلسي خاصة، واتصال العلماء بذوي السلطان والحكم.

ونستفيد من هذا الكتاب أيضا من الناحية الأدبية من أسلوب المؤلف، أو من المجموعة الكبيرة من الأبيات الشعرية والحكم والأمثال وغير ذلك، حتى ذهب محقق كتابه “بهجة المجالس” لابن عبد البر «أن جامع بيان العلم يشتمل في تصانيفه على ثمانية وثمانين ومائتي ترجمة لبعض الشعراء والأدباء والفقهاء».

الكتاب يزخر كذلك بمجموعة كبيرة من الأحاديث النبوية، وقد يثار التساؤل حول درجة هذه الأحاديث، وحسبي أن أقول: إن هذا الكتاب النافع قد ضم بين دفتيه مكتبة حديثية ضخمة جمعت نفائس في العلم قل لها نظير، وبذلك فإن تخريج أحاديثه يفتح بإذن الله آفاقا رحبة في ميدان علم الحديث ،شأنه شأن كتب معاصريه ومن قبلهم، كالرامهرمزي والحاكم والخطيب ، وغيرهم ممن يسوقون الأحاديث بالأسانيد، ولا شك أن مثل كتبهم مشحون بأحاديث وآثار يعد بعضها من الزوائد إن وجدت في المصادر الأصلية المباشرة في الحديث النبوي ، لورودها بطرق أخرى، ولتعدد الطرق عدة مزايا وفوائد كما هو معلوم في علم مصطلح الحديث. طبع هذا الكتاب عدة طبعات منها طبعة دار الكتب الإسلامية بالقاهرة بتحقيق عبد الرحمن حسن حمود.

14– كتاب “الإشراف في الفرائض”:

هو من بين الكتب التي يشير إليها المؤرخون ضمن مؤلفات ابن عبد البر، لكن دون ذكر تفاصيل ومعلومات حول مضامينها ومواضيعها.

أشار إليه ابن خير وسماه “الإشراف على ما في أصول فرائض المواريث من الإجماع والاختلاف”.41وذكره أيضا القاضي عياض وشمس الدين الذهبي42

15– “الاستذكار لمذاهب الأمصار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثار”:

هذا الكتاب شرح فيه ابن عبد البر ما ورد في “الموطأ” من أقوال الصحابة والتابعين، وما للإمام مالك من القول الذي بني عليه مذهبه، وعليه فليس “الاستذكار” اختصارا “للتمهيد” كما ذهب إلى ذلك بعض العلماء، وعلى رأسهم ابن حزم الظاهري حيث قال وهو يعدد بعض مؤلفات ابن عبد البر: «..ومنها كتاب “الاستذكار” وهو اختصار “التمهيد” المذكور».43

ولعل ما كتبه أبو عمر في مقدمة “الاستذكار” هو الذي صرف العديد إلى اعتباره اختصارا “للتمهيد”44،  والكتاب موسوعة كبيرة فيها من الفوائد والفرائد ما يؤكد إمامة ابن عبد البر في العلم ومعرفته الكبيرة بالحديث والأثر ومذاهب الفقهاء.

بقي أن أشير إلى أن محمد بن سعيد الأنصاري المعروف بابن زرقون المتوفى سنة (586ﻫ) ، له كتاب “الأنوار في الجمع بين المنتقى والاستذكار”.45 وكذا لمحمد بن عبد الحق بن سليمان الندرومي، قاضي تلمسان المتوفى سنة (625 ﻫ) ، كتاب “المختار الجامع بين المنتقى والاستذكار”46 في عشرين سفرا، ثم إن كتاب “الاستذكار” مطبوع بتحقيق الأستاذ علي النجدي ناصف تحت رعاية المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر. كما طبع بتحقيق عبد المعطي أمين قلعجي في ثلاثين مجلدا

16– كتاب “اختلاف أصحاب مالك بن أنس واختلاف رواياتهم عنه”:

17– اختصار التحرير واختصار التمييز لمسلم.

أصل هذه الدراسة مقال منشور بمجلة الغنية العدد الأول

***********************************************

المصادر والمراجع:

1 – الأحكام في أصول الأحكام لابن حزم تقديم د. إحسان عباس ط 2/1403-1983- دار الآفاق الجديدة. بيروت.

2 – الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى لابن العباس أحمد بن خالد الناصري، تحقيق جعفر الناصر وأحمد الناصر، طبعة دار الكتاب، الدار البيضاء 1954.

3 – الإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام، للقاضي العباس بن إبراهيم، المطبعة الملكية الرباط.

4 – الأمير الشاعر أبو الربيع سليمان الموحدي، تأليف د. عباس الجراري ط 1 /1974-1394، دار الثقافة – البيضاء المغرب

5 – بغيه الملتمس في تاريخ رجال الأندلس، لأحمد بن عميرة الضبي. ط / كوديرا . مجريط 1984.

6 – البيان المغرب لابن عذاري المراكشي (712 ﻫ) القسم 3، تحقيق هوسي ميرندا، ط دار كرياس 1960.

7 – تجربة التغيير قي حركة المهدي بن تومرت، د . عبد المجيد النجار ط 1 / تونس 1404-1986.

8 – تذكرة الحفاظ للإمام شمس الدين الذهبي، دار التراث العربي – بيروت لبنان.

9 – التكملة لابن الأبار، ط مصر (يحال عليها بأرقام الصفحات) وطبعة مجريط (ويحال عليها بأرقام التراجم)

10 – جذوة الاقتباس لابن القاضي (1025 ﻫ) طبعة المغرب الحجرية.

11 – جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس، لمحمد بن فتوح الحميدي تصحيح وتحقيق محمد بن تاويت الطنجي تقديم الشيخ محمد زاهد الكوثري – مكتبة الخانجي – القاهرة .

12 – حضارة الموحدين، للأستاذ محمد المنوني.

13 – ابن حزم رائد الفكر العلمي لعبد اللطيف شرارة.

14 – ابن حزم حياته وعصره، للأستاذ محمد أبي زهرة.

15 – الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب، لابن فرحون المالكي، تحقيق الدكتور محمد الأحمدي أبو النور. دار التراث – القاهرة. 1972.

16- الذخيرة السنية في تاريخ الدولة المرينية ط . دار المنصور الرباط  المنونى، ط 2 /1397-1977 – دار المغرب للتأليف والترجمة والنشر – الرباط.

17 – الذيل و التكملة السفر الثامن، تحقيق د. محمد بنشريفة. منشورات أكاديمية المملكة المغربية. ط 1 / 1984.

18 – السنة بين أهل الفقه وأهل الحديث، للشيخ محمد الغزالي ط 1 / 1409-1989 – دار الشروق بيروت – لبنان .

19 – سير أعلام النبلاء، للإمام الذهبي، ط 1 / 1405-1984، بتحقيق مجموعة من الأساتذة مؤسسة الرسالة – بيروت.

20 – شجرة النور الزكية، لمحمد مخلوف ط. المطبعة السلفية القاهرة.

21 – شذرات الذهب، لابن العماد الحنبلي (1089 ﻫ) ط 2 /1979 – دار المسيرة بيروت.

22 – الصلة لابن الزبير، تحقيق بروفنصال – طبعة الرباط 1937.

23 – طبقات الحفاظ، للسيوطي، تحقيق علي محمد عمر، ط 1 / 1393-1973، مكتبة وهبة – القاهرة – مصر.

24 – الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع، للحافظ السخاوي، منشورات دار مكتبة الحياة – بيروت.

25 – لسان الميزان، لابن حجر العسقلانى، ط 2 / 1971-1390، مؤسسة الأعلمي بيروت – مصورة عن مطبعة دائرة المعارف النظامية بالهند.

26 – العلوم والآداب والفنون على عهد الموحدين، للأستاذ محمد.

27 – روض القرطاس، لابن أبي زرع (726 ﻫ) طبعة الحاج أحمد بن الحاج الطيب الأزرق – المغرب.

28 – المعجب في تلخيص أخبار المغرب، لعبد الواحد بن علي المراكشى (674 ﻫ)، تحقيق محمد سعيد العريان، ط المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية القاهرة 1963م.

29 – النبوغ المغربي، للأستاذ عبد الله گنون، دار الكتاب اللبناني 1961.

30 – النجوم الزاهرة في أخبار مصر والقاهرة، لابن تغرى بردي (874 ﻫ)، طبعة دار الكتب المصرية ط 1 / 1932.

31 – نفح الطيب لأبي العباس أحمد بن محمد المقري تحقيق د. إحسان عباس دار صادر – بيروت – لبنان.

32 – الوافي بالوفيات، للصفدي، نشر جمعية المستشرقين الألمانية.

33 – الوفيات، لابن قنفذ المسمى شرف الطالب في أسنى المطالب، تحقيق محمد حجي الرباط 1396-1976 – مطبوعات دار المغرب.

34 – وفيات الأعيان، لابن خلكان تحقيق، د. إحسان عباس دار صادر – بيروت.

الهوامش:


[1] – كان الشيخ عبد الله بن ياسين الجزولي من العلماء والفقهاء النبهاء جمع بين العلم والفضل والصلاح والأدب والسياسة أخذ أشياء من ذلك عن الشيخ واجاج بن زلو اللمطي أحد تلامذة الشيخ العالم المصلح أبي عمران الفاسي (430 ﻫ) الذي كتب إلى تلمذيه واجاج أن يختار من أتباعه من يقوم بمهمة الدعوة والإصلاح في المغرب فوقع اختياره على عبد الله بن ياسين.

2- المعجب ص 193-197.

3 – الصلة 2/572.

4- الغنية ص 101-115.

5- الغنية ص 99-100.

6- الغنية ص 100.

7 – انظر ترجمته في الصلة 2/539-540 وترتيب المدارك 8/193 والغنية 116 وأزهار الرياض 3/95.

8- ترتيب المدارك 8/176.

9 – ترتيب المدارك 8/189.

10 – المصدر نفسه.

11 – معجم البلدان، مادة سبتة.

12 – النبوغ المغربي 1/68.

13 – المرجع نفسه 1/71.

14  – بهذه العبارة أثنى عليه ابن سعيد في كتابه “المغرب في حلى المغرب” 2/407 تحقيق د. شوقي ضيف.

15  – وبهذه العبارة أثنى عليه أبو علي الجياني كما نقل ذلك القاضي عياض في ترتيب المدارك 8/128.

16  – انظر قائمة مؤلفاته في كتاب “جذوة المقتبس” لتلميذه ابن فتوح الحميدي، ص 345.

17  – انظر سير أعلام النبلاء، 1/56l . تحقيق شعيب الأرنؤوط ومحمد نعيم العرقسوسي.

18 – جذوة المقتبس 344.

19 – رسائل ابن حزم الجزء الثاني ص:180 تحقيق إحسان عباس الطبعة الأولى 1981 المؤسسة العربية للدراسات والنشر.

20 – فهرس الفهارس 2/218

21- جذوة المقتبس 345 تحقيق ابن تاويت وبغية الملتمس ص:490.

22- ترتيب المدارك 8/129 تحقيق سعيد أعراب.

23 – فهرست ابن خير الاشبيلي ص:327.

24 – كشف الظنون لحاجي خليفة 363.

25- رسائل ابن حزم 2/180 تحقيق د. إحسان عباس. ط 1/1981.

26 – مطبوع في كتاب “مجموع الرسائل المنيرية”، المجلد الثاني إدارة الطباعة المنيرية بمصر سنة 1343ه-.

27- فهرس الفهارس 2/218

28  – تجريد التمهيد لابن عبد البر ص:9 عني بنشره القدسي -دار الكتب العلمية بيروت.

29  – الرسالة المستطرفة لمحمد بن جعفر الكتاني ص:15 دار الفكر الطبعة الثالثة 1964.

30- ترتيب المدارك 2/130 الطبعة المغربية.

31  – المصدر نفسه، وانظر  كذلك تذكرة الحفاظ 3/1129 وكشف الظنون.

32 – جذوة المقتبس 117 و193.

33  – التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد لابن عبد البر 1/2 . الطبعة المغربية.

34  – جذوة المقتبس 345. بغية الملتمس 290. ترتيب المدارك 8/130. تذكرة الحفاظ 3/1129.

35  – جذوة المقتبس 348 وبغية الملتمس 490.

36 – ترتيب المدارك 8/130.

37 – الراجح أن الصحيح هو كلمة “عمل” وليس “علم”.

38 – الكافي في الفقه لابن عبد البر 1/137 تحقيق د. محمد أحيد، مطبعة الرياض. الطبعة الثانية 1400-1980.

39 – انظر كتاب الكافي 1/107-108… 123، في هذه الصفحات جمع المحقق المسائل الفقهية التي يظهر فيها طابع ابن عبد البر كمجتهد.

40 – الجذوة 345، والبغية 490.

41 – فهرست ابن خير ص: 251.

42 – ترتيب المدارك 8/130. تذكرة الحفاظ 3/1129.

43 – رسائل ابن حزم 2/180 تحقيق د. إحسان عباس.

44 – انظر الاستذكار ص: 21 و22.

45 – معجم المحدثين والقراء والمفسرين بالمغرب لعبد العزيز بن عبد الله ص: 31.

46 – معجم المحدثين والقراء والمفسرين ص:32. وفهرس مخطوطات خزانة القرويين 1/177-178.

اظهر المزيد

د. عبد العزيز فارح

رئيس مختبر الأبحاث والدراسات في التراث الإسلامي كلية الآداب بوجدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق