مركز ابن أبي الربيع السبتي للدراسات اللغوية والأدبيةقراءة في كتاب

– الحلقة الرابعة – بلاغة أسلوب الترقي من خلال فتوح الغيب للإمام الطيبي

حرص الإمام الطيبي –رحمه الله – في فتوحه على تتبع النكات البلاغية واستجلاء الأساليب البيانية، وينكشف من خلال صولاته وجولاته ما أوتى من علم واسع وعقل راجح ولسان ذلق وقوة عارضة، فضلا عن طبع سليم وذوق مهذب، وكل ذلك ساعده على التمييز بين الأساليب والمباني، وتلمّس الفروق الدقيقة بين الدلالات والمعاني.

 ومن الأساليب التي وقف عليها الإمام الطيبي – رحمه الله – أسلوبُ الترقي، وهو أسلوب رقيق، ونمط من أنماط الكلام دقيق، ويندرج ضمن مباحث (علم المعاني)، وضمن مسالك التقديم والتأخير، لذلك نجد كلا من الزركشيّ والسيوطي – رحمهما الله – يذكره ضمن أنواع التقديم والتأخير فهو النوع السابع عشر في (البرهان) والنوع التاسع في (الإتقان).

وأسلوب الترقي له خطر عظيم وشرف كبير، فهو قانون البلاغة، ومراعاته يعصم الكلام من التكرار والنزول؛ قال ابن المنير في «الانتصاف»: «مهما أدى إلى أن يكون آخر كلامك نُزولا بالنسبة إلى أوله، أو يكون الآخر مندرجا في الأول، قد أفاده. وأنت مستغن عن الآخر فاعدل عن ذلك إلى ما يكون ترقيا من الأدنى إلى الأعلى، واستئنافا لفائدة لم يشتمل عليها الأول»[1/582]

ويردف ذلك بمثال يفصله فيه المجمل، ويبين فيه المشكل، وهو الآية: (لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ)[النساء:172] قال: «فإنك لو ذهبت فيها إلى أن يكون المسيح أفضل من الملائكة وأعلى رتبة، لكان ذكر الملائكة بعده كالمستغنى عنه. لأنه إذا كان الأفضل وهو المسيح، على هذا التقدير، عبدا لله غير مستنكف من العبودية لزم من ذلك أن من دونه في الفضيلة أولى أن لا يستنكف عن كونه عبدا لله، وهم الملائكة على هذا التقدير. فلم يتجدد إذا بقوله لَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ. إلا ما سلف أول الكلام.

وإذا قدرت المسيح مفضولا بالنسبة إلى الملائكة، فإنك ترقيت من تعظيم الله تعالى بأن المفضول لا يستنكف عن كونه عبدا له، إلى أن الأفضل لا يستنكف عن ذلك. وليس يلزم من عدم استنكاف المفضول عدم استنكاف الأفضل. فالحاجة داعية إلى ذكر الملائكة. إذ لم يستلزم الأول الآخر. فصار الكلام على هذا التقدير تتجدد فوائده وتتزايد. وما كان كذلك تعين أن يحمل عليه الكتاب العزيز. لأنه الغاية في البلاغة»[1/582]

ومثال آخر ذكره ابن المنير – رحمه الله – جاء فيه أسلوب الترقي على نمط آخر عكس ما في الآية، وهو: «لا تؤذ مسلما ولا ذميا»، قال: «وبهذه النكتة يجب أن نقول: لا تؤذ مسلما ولا ذميّا. فتؤخر الأدنى على عكس الترتيب في الآية. لأنك إذا نهيته عن إيذاء المسلم، فقد يقال ذاك من خواصه احتراما للإسلام. فلا يلزم من ذلك نهيه عن الكافر المسلوبة عنه هذه الخصوصية. فإذا قلت: ولا ذميّا- فقد جددت فائدة لم تكن في الأول. وترقّيت من النهي عن بعض أنواع الأذى، إلى النهي عن أكثر منه. ولو رتبت هذا المثال كترتيب الآية، فقلت: لا تؤذ ذميّا، فهم المنهيّ أن أذى المسلم أدخل في النهي. إذ يساوي الذميّ في سبب الاحترام وهو الإنسانية مثلا، ويمتاز عنه بسبب أجلّ وأعظم وهو الإسلام. فيقنعه هذا النهي عن تجديد نهي آخر عن أذى المسلم»[1/582].

وهذه نكتة واحدة، توجب أحيانا تقديم الأعلى، وأحيانا تأخيره. ولا يميز لك ذلك إلا السياق[الانتصاف 1/583].

تعريف الترقي:

عرفه الطيبي – رحمه الله – بقوله: «معنى الترقي هو: أن يذكر معنى ثم يردف بما هو أبلغ منه»(1)، معنى ذلك أن يتدرّج المتكلم في إيراد المعاني؛ فينتقل من الأدنى إلى الأعلى، ومن القوي إلى الأقوى، ومن الأهون إلى الأغلظ وهلم جرا.

وقد مثل لأسلوب الترقي الزمخشري – رحمه الله – بقوله: «فلان عالم نحرير، وشجاع باسل، وجواد فياض»، فكل وصف من (نحرير/باسل/فياض) أبلغ مما قبله.

ومن أمثله الطيبي – رحمه الله -: (فلان يعلم التصريف والنحو)؛ ففيه ترقٍّ وتدرجٌ؛ لان التصريف يختص بالمفردات، والنحو بالمركبات، والعلم بالمفردات مقدم على العلم بالمركبات.

والترقي أسلوب بديع، وهو قانون البلاغة، فإن من «شأن أهل البلاغة إذا أجروا وصفين في معنى واحد على موصوف في مقام الكمال أن يرتقوا من الأعم إلى الأخصّ ومن القويّ إلى الأقوى كقولهم: شجاع باسل وجواد فياض، وعالم نحرير، وخطيب مصقع، وشاعر مفلق»(2).

الفرق بيت الترقي والتتميم:

وقد حرص الطيبي – رحمه الله – على تحرير المصطلح والتفرقة بينه وبين مصطلحات مشابهة، كالتتميم مثلًا الواقع في البسملة بين (الرحمن) و(الرحيم)، وقال بعد ذكر أبلغية (الرحمن) ما نصه: «هذا الأسلوب ليس من باب الترقي، بل هو من باب التتميم: وهو تقييد الكلام بتابع يفيد مبالغة؛ وذلك أنه تعالى لما ذكر ما دل على جلائل النعم وعظائمها، أراد المبالغة والاستيعاب، فتمم بما دل على دقائقها وروادفها؛ ليدلّ به على أنه مولى النعم كلها: ظواهرها وبواطنها، جلائلها ودقائقها»(3). وقال: «ولو قصد الترقي لفاتت المبالغة المذكورة وذهب به معنى التعميم المطلوب في ألفاظ “الفاتحة” كما سبق. وذلك أن الترقي يحصل فيما إذا قلت: فلان يعلم التصريف والنحو، والتتميم لا يحصل إلا من قولك: يعلم معاني كلام الله المجيد والتصريف؛ إذ من شرط التتميم الأخذ بما هو الأعلى في الشيء، ثم ما هو أحط منه ليستوعب جميع ما يدخل تحت ذلك الشيء؛ لأنهم لا يعدلون عن الأصل والقياس إلا لتوخي نكتة»(4).

ومثل ذلك قوله – رحمه الله – عند تفسير قوله تعالى: (وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ)[البقرة:74].

قال الطيبي: «قوله [أي الزمخشري]: (والمعنى: إن من الحجارة ما فيه خروق واسعة) إلى آخره، فيه على ما فسر معنى التتميم دون الترقي، ليكون على وزان قوله تعالى: (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) [الفاتحة: 3] إذ لو أريد الترقي لقيل: إن منها لما يشقق فيخرج منه الماء، وإن منها لما يتفجر منه الأنهار. وفائدته: استيعاب جميع الانفعالات التي على خلاف طبيعة هذا الجوهر، وهو أبلغ من الترقي. نعم، الترقي من قوله: (لَمَا يَتَفَجَّرُ) إلى آخره إلى قوله: (وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ) تتميم للتتميم. /(2/ 544)

الفرق بين التتميم والتكميل:

ويفرق الطيبي – رحمه الله – بين التتميم والتكميل أيضا، مستطردا بذكر الفرق بين الرحمن والرحيم، ويقول: «والذي عليه ظاهر كلام الإمام [أي الرازي]: أنه من باب التكميل وهو: أن يؤتى بكلام في فن، فيرى أنه ناقص فيه فيكمل بآخر، فإنه تعالى لما قال: “الرحمن” توهم أن جلائل النعم منه، وأن الدقائق لا يجوز أن تنسب إليه لحقارتها، فكمل بالرحيم. وينصره ما روينا عن أنس قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى يسأل شسع نعله إذا انقطع”، وزاد: “حتى يسأله الملح”، أخرجه الترمذي»(5).

 أمثلة من أسلوب الترقي:

عني الإمام الطيبي – رحمه الله – في حاشيته بحسر الخمار عما في الآياتِ من أساليب بديعية وأفانين بيانية، وتتبع كلام الزمخشري – رحمه الله -، متشمرا «لتصدي شرح مجمله، وحل معضله، وتلخيص مشكله، وتخليص مبهمه، وفسر عويصه، وفك عقوده الموربة، وتبين قيوده المكربة»، إلى حرصه على إبراز النظم القرآني الذي معرفته: «أعظم المطالب، وأسنى المقاصد والمآرب» و«مسبار البلاغة، ومعيار البراعة».

ومن أمثلة أسلوب الترقي الذي تصدى لها الطيبي –رحمه الله -:

– قوله تعالى: ((فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) [البقرة: 54] وفيه معنى الترقي)[2/66]

– قوله تعالى: (يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)[البقرة:21]«يمكن أن يكون الأسلوب من باب الترقي، والمراد في “لعلكم” معنى الترجي، لكن معناه راجع إلى المكلف، أي: اعملوا في عبادة ربكم علم من يرجو الترقي فيها من الأهون إلى الأغلظ» [2/300]

– قوله تعالى: (وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ)[البقرة:48] قال: «فإن الآية من أسلوب الترقي، ولذلك اختار المصنف في تفسير “تجزي”: تقضي، على “تغني”، كأنه قيل: النفس الأولى غير قادرة على استخلاص صاحبها من قضاء الواجبات، وتدارك التبعات؛ لأنها مشتغلة عنها بشأنها (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ* وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ* وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ* لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَانٌ يُغْنِيهِ) [عبس: 34 – 37] ثم إن قدرت على سعي ما مثل الشفاعة فلا يقبل منها، وإن زادت عليها بأن يضم معها الفداء فلا يؤخذ منها، وإن حاولت الخلاص بالقهر والغلبة- وأنى لها ذلك- فلا تتمكن منه، فالترقي من السعي إلى السعي» [2/477]

قوله: (لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ)[آل عمران:111]، قال الطيبي –رحمه الله- نقلا عن «الانتصاف»: « هذا من الترقي: وعدهم بتولية عدوهم الأدبار عند المقاتلة، ثم ترقى فوعد أنهم لا ينصرون مطلقاً، وزيد في الترقي بدخول “ثم” بتراخي الرتبة، كأنه قال: ثم ها هنا ما هو أعلى في الامتنان أنهم لا ينصرون البتة»[4/218]

قوله: (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) [الأنعام:145]، قال أبو حيان: «(فسقا)الظاهر أنه معطوف على المنصوب قبله سمي ما أهل لغير الله به فسقا لتوغله في باب الفسق ومنه ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وأهل صفة له منصوبة المحل وأجاز الزمخشري أن ينتصب فسقا على أنه مفعول من أجله مقدم على العامل فيه وهو أهل»(6).

قال الطيبي –رحمه الله -: «الأول أولى [أي: كونه معطوفا على ميتة]، ليحصل في الكلام الترقي، وليؤذن بأن ما أهل لغير الله أقذر وأخبث من لحم الخنزير، ولذلك علل لحم الخنزير بالرجس، ثم أتبعه ذلك، وسماه أولاً بنفس الفسق، ثم وصفه بما يكشف عن حقيقته، كأن الفسق تفسيره، وبيانه: أنه أهل لغير الله. فعلى هذا ففي تأخير الدم عن الميتة الإشعار بأنه أخبث منه، فيجب أن يحترز منه ما أمكن، كما ذهب إليه الشافعي»[6/277].

قوله: (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (*) وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ)[الأعراف:57-58]، قال الطيبي: «وأما قوله تعالى: (كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ)، بعد قوله تعالى: (لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)، فمن باب الترقي، لأن من تذكر آلاء الله، عرف حق النعمة فشكر» [6/416]

قوله: (وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ)[يونس:61]، قال الطيبي – رحمه الله -: «قوله: (لما ذكر شهادته على شؤون أهل الأرض وأحوالهم وأعمالهم) إلى قوله: (لاءَم ذلك أن قدم الأرض على السماء) يريد: أن في الآية الترقيَ من الأهون إلى الأغلظ، وأن الكلام في أعمال العباد، وذلك أن سياق الكلام من ابتداء قوله: (وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ) [يونس: 41] إلى هاهنا، في تقبيح أعمال الكفرة، وتسلية الرسول -صلى الله عليه وسلم- مما بلا من مقاساة القوم وطعنهم في الدين، يدل عليه قوله تعالى بعد هذا: (وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً) [يونس: 65]، وكان الاهتمام بشمول العلم والإحاطة التامة ليترتب عليه الوعد والوعيد بجزاء الأعمال، أوجب الترقي من الأهون إلى الأغلظ»[7/519].

قوله:(أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ)[هود:5]، قال الطيبي: «وفي تكرير كلمة التنبيه، وإقحامه بين الظرف وعامله: الدلالة على الترقي من حالة إلى أخرى أعجب منها؛ استجهالاً لهم، ونظيره إقحام حرف الاستفهام بين المعطوف والمعطوف عليه، والشرط والجزاء، كما مر مراراً»[8/15]

قوله: (تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ)[هود:49]، قال الطيبي مفصلا ما أجمله الزمخشري عند تفسيره لقوله: (أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ): «…الأسلوب من باب الترقي من الأدنى إلى الأعلى- كقوله تعالى: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى) [البقرة: 120]- لقوله: “إن قومك على كثرتهم إذا لم يعرفوه، فكيف برجل منهم”، فوضع “برجل منهم” موضع “أنت” اعتباراً للقلة، لتحصيل الترقي.

ويجوز أن يكون من باب التكميل، لأن تلك الأنباء مقصوصة لتسلي رسول الله صلى الله عليه وسلم من إيذاء قومه له، يدل عليه ترتب قوله: (فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ) عليها، ثم ضم إليه ما يتنبه به القوم على التهديد، كأنه قيل: إنما قصصنا عليك وعلى قومك قصة نوح ليكون تسلياً لك واعتباراً لقومك» [8/110]

قوله: (أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (*) أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا)[الإسراء:68-69]، قال الطيبي: «وفي تذييل كل من الآيتين معنى الترقي؛ ذُيلت الأولى بقوله: (ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلاً)، أي: من يتوكل بصرف ذلك عنكم؟ والثانية بقوله: (ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعاً) أي: مطالبنا يُطالبنا بما فعلنا دركاً للثأر؛ لأن طلب الثأر بعد الهلاك والتوكل قبله»[9/336]

قوله: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) [الإسراء:70]، قال الطيبي: «الآية أُخرجت مخرج القسيمة، وكرر فيها ما يُنبئ عن غاية المدح من ذكر الكرامة والتفضيل وتسخير الأشياء على سبيل الترقي»[9/342].

قوله: (بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَاتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ) [الأنبياء: 5]. قال الطيبي: «وأما بيانُ الترقي في الوجه الثاني: فأن يقال: إن نسبتهم القرآن إلى السحر فاسدٌ؛ لأن هذا حقٌ، وذلك باطلٌ، وأنى يُشبه هذا السحر (أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ) [الطور: 15]؟ ثم إن قولهم: إنه أضغاث أحلام، أي: تخاليطها، أفسد منه؛ لأن تشبهي النظم المعجز الفائق بالسحر أقربُ من ذلك، كقوله: “إن من البيان لسحرا”، لكن أين هذا من التخاليط: إنه (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) [هود: 1] ثم قولهم: إنه كلامٌ مفترى من عنده أبعد من ذلك؛ لأنهم لم يحرروا أنفسهم، ولم يدركوا أن قوى البشرية وإن استفرغت طوقها، لا تطيق على الإتيان بمثله: (فَاتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ) [هود: 13]؛ ولأن المفترى مبطل، وكلامه باطل، وهذا (لا يَاتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) [فصلت: 42].

ثم قولهم: إنه قول شاعر، أبعد وأفسد؛ لأن الشعر: متخيلات ملفقة وتخرصاتٌ مزخرفةٌ تدعو إلى الهوى والشيطان، وهذا يدعو إلى الهدى وطاعة الرحمن: (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ * لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيّاً وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ) [يس: 69 – 70]، وهذا الوجه أدل على التحير من حيث الحقيقة»[10/294]

قوله: (أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (*) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ)[المؤمنون:69-70]، قال الطيبي: «قوله تعالى: (أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ) إضرابٌ على سبيل الترقي، وكذلك قوله: (أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ) فإنه لما أثبت لهم الجهل الموروث أضرب عن ذلك بإثبات الجهل المكتسب، وهو عدم جريهم بموجب العلم فإن الهمزة في أم للسؤال مُجرى للمعلوم مساق غيره تجهيلاً، أو للتوبيخ. [10/ 604]

قوله: (وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (92) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ [الشعراء (93]، قال الطيبي: «وفي معنى قوله: {هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ} الترقي والمبالغة، أي: كيف يخلصونكم من عذاب النار، بل كيف يقدرون على خلاص أنفسهم منها؟ فوضع ينتصرون، وهو من انتصر منه، أي: انتقم، موضع الاستخلاص مبالغةً وتهكماً»[11/384]

قوله: (سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا)[الفتح: 11]، قال الطيبي –رحمه الله -: «…أمره بأنْ يجيبهم بأجوبة ثلاثة على الترقي، بقوله أولًا على سبيل الكلام المنصف تعريضًا بغيرهم من المحقين والمبطلين: {فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرَّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا}، يعني: ليس مالك النفع والضر إلا هو، فلا أهلكم وأموالكم ولا القعود في بيوتكم ينفعكم أن أراد بكم ضرًا، كما في أحد، ولا الشخوص إلى الغزو ومقاتلة الأعداء تضركم أن أراد بكم نفعًا من الظفر والغنيمة، كما في بدر »[14/388]

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق