مركز دراس بن إسماعيل لتقريب المذهب والعقيدة والسلوكشذور

الخبر بين الإجازة والسماع الرديء

 قال الشيخ الفقيه الحافظ الناقد القاضي أبو الفضل عياض رحمه الله تعالى ورضي عنه:

         حدثنا أحمد بن محمد الشيخ الصالح عن الحافظ أبي ذر الهروي إجازة قال: حدثنا الوليد بن بكر المالكي، قال: حدثنا أحمد بن محمد أبو سهل العطار بالإسكندرية قال: كان أحمد بن ميسر يقول: الإجازة عندي على وجهها خير وأقوى في النقل من السماع الردي. وهبك صح هذا كله في مراعاة صدق الخبر، أين تحري المروي وتعيين المخبر؟ لا جرم بحسب هذا الخلل وتظاهر هذه العلل ما كثر في المصنفات و الكتب، التغيير والفساد وشمل ذلك كثيرا من المتون والإسناد وشاع التحريف وذاع التصحيف وتعدى ذلك منشور الروايات إلى مجموعها، وعلم أصول الدواوين مع فروعها، حتى اعتنى صبابة أهل الإتقان والعلم، وقليل ما هم بإقامة أودها ومعاناة رمدها، فلم يستمر على الكافة تغييرها جملة لما أخبر عليه السلام عن عدول خلف هذه الأمة، وتكلم الأكياس والنقاد من الرواة في ذلك بمقدار ما أوتوه، فمن بين غال ومقصر ومشكور عليم ومتكلف هجوم، فمنهم من جسر على إصلاح ما خالف الصواب عنده وغير الرواية بمنتهى علمه وقدر إدراكه، وربما كان غلطه في ذلك أشد من استدراكه، لأنه متى فتح هذا الباب لم يوثق بعد بتحمل رواية ولا أنس إلى الاعتداد بسماع مع أنه قد لا يسلم له ما رآه ولا يوافق على ما أتاه إذ فوق كل ذي علم عليم. ولهذا سد المحققون باب الحديث على المعنى وشددوا فيه، وهو الحق الذي اعتقده ولا أمتريه إذ باب الاحتمال مفتوح، والكلام للتأويل معرض، و أفهام الناس مختلفة، والرأي ليس في صدر واحد، والمرء يفتن بكلامه ونظره، والمغتر يعتقد الكمال في نفسه، فإذا فتح هذا الباب وأوردت الأخبار على ما ينفهم للراوي منها لم يتحقق أصل المشروع، ولم يكن الثاني بالحكم على كلام الأول بأولى من كلام الثالث على كلام الثاني، فيندرج التأويل، وتتناسخ الأقاويل، وكفى بالحجة على دفع هذا الرأي القائل دعاؤه عليه السلام في الحديث المشهور المتقدم، لمن أدى ما سمعه كما سمعه بعد أن شرط عليه حفظه ووعيه. ففي الحديث حجة وكفاية وغنية في الفصول التي خضنا فيها آنفا من صحة الرواية لغير الفقيه، واشتراط الحفظ والوعي في السماع والأداء كما سمع وصحة النقل وتسليم التأويل لأهل الفقه والمعرفة، وإبانة العلة في منع نقل الخبر على المعنى لأهل العلم وغيرهم بتنبيهه على اختلاف منازل الناس في الدراية، وتفاوتهم في المعرفة وحسن التأويل.

مشارق الأنوار على صحاح الآثار في شرح غريب الحديث

الموطأ والبخاري و مسلم، للقاضي عياض.

 الطبعة الأولى 1423هـ – 2002م، دار الكتب العلمية، 1/12.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق