مركز ابن القطان للدراسات والأبحاث في الحديث الشريف والسيرة العطرةغير مصنف

العلامة عبد العزيز الأدوزي، مشيخته ومشارطاته العلمية بسوس

 

 

 

 

بقلم الباحثة: دة خديجة أبوري

مقدمة:                    

 من الأسر العلمية التي تسلسل فيها العلم والصلاح بسوس الأسرة اليعقوبية، وتسمى أيضا بالأدوزية، وقد نبغ منها علماء كبار لا يشق لهم غبار أسهموا في بناء صرح النهضة العلمية بهذه الربوع، وإن من بين هؤلاء الأعلام الأفذاذ، العلامة سيدي عبد العزيز بن محمد الأدوزي المتوفى عام 1336 هـ رحمه الله، الذي كان له الدور البارز في إشعاع نور هذه الأسرة، ومن باب الوفاء أن نعترف بفضله ونعرِّف بجهوده وبإنجازاته العلمية. وفي هذا الإطار يدخل هذا المقال الذي سيحاول الإجابة على ما يلي:   

اسمه ونسبه وكنيته ومولده.

نشأته العلمية.

شيوخه ومداركه ومشارطاته[1].

من تلامذة الشيخ عبد العزيز الأدوزي.

من أقوال العلماء فيه.

آثاره العلمية.

وفاته.

* اسمه ونسبه وكنيته ومولده[2]. 

هو: أبو فارس، عبد العزيز بن محمد بن محمد بن أحمد المرابط بن مَحمد بن عبد الله بن يعقوب السملالي السوسي الأدوزي، ولد في بلدة أدوز نحو عام 1268 هـ.

 * نشأته العلمية.

 نشأ العلامة عبد العزيز الأدوزي في كنف أسرته المشهورة في السوس الأقصى بالعلم والصلاح، وهم المعروفون بالأسرة اليعقوبية أو الأدوزية، فوالده العلامة الفقيه محمد بن محمد بن أحمد المرابط، وهو حفيد العلامة سيدي العربي بن إبراهيم الأدوزي، وتذكر المصادر التي ترجمت له أن بداية تلقيه للعلم كانت على يد هذا الأخير قال: “بدأ لي القرطبية”[3]، وبها يبدأ العلم عندهم على العادة،  ثم أخذ على مشايخ أهل سوس في مختلف العلوم والفنون -العقلية منها والنقلية-، حتى فاق أقرانه، ويصفه العلامة محمد المختار السوسي بأنه: “آية في التحقيق والبحث ومدارسة علوم المعقول والمنقول واللغة والأدب فضلا عن الفقه والنحو”[4]، وكان له بالفقه عظيم اعتناء وقد حكى عنه تلميذه سيدي المحفوظ الأدوزي أن من عادته أن يكتب دائما النصاب من المختصر في لوحة على حدة، فيكثر تأمل المتن ليكون ذلك أرسخ في ذهنه ولم يدع هذه العادة حتى مات[5].

وفيما يلي أذكر أشهر شيوخه الذين كان لهم الأثر الكبير في تحصيله العلمي.

* شيوخه ومداركه ومشارطاته.

يظهر من خلال قراءة الكتب التي ترجمت له أن تكوينه العلمي مرَّ بمرحلتين: أولاها: مرحلة الأخذ والتعلم من الشيوخ بسوس، وثانيها: مشارطته بمدارس نفس المنطقة، ذكر العلامة محمد المختار السوسي في المعسول أنه تلقى العلم أولا على يد جده لأمه سيدي العربي بن إبراهيم الأدوزي، ثم استتم كل مقروءاته على الأستاذ سيدي محمد بن العربي ولم يفارقه حتى تضلع وأدرك شأوا بعيدا، ثم أخذ بعض العلوم على يد الأستاذ عبد الرحمن السالمي الأيسي بالمدرسة الإغشانية، كما أخذ قليلا عن محمد الشريف المكي المشرقي[6]، ومن أشياخه بالإجازة العلامة سيدي محمد –فتحا- بن عبد الرحمن بن علي المتوفى عام 1326 هـ أجاز له ما قرأه عن والد المترجم وعن جده وعن الشيخ محمد بن أحمد الماسي من فقه ونحو وحساب وتنجيم وغير ذلك..[7]  

ثم انتقل بعد ذلك إلى مرحلة العطاء؛ وهي مشارطته بمدارس سوس، حيث شارط أولا بمدرسة سيدي بُعْبْدْلِّ، شارط فيها نحو 1295 إلى تمام المائة، فانتقل بعد ذلك لمدرسة  تزكَنْ، ثم مدرسة تحت الجبل(دو درار) برسموكة عام 1303 إلى عام 1305، فانتقل لمدرسة سيدي بعبدل أيضا أعواما، فرجع لرسموكة، ثم لمدرسة جامع تزنيت، ثم لمدرسة سيدي أحمد بن موسى الزروالي، ثم لداره أعواما إلى عام 1326 فرجع لسيدي بعبدل، فاستقر فيه إلى أن مات[8]، وقبل ذلك شارط أيضا في مدرسة أدوز و أفاوزور وسيدي مزال بن هارون..[9]

والعلامة عبد العزيز الأدوزي، ليس أستاذ الفقه والفرائض فحسب، بل له مشاركات في العلوم الأخرى فدرَّس الحديث والسيرة والنحو وغيرها.. ولنترك تلميذه العلامة محمد الإكراري يحدثنا عن بعض ما يعرفه عنه في هذا الجانب قال: ” فمن 1295 إلى 1336 لم يخل مجلسه من إقراء، قرأت عليه “الألفية”و”الشيخ خليلا”،و”العاصمية” و”الزقاقية” و”الميراث”، و”السملالية” و”المقنع” و”التلخيص” و”التنقيح” و”الورقات”، وبعض “جمع الجوامع” و”السلم بالشيخ بناني” و”البخاري” و”الشمائل” و”تأليفه على لو الشرطية”و”المقامات”،و”الدالية” و”بانت سعاد” و”المرجاني على المخمَّس خالي الوسط” كل ذلك قراءة بحث وتحقيق”[10].

قضى المترجم معظم حياته في التدريس، وتخرج على يده ثلة من العلماء البارزين ممن نالوا شهرة واسعة في الآفاق، وفيما يلي أذكر بعض هؤلاء فأقول:  

*من تلامذة الشيخ عبد العزيز الأدوزي:

تتلمذ على يد العلامة عبد العزيز الأدوزي كثيرون، وأخذ عنه جمع غفير، ومن بينهم أذكر:

محمد بن علي الأخصاصي[11].

المحفوظ بن عبد الرحمن الأدوزي.[12]

عبد الرحمن بن إبراهيم بن محمد[13]

محمد بن أحمد الإيكراري ثم الجراري[14].

أحمد بن الطاهر بن بكريم التمكرطي.[15]

محمد بن الطيب السكرادي الجراري[16]

عيسى بن المحفوظ الأدوزي.[17]

عبد الرحمن بن مومو[18].

وغيرهم كثير ممن يطول ذكرهم وحصرهم  في هذا المقال.

* من أقوال العلماء فيه

كان رحمه الله فقيه عصره وأديب زمانه، لا تخلوا يده من قلم، وله مشاركة كبيرة في المعارف. يقول عنه تلميذه العلامة الإكراري: “أديب الأدباء، ونجيب النجباء، يتيمة عقد الانتظام، وحرم النباهة الذي لا يُسام باهتضام، فهو إذا قال أوجز، وإن نطق أعجز، نخبة النخب، المنزه عن كل سخب، زين بعقوده نحور الطالبين، وأفاض من ينابيع علمه بحورا على الغارفين، خلد أثرا لا يندرس، ومعالم لا تبتئس..”، ويقول أيضا: “لا تخلو يده من قلم، يوشح كتبه بالحكم، لا يفارق التدريس، مع البحث النفيس، ويميل إلى إقراء الكتب الغريبة كالتنقيح للقرافي..”[19] وقال عنه العلامة محمد المختار السوسي: “علامة عظيم من عظماء العلماء الذين زانوا صدر هذا القرن في جبال (ولتيتة) فريد بينهم بخصال رائقة فما شئت من فهم ثاقب ومشاركة كبيرة في المعارف..”[20]

وأما عن صفاته وأخلاقه فقد كان في ذلك آية عجبا، ولنصغي إلى تلميذه العلامة الإكراري، -فإن أهل مكة أدرى بشعابها- قال: ” كان آية في الجود، لا يبخل بالموجود، يفرح بالضَّيْفَن والأضياف، ويتلقاهم بالإسعاف، وكان يشدد النكير على من استثقلهم ويقول:

إذا جاء ضيف جاء للضيف ضيفن *** فأودى بما نقري الضيوف الضيافن”.

ولهذا نجده يقول عندما كان يوما في مجلس الحديث في السبعة الذين يكونون في ظل العرش المحسوب فيهم من يخفي صدقته حتى تعلم يمينه ما فعلت شماله: هذه الخصلة هي مُنْيَتَايَ لَوْ أَجِدْ .. ما بقي من لذة الدنيا إلا مجالسة الإخوان، والباقي ارْمه في زاوية الهوان[21].

وفي هذا أيضا يقول العلامة محمد المختار السوسي: “كان آية في الكرم، فلا يملك قميصًا حتى يُغسَل المرة الثانية، ويحكي عنه جيرانه أنه ما أدخل شيئًا إلى داره إلا أن ناول منه للجميع أيا كان، وأما الضيافة فحاتم ثان”[22]

ومع جوده فقد كان متواضعا وتواضعه الخفي أكثر من تواضعه الجلي.[23]

* من آثاره العلمية.

وظَّف العلامة عبد العزيز الأدوزي معرفته العلمية في التأليف إِلَى جانب التدريس، ومما ذكره المترجمون له ما يلي:

شرح معلقة امرئ القيس[24].

 شرح الأدوزي على القصيدة الشمَقْمَقية لابن الوناني[25].

 شرح فصول التنقيح بخطِّه غير تام[26].

شرح على قصيدة: غرامي صحيح لابن فرح الاشبيلي[27].

ذيل على كتاب أنساب اليعقوبيين: للعلامة سيدي العربي بن إبراهيم الأدوزي[28].

وله أيضا تقاييد عن رجالات سوس في كنانيش[29]، ومؤلف في (لو) الشرطية[30]، وسنن العيد[31]، ومجموعة فتاويه[32] وغيرها.

*وفاته

وهكذا توفي العلامة سيدي عبد العزيز بن محمد الأدوزي السوسي رحمه الله، في الثالث والعشرين من شهر ذي الحجة الحرام عام 1336هـ، بعد أن عمر أزيد من 60 سنة، قضاها ما بين الدرس والمدارسة والتدريـس والتأليف، ودفن بقبة سيدي بعبدلِّ بأيت براييم بإقليم تزنيت.

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

**********************

لائحة المراجع المعتمدة:

1- إتحاف المطالع بوفيات أعلام القرن الثالث عشر والرابع، لعبد السلام بن عبد القادر بن سودة، تنسيق وتحقيق: محمد حجي دار الغرب الإسلامي، ط1 /1417-1997.

2- خلال جزولة، لمحمد المختار السوسي، المطبعة المهدية تطوان (د.ت).

3- دليل الأطروحات والرسائل الجامعية المسجلة بكليات الآداب بالمغرب ملحق 1995، أشرف على إنجازه: عمر أفا، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية الرباط، ط1/ 1417-1997.

 4- رجالات العلم العربي بسوس (من القرن الخامس إلى منتصف القرن الرابع عشر الهجري) لمحمد المختار السوسي، طبعه ونشره عبد الوافي المختار السوسي، ط 1/ 1409-1989.

5- روضة الأفنان في وفيات الأعيان وأخبار العين وتخطيط ما فيها من عجيب البنيان، لمحمد بن أحمد الإكراري، تحقيق: حمدي أُنُّــوش مراجعة: محمد الحاتمي، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية أكادير، طبع بمطبعة المعارف الجديدة الرباط، ط2 /1430-2009.

6- سوس العالمة، لمحمد المختار السوسي، طبع بمطبعة فضالة المحمدية عام 1380-1960.

7- المعسول، لمحمد المختار السوسي، مطبعة النجاح، الدار البيضاء 1381- 1962.

هوامش المقال:

*************

[1]  – المشارطة في العرف المغربي: هو العقد الشفهي الذي يبرمه الفقيه مع أهل المنطقة لإمامتهم وتعليم صبيانهم القرآن وأصول الكتابة، وتولية شؤون التدريس بمدرستهم الملحقة بالمسجد، وذلك بناءا على أجر متفق عليه.

[2] – مصادر ترجمته وبعض أخباره في: المعسول 5 /70-98، خلال جزولة ” في ترجمة ابنه” 4 /5-22، سوس العالمة ص: 205، رجالات العلم العربي بسوس ص: 124-125، إتحاف المطالع ص: 420، روضة الأفنان ص: 219-226، الأعلام للزركلي 4 /27.

[3]  – المعسول 5 /75.

[4]  – المعسول 5 /70-71.

[5]  – المعسول 5 /72.

[6]  – المعسول 5 /70.

[7]  – المعسول 5 /87.

[8]  – روضة الأفنان ص: 223-224.

[9]  – المعسول 5 /70.

[10]  – روضة الأفنان ص: 224-225.

[11]  – هو: محمد بن علي الأخصاصي يلقب بـ: بوجانوي، شارط في ميرغت وحاحة بإيداكيلول يعلم العلوم مات نحو 1346 هـ. .المعسول 5 /83.

[12]  – هو: المحفوظ بن عبد الرحمن بن عبد الله بن يعقوب الأدوزي، خاتمة الأدوزيين، ورافع راية التدريس في مدرسة أدوز بعد وفاة شيخه عبد العزيز. مات سنة 1351 هـ. المعسول 5 /222.

[13]  – هو عبد الرحمن بن إبراهيم بن محمد، فقيه متأدب لازم شيخه عبد العزيز الأدوزي مدة ستة أشهر وكان يحفظ كثيرا خصوصا الأدبيات ويقرض الأشعار مات عام 1357 هـ. المعسول 8 /11.

[14]  – هو: محمد بن أحمد بن مَحمد بن محمد بن عبد الرحمن الإيكراري، مؤرخ أديب وفقيه. اشغل بالتدريس والإفتاء..مات عام 1358 هـ.سوس العالمة ص: 218،الأعلام 6 /23.

[15]  – هو: أحمد بن الطاهر بن بكريم التمكرطي، البعقيلي، فقيه زاول النوازل وجاذب العلماء، شارط في مدارس عدة. مات سنة 1363 هـ. المعسول 5 /134.

[16]  – هو أبو عبد الله محمد بن الطيب السكراتي، إمام يقتدى به في حفظ العلوم لا يجارى في ميدانه. مات عام 1369 هـ ببلده بوسليمان. المعسول 11 /239 فما بعدها.

[17]  – هو: عيسى بن المحفوظ بن عبد الرحمن الأدوزي، علامة متضلع، أخذ عن شيخه عبد العزيز الأدوزي النحو واللغة والأدب والفقه. كان حيا سنة 1375 هـ. المعسول 5 /239- رجالات العلم العربي بسوس ص: 241.

[18]  – هو: عبد الرحمن بن مومو بن عبد الرحمن ابن أخي العلامة المحفوظ أخذ عن أبي فارس الأدوزي وغيره. كان حيا 1379 هـ.المعسول 5 /132.

[19] – روضة الأفنان ص: 220-221.

[20]  – المعسول 5 /70.

[21]  – روضة الأفنان ص: 220 – 221.

[22]  – رجالات العلم العربي في سوس ص: 125.

[23]  – المعسول 5 /70.

[24]  – ذكره العلامة محمد المختار السوسي في سوس العالمة ص: 205.

[25]  – وهو كتاب قام بتحقيقه الباحث محمد علي عطفاوي، في رسالة ماجستير بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط بإشراف: ذ علال الغازي بتاريخ: 11 /10 /95 . دليل الأطروحات والرسائل الجامعية المسجلة بكليات الآداب بالمغرب (ملحق 1995 ) ص: 92.

[26]  – ذكره العلامة محمد المختار السوسي في سوس العالمة ص: 205، والزركلي في الأعلام 4 /27.

[27]  – توجد نسخة منه في خزانة الإمام علي بتارودانت وهو الآن قيد التحقيق.

[28]  – سوس العالمة ص: 215.

[29]  – ذكره العلامة محمد المختار السوسي في المعسول 5 /72.

[30]  – ذكره العلامة محمد المختار السوسي في المعسول 5 /72، وسوس العالمة ص: 205.

[31]  – ذكره العلامة محمد المختار السوسي في سوس العالمة ص: 205.

[32]  – ذكره العلامة محمد المختار السوسي في سوس العالمة ص: 205، والزركلي في الأعلام 4 /27.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق