مركز دراس بن إسماعيل لتقريب المذهب والعقيدة والسلوكدراسات عامة

العقيدة

الدكتور جمال بوشما

باحث بمركز دراس بن إسماعيل

سنحاول في هذه الورقة الاصطلاحية تبيين مفهوم العقيدة من خلال استنطاق المادة اللغوية والاصطلاحية.

وبالنظر الابتدائي في المعاجم اللغوية، نجد «أن العين والقاف والدال أصل واحد يدل على شدٍّ وشدة وثوق»[1]، ويقال «عقد الحبل أعقده عقدا، وقد انعقد وتلك هي العقيدة».

وعاقدته مثل عاهدته وهو العقد، والجمع عقود، قال تعالى :﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾[2]، و قد اجتمعت كلمة المفسرين على أن المراد بالعقود في هذه الآية هو العهود[3] ،

والعقد عقد اليمين ،ومنه قوله تعالى ﴿ولكن يؤاخذكم بما عقَّدتم الأيمان﴾[4] بتشديد القاف، بمعنى « وكدتم الأيمان ورددتموها»[5].

وقد وردت مادة عقد في القرآن الكريم في ست آيات :

﴿ والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم﴾[6].

﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾[7].

﴿ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله﴾[8]

﴿ولكن يؤاخذكم بما عقَّدتم الأيمان﴾[9]

﴿واحلل عقدة من لساني﴾[10]  

﴿ومن شر النفاثات في العقد﴾ [11].ومن هنا يتبين أن كلمة العقيدة لم ترد في القرآن الكريم ،وإنما وردت مادتها فقط ، والأمر كذلك بالنسبة للسنة النبوية ،فقد وردت مادة العين والقاف والدال بصيغ مختلفة:عِقد[12]،عَقََدَ[13]، العَقد[14]..

وعقد قلبه على كذا، فلا ينزع عنه، واعتقدت كذا عقدت عليه القلب والضمير، حتى قيل العقيدة، وهي ما يدين الإنسان به.

 وقد ذكر الفيومي في المصباح المنير أن العقيدة هي ما يدين الإنسان به ، « فهي الإيمان بحقيقة معينة إيمانا لا يقبل الشك أو الجدل».[15]

أماالمعاني اللغوية لمادة عقد، فهي دائرة على معنى الشدِّ وهو نقيض الحلِّ، وهذا المعنى يدرأ آفة الشك والجدل عن العقيدة والمعتقد،لذلك جاء في المعجم الوسيط أن العقيدة هي: «الحكم الذي لا يقبل الشك فيه لدى معتقده،ويرادفها الاعتقاد والمعتقد وجمعها عقائد» .[16]

أما في الاصطلاح:

فالعقيدة هي المسائل التي يجب على كل مكلف التصديق بها من الواجب والجائز والمستحيل في حق الله وفي حق رسله[17].

أو هي ما يجب على المكلف التصديق والجزم به وجوبا عينيا،مما يجب لله وما يستحيل وما يجوز، وما يجب للرسل وما يستحيل وما يجوز ، وأحوال المعاد والممكنات[18].

والوجوب المنصوص عليه في الحد الاصطلاحي للعقيدة، هو شدٌّ وربط واستمساك بالمعتقد، لتكون له صفة الدوام حتى لا ينحل ولا يعرف الانخرام إليه سبيلا، فمادة العين والقاف والدال تفيد الجزم، فنقول عقد يعقد إذا جزم؛ لذلك استعمل العلماء هذا المصطلح جمعا ومفردا ومصدرا للتعبير عن مسألة الجزم المتصلة بالإلهيات والنبوات والسمعيات.

فنجد عبد الواحد بن عاشر قد عبر بمصدر الفعل عقد يعقد:

في عقد الأشعري وفقه مالك *** وفي طريقة الجنيد السالك[19]

وقبله صنف العلماء التصانيف بإدراج هذا المصطلح المعبر عما تقدم مثل:

– الاعتقاد للحافظ البيهقي 458هـ.

– الاقتصاد في الاعتقاد للإمام الغزالي 505هـ.

– اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر للشيخ عبد الوهاب الشعراني 973هـ.

ومن مرادفات مصطلح العقيدة: التوحيد، وأصول الدين، والفقه الأكبر، والكلام؛ لذلك نجد من عبر عن أمر العقيدة بهذه المصطلحات، مثل إبراهيم اللقاني في نظمه للعقيدة الأشعرية،حيث استعمل مصطلح أصول الدين فقال :

وبعد فالعلم بأصل الدين *** محتم يحتاج للتبيين[20]

لذلك فلا مشاحة في الاصطلاح،فالعبرة بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني،

 

ولله در القائل:

محاسنك شتى وحسنك واحد *** وكل إلى ذلك الجمال يشير

 

1معجم مقاييس اللغة لابن فارس ج 4 ص 86- 87.

 2سورة المائدة الآية 1.

3جامع البيان عن تأويل آي القرآن لأبي جعفر الطبري ج 9 ص 449.

4سورة المائدة الآية 89.

 5جامع البيان للطبري ج10ص524.[1]

6 سورة النساء الآية 33

7 سورة المائدة الآية 1.

8  سورة البقرة الآية235

9 سورة المائدة الآية 89.

10سورة طه الآية27.

11 سورةالفلق الآية4 .

12  عن عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم  قالت ((خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقد لي…)) الحديث، رواه البخاري في صحيحه كتاب التيمم رقم 327.

14عن قيس بن عباد قال ((بينا أنا في المسجد في الصف المقدم فجبذني رجل من خلفي جبذة فنحاني وقام مقامي فوالله ما عقلت صلاتي فلما انصرف فإذا هو أبي بن كعب فقال يا فتى لا يسؤك الله إن هذا عهد من النبي صلى الله عليه وسلم إلينا أن نليه ثم استقبل القبلة فقال هلك أهل العقد ورب الكعبة ثلاثا ثم قال والله ما عليهم آسى ولكن آسى على من أضلوا قلت يا أبا يعقوب ما يعني بأهل العقد قال الأمراء))  رواه النسائي  باب من يلي الإمام ثم الذي يليه رقم 808.

15علم العقيدة بين الأصالة والمعاصرة للدكتور أحمد السايح ص 8.

13 عن أبي جمرة قال سمعت ابن عباس يقول قدم وفد عبد القيس على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا (يا رسول الله إنا هذا الحي من ربيعة وقد حالت بيننا وبينك كفار مضر فلسنا نخلص إليك إلا في شهر حرام فمرنا بأشياء نأخذ بها وندعو إليها من وراءنا قال آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع الإيمان بالله شهادة أن لا إله إلا الله وعقد واحدة وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وأن تؤدوا لله خمس ما غنمتم وأنهاكم عن الدباء والنقير والحنتم والمزفت)) صحيح البخاري  باب وفد عبد قيس رقم 4111

16 المعجم الوسيط من إصدارات مجمع اللغة العربية ج 2ص637.

17 أنظر أم البراهين وشرحها لمحمد بن يوسف السنوسي بحاشية الدسوقي ص 68،69.

18 شرح الصاوي على جوهرة التوحيد تحقيق وتعليق عبد الفتاح البزم ص 84.

19أنظر البيت الخامس من منظومة المرشد المعين على الضروري من علوم الدين لعبد الواحد بن عاشر.

20 أنظر البيت الخامس من متن جوهرة التوحيد لبرهان الدين إبراهيم اللقاني.

 

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق