مركز ابن أبي الربيع السبتي للدراسات اللغوية والأدبيةدراسات عامة

التَّصحيفُ اللّغويّ في نصّ الحَديث، وأثَره في الفَهم والاستنباط

د.عبد الرحمن بودرع
يَرجعُ مصطلحُ التّصحيف في الأصلِ إلى الأخذِ عن الصُّحُفِ، دونَ التّلقّي من أفواهِ المَشايِخِ؛ قال أبو أحمدَ العسكريّ: « فأمّا معنى قولِهم “الصُّحُفيّ والتّصْحيف”، فقد قالَ الخليلُ: إنّ الصُّحفيَّ الذي يروي الخَطأَ عن قراءةِ الصُّحُفِ بأشباه الحُروفِ، وقال غيرُه: أصلُ هذا أنّ قوماً كانوا قد أخذوا العلمَ عن الصُّحفِ، من غيرِ أن يَلْقَوْا فيه العُلَماءَ، فكان يقعُ فيما يرْوونَه التّغييرُ، فيُقالُ عندَه: قد صَحّفوا، أي رَدّدوه عن الصُّحُفِ، وهم مُصحِّفون، والمصدَرُ التَّصْحيفُ(1)
و قَدْ ألَّفَ العُلَماءُ في مَوْضوعِ “التَّصْحيفِ في الحَديثِ” (2)، وفَصَّلوا الحَديثَ في أنْواعِه المُخْتَلِفَةِ(3)، و مِنْهُم مَن خَصَّ ألْفاظَ الحَديثِ و ما يَعْتَريها مِنْ تَصْحيفٍ بِعِنايَةٍ لُغَوِيَّةٍ خاصَّةٍ؛ فَهذا أبو سُلَيْمانَ الخَطّابِيُّ يُصَحِّحُ ألْفاظاً مِنَ الحَديثِ التي يَرْويها أكثرُ الرّواةِ والمُحدِّثينَ مَلْحونَةً ومُحَرَّفَةً ويُخْبِرُ بِصَوابِها، و فيها حُروفٌ تَحْتمِلُ وُجوهاً اخْتارَ مِنْها أبْيَنَها و أوْضَحَها(4)
و هذا الحاكِم النّيسابورِيّ يورِدُ أحاديثَ و يُنَبِّه عَلى ما وَقَعَ في مَتْنِها مِن تَصْحيفٍ قَدْ يُفْضي إلى عَدَمِ الاسْتِدْلالِ بالحَديثِ، كَما وَرَدَ في حَديثِ “إنَّ لله تِسْعَةً و تِسْعينَ اسْماً” (5) و فيه “الحَفيظ المُقيتُ”، و قدْ رَوى أبو زَكَرِيّا العَنْبَرِيّ عنْ أبي عَبْد الله البوشنْجيّ أنّ المَحْفوظَ مِن هذا الحَديثِ هُوَ “المُغيثُ”، و أنَّ مَنْ قالَ “المُقيت” فَقَدْ صَحَّفَ(6)
وهذا الحافِظُ أبو الحَجّاجِ المُزِّيّ يُعَلِّقُ عَلى حَديثٍ رَواه ابْنُ ماجَة مِنْ طَريقِ الأعْمَشِ عَنْ أبي صالِحٍ عَنْ أبي هُرَيرةَ وعَن أبي سُفْيان عَنْ جابِرٍ قالا: جاءَ سُليكٌ الغَطَفانيُّ ورَسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ فَقالَ لَه النَّبيّ صلى الله عليه وسلم : أصَلَّيْتَ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أنْ “تَجيءَ”؟ قالَ لا، قالَ فَصَلِّ رَكْعَتَينِ وتَجَوَّزْ فيهِما (7) ، و يَقولُ المُزّيّ إنَّ الصَّوابَ: ” أصَلَّيْتَ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أنْ تَجْلِسَ؟ “، فَغَلطَ فيه النّاسِخُ، وأنَّ كِتابَ ابْنِ ماجَه تَداوَلَتْه شُيوخٌ لَمْ يَعْتَنوا بِه، بِخِلافِ صَحيحَي البُخارِيّ ومُسْلِمٍ؛ فإنّ الحُفّاظَ تَداوَلوهُما واعْتَنَوْا بِضَبْطِهِما وتَصْحيحِهِما، أمّا كِتابُ ابْنِ ماجَه فَقَدْ وَقَعَ فيه أغْلاطٌ وتَصْحيفٌ (8)؛ إذْ صَحَّفَه بَعْضُ الرُّواةِ (9). ولا شَكَّ في أنّ كَثيراً مِن الأحاديثِ التي وَقَعَ في بعضِ ألْفاظِها تَصْحيفٌ، أثَّرَ ذلِكَ في الأحْكامِ الفِقْهِيّةِ المُسْتَنْبَطَةِ، وعُمِلَ بِمُقْتَضى المَعْنى المُصَحَّفِ (10)، كَما وَقَعَ في الحَديثِ السّابِقِ: “أصَلَّيْتَ قَبْلَ أنْ تَجْلِسَ؟”، التي رُوِيَتْ: “أصَلَّيْتَ قَبْلَ أن تَجيءَ”، واسْتُخْرِجَ مِن المَعْنى المُصَحَّفِ مَعانٍ فِقْهِيّةٌ
وهذا الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ العَسْقَلانِيُّ يُعَلِّقُ عَلى رِوايةِ مُسْلِمٍ لحَديثِ السَّبْعَةِ الذينَ يُظِلُّهُم الله بِظلِّه، الذي أورَدَه في بابِ “فَضْل إخْفاءِ الصَّدَقَةِ”، فَقَدْ رَواه بِقَلْبِ جُزْءٍ مِنْه: “ورَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فأخْفاها حَتّى لا تَعْلَمَ يَمينُه ما تُنفقُ شِمالُه” (11) ، فَهُو حَديثٌ مَقْلوبٌ حُوِّلَ جُزْءٌ مِنْه عَنْ وَجْهِه، وقَدْ يُؤدّي القَلْبُ في مُتونِ الأحاديثِ إلى تَغْييرِ مَعاني النّصوصِ وتَحْريفِها عَنْ مَواضِعِها؛ قالَ ابْنُ حَجَرٍ في الحَديثِ عَنِ التَّصْحيفِ في المَتْنِ: «وقَد سَمّاه بَعضُ مَن تَقدَّم مَقلوباً؛ قالَ عياض : هكَذا في جَميعِ النُّسَخِ التي وَصَلتْ إلينا مِنْ صَحيحِ مُسْلِمٍ، وهو مَقلوبٌ ، والصَّوابُ الأوّلُ و هو وَجهُ الكَلامِ ؛ لأنَّ السُّنّةَ المَعهودَةَ في الصّدقةِ إعْطاؤُها بِاليَمينِ، وقَد تَرجَم عَليه البُخاريّ في الزَّكاةِ: “باب الصَّدَقَة بِاليَمينِ(12)
وأوْرَدَ عُلَماءُ الحَديثِ أيْضاً أحاديثَ كَثيرَةً ، اعْتَراها التَّصْحيفُ في المَتْنِ، مِنْها ما ذَكَرَه ابْنُ الصَّلاحِ وابْنُ جَماعَةَ مِنْ نَماذِجَ في التَّصْحيفِ في المَتْنِ كَحَديثِ ثابِتِ بْنِ زَيْدٍ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم «احْتَجَرَ في المَسْجِدِ بِخُصٍّ أو حَصيرٍ حُجْرَةً يُصَلّي فيها» ، فَقَدْ صَحَّفَه ابْنُ لهيعَةَ فَقالَ: احْتَجَمَ في المَسْجِدِ (13) ، فَصَحَّفَه لِكَوْنِه أخَذَه مِنْ كِتابٍ بِغيْرِ سَماعٍ (14)
وهكذا فإنّ الحِرْصَ عَلى روايةِ الحَديثِ النّبويّ الشّريفِ، بألفاظِه وحُروفِه، وانتباهَ العُلَماء إلى ذلكَ وتنبيهَهُم عليْه، لَمِمّا يَبْعَثُ الاطْمِئْنانَ عَلى سَلامَةِ لُغَتِه مِنْ كلِّ تَحْريفٍ أو زِيادةٍ أو نَقْصٍ أو إبْدالٍ للَفْظٍ بآخَرَ .
ولا شَكَّ، بعد ذلكَ، في أنّ سَبيلَ السَّلامَةِ مِنَ اللَّحْنِ و التَّحْريفِ و التَّصْحيفِ اشتراطُ المَعْرِفَة بالنَّحوِ واللّغةِ، والأخذِ مِنْ أفْواهِ أهلِ العِلمِ و الضَّبطِ (15) ، ومَنْ لا يُفَرِّقُ بَيْنَ الخَطإ والصَّوابِ فَلَيْسَ بِأهْلٍ لأن يُؤْخَذَ عَنْه(16)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حواشي المقال
[شَرْحُ ما يقَع فيه التّصحيفُ والتَّحْريف: 13]أبو أحمدَ العسكريّ، تحقيق أحمد عبدالعَزيز، شركة مكتبة ومطبعة البابي الحلبي وأولاده، القاهِرة، ط.1، 1383هـ، 1963م . [في اللغة والأدب، دِراساتٌ وبُحوثٌ: 2/459] د. محمود محمّد الطّنّاحي، دار العرب الإسلامي، ط.1، 2002م
2 انظر في “التّصحيف” في السّنَد والمتن ، كِتابَ : [عُلوم الحَديث: 279-284] المَعْروفَ بِمُقدّمة ابْن الصَّلاح، لأبي عَمْرٍو عُثْمانَ بْنِ عَبْد الرَّحْمنِ الشَّهرْزورِيّ (ت643)، تح. د. نور الدّين عِتْر، دار الفِكْر، دِمَشْق، ط.3 / 1421هـ – 2000م.
3 نَبَّه كَثيرٌ مِن العُلَماءِ عَلى ظاهِرةِ التَّصْحيفِ بأنْواعِه المُخْتَلِفَة: التَّصْحيف في أسْماءِ الرِّجالِ، وألْفاظِ الجرْحِ والتّعْديل، و تَوْثيق الكَذّابينَ والضُّعَفاءِ والمَجاهيلِ وتَكْذيب الثِّقاتِ، ووَصْل المنْقطِع و قَطْع المتَّصِل: انْظُرْ تَفْصيلَ الحَديثِ عن أنواعِ التَّصْحيفِ في: [التَّصْحيف وأثَرُه في الحَديثِ والفِقْه وجُهود المُحَدِّثينَ في مُكافَحَتِه: 95-221]، د. أسطيري جَمال، دار طيبَة للنّشر والتّوزيع، الرّياض، ط.2 / 1418هـ-1997م .
4 [إصْلاح غَلطِ المُحَدِّثين: 19]، أبو سُلَيْمانَ الخَطّابي (ت.388)، تح. حاتِم صالِح الضّامِن، مؤسّسة الرّسالة، بيروت، الطبعة الثّانية 1405هـ-1985م .
5 عن أبي الزِّنادِ عن الأعْرَج عَنْ أبي هُرَيْرَةَ [صَحيح البُخارِيّ: 2/981] ، و أورَدَ الحاكِمُ تَتِمّةَ الحَديثِ بِلَفْظِ “الحَفيظ المُغيث” [المُسْتَدْرَك عَلى الصَّحيحَيْن: 1/62]، و نَبَّه عَلى صِحّةِ لَفْظِ “المُغيث” [مَعْرِفَة عُلومِ الحَديث: 148] .
6 [مَعْرِفَة عُلوم الحَديث: 147-148] أبو عَبْد الله الحاكِم النّيسابورِيّ (ت.405)، تح. السّيّد معظم حُسَيْن، دار الكُتُب العِلْمِيّة، بَيْروت، ط.2 / 1397هـ-1977م .
7 [سُنَن ابْنِ ماجه: 1/353] لأَبي عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدِ بْنِ يَزيدَ الْقَزْوينِيّ (ت.275) تَح. مُحَمَّد فُؤاد عَبْد الْباقي ، دارُ الْفِكْرِ ، بَيْروت: “بابُ ما جاءَ فيمَنْ دَخَلَ المسجِدَ والإمامُ يَخطُبُ” .
8 [زادُ المَعاد في هَدْيِ خَيْرِ العِباد: 1/434-435]، أبو عَبْدِ الله مُحَمَّد بْن أبي بَكْرٍ، المَعْروف بابْن قَيِّم الجَوْزِيّة (ت.751)، تح. شُعَيْب الأرْنَؤوط و عَبْد القادِرِ الأرْنَؤوط، مُؤسّسَة الرِّسالَة(بَيْروت)-مَكْتَبَة المَنارِ الإسْلامِيّة(الكويت)، ط.13/1406هـ-1986م .
9 [التَلْخيص الْحَبير في تَخْريجِ أَحاديثِ الرّافِعِيِّ الْكَبيرِ: 2/74]، أبو الفَضْل أحمد بْن عَلِيّ بْن حَجَرٍ العَسْقَلانِيّ (ت.852)، تح.السَّيِّد عَبْد الله هاشِم يَمانِيّ، الْمَدينَة المُنَوَّرَة 1384-1964.
10 انْظُرْ التَّفْصيلَ في كِتابِ : [التَّصْحيف وأَثَره في الحَديث والفِقْه…: 227-306] .
11 [صَحيح مُسلم: 2/715] مُسْلِم بْنِ الْحَجّاج القُشَيْرِيّ النّيسابوري (261) راجَعَة مُحمّد فؤاد عبْد الباقي ، دار إحياء التّراث العربي ، بيروت 1374- 1954 .
12 [صَحيح البُخاري: 2/517] (الجامع الصحيح المختصر)، أبو عبد الله محمّد بن إسماعيل البخاري الجَعْفي (ت.256)، تح. مصطفى ديب البغا دار ابن كثير ، بيروت، ط.3 / 1407-1987، [فَتْح الباري: 2/146] لأحمدَ بنِ حَجَر العَسْقَلانِيّ ، ت. محبّ الدّين الخطيب ، محمّد فؤاد عبد الباقي ، قُصيّ محبّ الدّين الخطيب، المطبعة السّلفيّة ، القاهرة ، ط/3 ، 1407هـ
13 [المَنْهَلُ الرّوِيّ في مُخْتَصَرِ عُلومِ الحَديثِ النَّبَوِيّ: 56]، لِمُحَمّد بْنِ إبْراهيمَ بْنِ جَماعَةَ (ت.733)، تح. د.مُحيي الدّين عَبْد الرَّحْمن رَمَضان، دار الفِكْر، دِمَشْق، ط.2 ، 1406هـ .
14 [عُلوم الحَديث: 280]، لابْن الصَّلاح .
15 عُلوم الحَديث: 218
16 [تَصْحيفاتُ المُحَدِّثين: 1/11] أبو أحْمَدَ الحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ سَعيدٍ العَسْكَرِيّ (ت.382)، تح. محمود أحْمَد ميرة، المَطْبَعَة العربِيّة الحَديثَة، القاهِرة، ط.1 / 1402هـ

يَرجعُ مصطلحُ التّصحيف في الأصلِ إلى الأخذِ عن الصُّحُفِ، دونَ التّلقّي من أفواهِ المَشايِخِ؛ قال أبو أحمدَ العسكريّ: « فأمّا معنى قولِهم “الصُّحُفيّ والتّصْحيف”، فقد قالَ الخليلُ: إنّ الصُّحفيَّ الذي يروي الخَطأَ عن قراءةِ الصُّحُفِ بأشباه الحُروفِ، وقال غيرُه: أصلُ هذا أنّ قوماً كانوا قد أخذوا العلمَ عن الصُّحفِ، من غيرِ أن يَلْقَوْا فيه العُلَماءَ، فكان يقعُ فيما يرْوونَه التّغييرُ، فيُقالُ عندَه: قد صَحّفوا، أي رَدّدوه عن الصُّحُفِ، وهم مُصحِّفون، والمصدَرُ التَّصْحيفُ(1)

و قَدْ ألَّفَ العُلَماءُ في مَوْضوعِ “التَّصْحيفِ في الحَديثِ” (2)، وفَصَّلوا الحَديثَ في أنْواعِه المُخْتَلِفَةِ(3)، و مِنْهُم مَن خَصَّ ألْفاظَ الحَديثِ و ما يَعْتَريها مِنْ تَصْحيفٍ بِعِنايَةٍ لُغَوِيَّةٍ خاصَّةٍ؛ فَهذا أبو سُلَيْمانَ الخَطّابِيُّ يُصَحِّحُ ألْفاظاً مِنَ الحَديثِ التي يَرْويها أكثرُ الرّواةِ والمُحدِّثينَ مَلْحونَةً ومُحَرَّفَةً ويُخْبِرُ بِصَوابِها، و فيها حُروفٌ تَحْتمِلُ وُجوهاً اخْتارَ مِنْها أبْيَنَها و أوْضَحَها(4)

و هذا الحاكِم النّيسابورِيّ يورِدُ أحاديثَ و يُنَبِّه عَلى ما وَقَعَ في مَتْنِها مِن تَصْحيفٍ قَدْ يُفْضي إلى عَدَمِ الاسْتِدْلالِ بالحَديثِ، كَما وَرَدَ في حَديثِ “إنَّ لله تِسْعَةً و تِسْعينَ اسْماً” (5) و فيه “الحَفيظ المُقيتُ”، و قدْ رَوى أبو زَكَرِيّا العَنْبَرِيّ عنْ أبي عَبْد الله البوشنْجيّ أنّ المَحْفوظَ مِن هذا الحَديثِ هُوَ “المُغيثُ”، و أنَّ مَنْ قالَ “المُقيت” فَقَدْ صَحَّفَ(6)

وهذا الحافِظُ أبو الحَجّاجِ المُزِّيّ يُعَلِّقُ عَلى حَديثٍ رَواه ابْنُ ماجَة مِنْ طَريقِ الأعْمَشِ عَنْ أبي صالِحٍ عَنْ أبي هُرَيرةَ وعَن أبي سُفْيان عَنْ جابِرٍ قالا: جاءَ سُليكٌ الغَطَفانيُّ ورَسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ فَقالَ لَه النَّبيّ صلى الله عليه وسلم : أصَلَّيْتَ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أنْ “تَجيءَ”؟ قالَ لا، قالَ فَصَلِّ رَكْعَتَينِ وتَجَوَّزْ فيهِما (7) ، و يَقولُ المُزّيّ إنَّ الصَّوابَ: ” أصَلَّيْتَ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أنْ تَجْلِسَ؟ “، فَغَلطَ فيه النّاسِخُ، وأنَّ كِتابَ ابْنِ ماجَه تَداوَلَتْه شُيوخٌ لَمْ يَعْتَنوا بِه، بِخِلافِ صَحيحَي البُخارِيّ ومُسْلِمٍ؛ فإنّ الحُفّاظَ تَداوَلوهُما واعْتَنَوْا بِضَبْطِهِما وتَصْحيحِهِما، أمّا كِتابُ ابْنِ ماجَه فَقَدْ وَقَعَ فيه أغْلاطٌ وتَصْحيفٌ (8)؛ إذْ صَحَّفَه بَعْضُ الرُّواةِ (9). ولا شَكَّ في أنّ كَثيراً مِن الأحاديثِ التي وَقَعَ في بعضِ ألْفاظِها تَصْحيفٌ، أثَّرَ ذلِكَ في الأحْكامِ الفِقْهِيّةِ المُسْتَنْبَطَةِ، وعُمِلَ بِمُقْتَضى المَعْنى المُصَحَّفِ (10)، كَما وَقَعَ في الحَديثِ السّابِقِ: “أصَلَّيْتَ قَبْلَ أنْ تَجْلِسَ؟”، التي رُوِيَتْ: “أصَلَّيْتَ قَبْلَ أن تَجيءَ”، واسْتُخْرِجَ مِن المَعْنى المُصَحَّفِ مَعانٍ فِقْهِيّةٌ

وهذا الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ العَسْقَلانِيُّ يُعَلِّقُ عَلى رِوايةِ مُسْلِمٍ لحَديثِ السَّبْعَةِ الذينَ يُظِلُّهُم الله بِظلِّه، الذي أورَدَه في بابِ “فَضْل إخْفاءِ الصَّدَقَةِ”، فَقَدْ رَواه بِقَلْبِ جُزْءٍ مِنْه: “ورَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فأخْفاها حَتّى لا تَعْلَمَ يَمينُه ما تُنفقُ شِمالُه” (11) ، فَهُو حَديثٌ مَقْلوبٌ حُوِّلَ جُزْءٌ مِنْه عَنْ وَجْهِه، وقَدْ يُؤدّي القَلْبُ في مُتونِ الأحاديثِ إلى تَغْييرِ مَعاني النّصوصِ وتَحْريفِها عَنْ مَواضِعِها؛ قالَ ابْنُ حَجَرٍ في الحَديثِ عَنِ التَّصْحيفِ في المَتْنِ: «وقَد سَمّاه بَعضُ مَن تَقدَّم مَقلوباً؛ قالَ عياض : هكَذا في جَميعِ النُّسَخِ التي وَصَلتْ إلينا مِنْ صَحيحِ مُسْلِمٍ، وهو مَقلوبٌ ، والصَّوابُ الأوّلُ و هو وَجهُ الكَلامِ ؛ لأنَّ السُّنّةَ المَعهودَةَ في الصّدقةِ إعْطاؤُها بِاليَمينِ، وقَد تَرجَم عَليه البُخاريّ في الزَّكاةِ: “باب الصَّدَقَة بِاليَمينِ(12)

وأوْرَدَ عُلَماءُ الحَديثِ أيْضاً أحاديثَ كَثيرَةً ، اعْتَراها التَّصْحيفُ في المَتْنِ، مِنْها ما ذَكَرَه ابْنُ الصَّلاحِ وابْنُ جَماعَةَ مِنْ نَماذِجَ في التَّصْحيفِ في المَتْنِ كَحَديثِ ثابِتِ بْنِ زَيْدٍ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم «احْتَجَرَ في المَسْجِدِ بِخُصٍّ أو حَصيرٍ حُجْرَةً يُصَلّي فيها» ، فَقَدْ صَحَّفَه ابْنُ لهيعَةَ فَقالَ: احْتَجَمَ في المَسْجِدِ (13) ، فَصَحَّفَه لِكَوْنِه أخَذَه مِنْ كِتابٍ بِغيْرِ سَماعٍ (14)

وهكذا فإنّ الحِرْصَ عَلى روايةِ الحَديثِ النّبويّ الشّريفِ، بألفاظِه وحُروفِه، وانتباهَ العُلَماء إلى ذلكَ وتنبيهَهُم عليْه، لَمِمّا يَبْعَثُ الاطْمِئْنانَ عَلى سَلامَةِ لُغَتِه مِنْ كلِّ تَحْريفٍ أو زِيادةٍ أو نَقْصٍ أو إبْدالٍ للَفْظٍ بآخَرَ .

ولا شَكَّ، بعد ذلكَ، في أنّ سَبيلَ السَّلامَةِ مِنَ اللَّحْنِ و التَّحْريفِ و التَّصْحيفِ اشتراطُ المَعْرِفَة بالنَّحوِ واللّغةِ، والأخذِ مِنْ أفْواهِ أهلِ العِلمِ و الضَّبطِ (15) ، ومَنْ لا يُفَرِّقُ بَيْنَ الخَطإ والصَّوابِ فَلَيْسَ بِأهْلٍ لأن يُؤْخَذَ عَنْه(16)

ــــــــــــ

حواشي المقال

1) [شَرْحُ ما يقَع فيه التّصحيفُ والتَّحْريف: 13]أبو أحمدَ العسكريّ، تحقيق أحمد عبدالعَزيز، شركة مكتبة ومطبعة البابي الحلبي وأولاده، القاهِرة، ط.1، 1383هـ، 1963م . [في اللغة والأدب، دِراساتٌ وبُحوثٌ: 2/459] د. محمود محمّد الطّنّاحي، دار العرب الإسلامي، ط.1، 2002م

2) انظر في “التّصحيف” في السّنَد والمتن ، كِتابَ : [عُلوم الحَديث: 279-284] المَعْروفَ بِمُقدّمة ابْن الصَّلاح، لأبي عَمْرٍو عُثْمانَ بْنِ عَبْد الرَّحْمنِ الشَّهرْزورِيّ (ت643)، تح. د. نور الدّين عِتْر، دار الفِكْر، دِمَشْق، ط.3 / 1421هـ – 2000م.

3) نَبَّه كَثيرٌ مِن العُلَماءِ عَلى ظاهِرةِ التَّصْحيفِ بأنْواعِه المُخْتَلِفَة: التَّصْحيف في أسْماءِ الرِّجالِ، وألْفاظِ الجرْحِ والتّعْديل، و تَوْثيق الكَذّابينَ والضُّعَفاءِ والمَجاهيلِ وتَكْذيب الثِّقاتِ، ووَصْل المنْقطِع و قَطْع المتَّصِل: انْظُرْ تَفْصيلَ الحَديثِ عن أنواعِ التَّصْحيفِ في: [التَّصْحيف وأثَرُه في الحَديثِ والفِقْه وجُهود المُحَدِّثينَ في مُكافَحَتِه: 95-221]، د. أسطيري جَمال، دار طيبَة للنّشر والتّوزيع، الرّياض، ط.2 / 1418هـ-1997م .

4) [إصْلاح غَلطِ المُحَدِّثين: 19]، أبو سُلَيْمانَ الخَطّابي (ت.388)، تح. حاتِم صالِح الضّامِن، مؤسّسة الرّسالة، بيروت، الطبعة الثّانية 1405هـ-1985م .

5) عن أبي الزِّنادِ عن الأعْرَج عَنْ أبي هُرَيْرَةَ [صَحيح البُخارِيّ: 2/981] ، و أورَدَ الحاكِمُ تَتِمّةَ الحَديثِ بِلَفْظِ “الحَفيظ المُغيث” [المُسْتَدْرَك عَلى الصَّحيحَيْن: 1/62]، و نَبَّه عَلى صِحّةِ لَفْظِ “المُغيث” [مَعْرِفَة عُلومِ الحَديث: 148] .

 6) [مَعْرِفَة عُلوم الحَديث: 147-148] أبو عَبْد الله الحاكِم النّيسابورِيّ (ت.405)، تح. السّيّد معظم حُسَيْن، دار الكُتُب العِلْمِيّة، بَيْروت، ط.2 / 1397هـ-1977م .

 7) [سُنَن ابْنِ ماجه: 1/353] لأَبي عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدِ بْنِ يَزيدَ الْقَزْوينِيّ (ت.275) تَح. مُحَمَّد فُؤاد عَبْد الْباقي ، دارُ الْفِكْرِ ، بَيْروت: “بابُ ما جاءَ فيمَنْ دَخَلَ المسجِدَ والإمامُ يَخطُبُ” .

8) [زادُ المَعاد في هَدْيِ خَيْرِ العِباد: 1/434-435]، أبو عَبْدِ الله مُحَمَّد بْن أبي بَكْرٍ، المَعْروف بابْن قَيِّم الجَوْزِيّة (ت.751)، تح. شُعَيْب الأرْنَؤوط و عَبْد القادِرِ الأرْنَؤوط، مُؤسّسَة الرِّسالَة(بَيْروت)-مَكْتَبَة المَنارِ الإسْلامِيّة(الكويت)، ط.13/1406هـ-1986م .

9) [التَلْخيص الْحَبير في تَخْريجِ أَحاديثِ الرّافِعِيِّ الْكَبيرِ: 2/74]، أبو الفَضْل أحمد بْن عَلِيّ بْن حَجَرٍ العَسْقَلانِيّ (ت.852)، تح.السَّيِّد عَبْد الله هاشِم يَمانِيّ، الْمَدينَة المُنَوَّرَة 1384-1964.

10) انْظُرْ التَّفْصيلَ في كِتابِ : [التَّصْحيف وأَثَره في الحَديث والفِقْه…: 227-306] .

11) [صَحيح مُسلم: 2/715] مُسْلِم بْنِ الْحَجّاج القُشَيْرِيّ النّيسابوري (261) راجَعَة مُحمّد فؤاد عبْد الباقي ، دار إحياء التّراث العربي ، بيروت 1374- 1954 .

12) [صَحيح البُخاري: 2/517] (الجامع الصحيح المختصر)، أبو عبد الله محمّد بن إسماعيل البخاري الجَعْفي (ت.256)، تح. مصطفى ديب البغا دار ابن كثير ، بيروت، ط.3 / 1407-1987، [فَتْح الباري: 2/146] لأحمدَ بنِ حَجَر العَسْقَلانِيّ ، ت. محبّ الدّين الخطيب ، محمّد فؤاد عبد الباقي ، قُصيّ محبّ الدّين الخطيب، المطبعة السّلفيّة ، القاهرة ، ط/3 ، 1407هـ

13) [المَنْهَلُ الرّوِيّ في مُخْتَصَرِ عُلومِ الحَديثِ النَّبَوِيّ: 56]، لِمُحَمّد بْنِ إبْراهيمَ بْنِ جَماعَةَ (ت.733)، تح. د.مُحيي الدّين عَبْد الرَّحْمن رَمَضان، دار الفِكْر، دِمَشْق، ط.2 ، 1406هـ .

 14) [عُلوم الحَديث: 280]، لابْن الصَّلاح .

15) عُلوم الحَديث: 218.

16) [تَصْحيفاتُ المُحَدِّثين: 1/11] أبو أحْمَدَ الحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ سَعيدٍ العَسْكَرِيّ (ت.382)، تح. محمود أحْمَد ميرة، المَطْبَعَة العربِيّة الحَديثَة، القاهِرة، ط.1 / 1402هـ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق